الإيمان, العلم والدعوة والجهاد
الإيمان بالرسل, قضايا دعوية
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1 ـ مهمة الرسل والأنبياء. 2 ـ أولو العزم. 3 ـ دعوة الرسل أصلها واحد وإن تنوعت شرائعهم. 4 ـ ما لاقاه صلى الله عليه وسلم من قومه في دعوته. 5 ـ الترغيب في الدعوة إلى الله تعالى. 6 ـ صفات الداعية إلى الله. 7 ـ فضل الدعوة إلى الله. 8 ـ نصائح عامة للدعاة إلى الله.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، الدعوة إلى الله من أفضل الأعمال وأشرفها؛ إذ هي طريقة أنبياء الله ورسله، قال الله جل وعلا: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مّمَّن دَعَا إِلَى ?للَّهِ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ?لْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33] .
أيها المسلم، بعث الله رسله دعاة إليه، دعاة إلى دينه، بعثهم مبشرين ومنذرين، بعثهم ليقيم بهم حجته على عباده، قال تعالى: وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: 23] ، وقال جل جلاله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?جْتَنِبُواْ ?لْطَّـ?غُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ?للَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ?لضَّلَـ?لَةُ [النحل: 36] ، وقال تعالى: رُّسُلًا مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ?للَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ?لرُّسُلِ وَكَانَ ?للَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 165] .
إن أنبياء الله ورسله دعوا إلى الله، ونصحوا أممهم، وجاهدوا في الله حق جهاده، أدوا الأمانة، ونصحوا للأمة، وقاموا بما أوجب الله عليهم.
فأولهم نوح عليه السلام، بعثه الله في قومه لما فشا فيهم الشرك بالغلو في الصالحين حتى عبدوهم من دون الله، فبعثه الله يدعو قومه إلى الله، ويحذرهم من الشرك به، ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وقال الله: وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [هود: 40] ، لقد نصحهم وأرشدهم، ودعاهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، ولكن الله صرف قلوبهم عن الهدى، وَلَوْ عَلِمَ ?للَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ [الأنفال: 23] ، وهو يقول: وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ?للَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: 62] .
وهود عليه السلام يقول لقومه: وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [الأعراف: 68] ، وصالح يقول لقومه: وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ?لنَّـ?صِحِينَ [الأعراف: 79] .
والله تعالى تابع الرسل على العباد، فما يمضي رسول حتى يأتي رسول بعده، وكل رسول يُبعث بلسان قومه، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ [إبراهيم: 4] ، وهم متفاوتون في الفضل، فأولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، أولئك أولو العزم المذكورون في قوله: فَ?صْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ?لْعَزْمِ مِنَ ?لرُّسُلِ [الأحقاف: 35] . وختم الله الرسالات كلها بمبعث محمد.
والله جل وعلا بين لنا أن دعوة الرسل تلتقي على هدف واحد هو الدعوة إلى توحيد الله، والأمر بإخلاص الدين لله، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ أَنَاْ فَ?عْبُدُونِ [الأنبياء: 25] ، وإن تنوعت شرائعهم، كما قال: لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـ?جًا [المائدة: 48] .
وختم الله الرسالات كلها بمبعث محمد ، سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، والمبعوث رحمة للعالمين، تَبَارَكَ ?لَّذِى نَزَّلَ ?لْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـ?لَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1] ، وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـ?لَمِينَ [الأنبياء: 107] ، فدعا إلى ما دعا إليه إخوانه المرسلون، دعوةً إلى توحيد الله، وأمرًا بعبادة الله، وتحذيرًا من الشرك بالله، وناله من قومه ما ناله، قالوا عنه: إنه كذاب، وإنه الساحر، وإنه شاعر، وإنه افتراها وتُملى عليه بكرة وأصيلًا، ومع هذا فالله يأمره بالصبر والتحمل، فصبر وصابر، ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، يأتي أندية العرب، فيعرض عليهم دعوته، ويطالبهم بأن يحموها ولهم الجنة، فمن مستجيب، ومن رادٍ، ومن متوقف، إلى أن هيأ الله له الهجرة إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، بعد اتفاق الأوس والخزرج معه على النصرة والتأييد والحماية، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
أيها المسلمون، إن الدعوة إلى الله طريق الأنبياء والمرسلين، منهج محمد ، قُلْ هَـ?ذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى? ?للَّهِ عَلَى? بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ?تَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ ?للَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ ?لْمُشْرِكِينَ [يوسف: 108] .
أيها المسلم، يا من أنار الله بصيرته، وهدى قلبه، فعرف الحق من الباطل، وميز الهدى من الضلال، كن داعيًا إلى الله، كن داعيًا إلى دين الله، كن ناصحًا لإخوانك المسلمين، كن محذرًا لهم من مخالفة الشرع، كن حريصًا على هدايتهم ما وجدت لذلك سبيلًا.
أيها المسلم، الدعوة إلى الله فريضة على المسلم الذي عرف الحق من الباطل، وميز الحسن من القبيح، أن يدعو إلى الله، يبدأ بنفسه فيصلحها، ويعمل بما علم، ثم يبدأ بأهل بيته، زوجته وأبنائه وبناته، يدعوهم إلى الله، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] ، ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ [التحريم: 6] ، فابدأ بنفسك، ابدأ بأهل بيتك، فأصلح أخطاءهم، وصحح أوضاعهم، وأقم المعوج من سلوكهم، ربِّهم على الخير والهدى، وكن قدوة صالحة لهم، إن رأيت مخالفة للشرع فحاول تحذيرهم منها، في الأقوال والأعمال، مُرهم بإخلاص الدين لله، مرهم بالصلاة والعناية بها والاهتمام بها، مرهم بالبر والصلة، مرهم بالأخلاق الكريمة، تعاهد أخلاقهم وأعمالهم، فإذا قمت على أهل بيتك فقد قمت بواجب عظيم.
التفت إلى الجيران والأصحاب، وادع من استطعت دعوته إلى الله، ولتكن تلك الدعوة صادرة عن إخلاص، ومحبة الخير، والحرص على الهداية، إن بلغك عن جار مخالفة للشرع، من ارتكاب محظور أو ترك واجب، فحاول الدعوة إلى الله، واسلك الحكمة والرفق في ذلك، فعسى أن توفَّق لأن يقبل منك من تدعوه.
رحِمُك وأقاربك احرص على دعوتهم إلى الله، وأمرهم بالخير، وتعاهدهم بالنصيحة ما بين آونة وأخرى.
زملاؤك وأصحابك ومن تشاركهم في الأعمال ادعهم إلى الله، مرهم بالخير، وحذرهم من الشر. إن رأيت أي مخالفة في الأقوال والأفعال فإياك والإهمال، رأيت تهاونًا بالصلاة فحذرهم من هذا الخلق الذميم، رأيت إقبالًا على المسكرات والمخدرات فانصحهم نصيحة لله، لتنقذهم من هذه الغواية، رأيت إسبالًا في الثياب، رأيت بذاءة في اللسان، رأيت سوءَ معاملة، رأيت معاملات ربوية، فكن ناصحًا لإخوانك، مبينًا الحق لهم، موضحًا لهم سبيل الرشاد، هذا خلق المؤمن، ?دْعُ إِلِى? سَبِيلِ رَبّكَ بِ?لْحِكْمَةِ وَ?لْمَوْعِظَةِ ?لْحَسَنَةِ وَجَـ?دِلْهُم بِ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [النحل: 125] .
أيها الإخوة، لا تحتقر نفسك أخي، فكل أمر تعلم دليله ومخالفته للشرع فانصح من ابتلي به على قدر علمك ومعرفتك، وإياك والفضيحة، وإياك والتشهير بهم، وإنما هدفك إصلاحهم واستصلاحهم، وإنقاذهم من الضلال، فاحذر التشهير بهم، والشماتة بهم، فذاك لا يغني شيئًا، إنما يستفيد الناس منك إن علموا الصدق منك، وكتمان الأمور، وأنك نصحتهم فيما بينك وبينهم، تبتغي بتلك النصيحة وجه الله والدار الآخرة، فإن الله يهيئ لك من أمرك رشدًا.
إن الدعوة إلى الله سبيل الأنبياء والمرسلين، فلنكن ـ إخوتي ـ على هذا المنهج القويم، وليكن التناصح فيما بيننا، والتعاون على البر والتقوى. إن المصيبة أن ترى أخاك على معصية فلا تنصحه، ترى منه المخالفة فلا تنصحه، وإذا ابتعدتَ عنه قلت فيه ما قلت، وانتهكت عرضه، وهتكت ستره، وكان الواجب عليك أن تنصحه قبل أن تفضحه، وأن توضح الحق له، وأمر القلوب بيد الله، يهدي الله من يشاء بفضله، ويخذل من يشاء بعدله، قال الله لنبيه: إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـ?كِنَّ ?للَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء [القصص:56] ، لكن إذا أديت واجب الدعوة قمت بالواجب عليك، وأمر العباد إلى الله، فعليك البلاغ والنصيحة، والله يتولى هداية من يشاء، وله الحكمة في ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
أيها الداعي إلى الله، إن لك فضلًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا، فأخلص لله دعوتك، وارتقب ما عند الله من الثواب الذي وعدك به على لسان نبيه ، يقول: (( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ) [1] ، ويقول في فضل من اهتدى على يديه رجل واحد يقول لعلي: (( فوالله، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم ) ) [2] ، ويقول: (( من دعا إلى خير فله مثل أجر فاعله ) ) [3] ، ويقول: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا ) ) [4] .
فيا دعاة الإسلام، أخلصوا لله دعوتكم، واصدقوا الله في نياتكم، وادعوا إلى الله على بصيرة وعلم ورفق وأناءة، واقصدوا بذلك وجه الله، ولا تقصدوا بها عرض الدنيا، ولا التشفي من الخلق، ولا إذلالهم، ولكن تقصدون نصيحتهم، والرفق بهم، والصعود بهم إلى الدرجات العلا، فكونوا كما أراد الله منكم، مخلصين لله في دعوتكم، صادقين في ذلك، حريصين على هداية إخوانكم المسلمين، والمؤمن أخو المؤمن، لا يظلمه ولا يكذبه ولا يحقره.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد...
[1] أخرجه أبو داود في العلم، باب: فضل نشر العلم (3660) ، والترمذي في العلم، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2656) ، وابن ماجه في المقدمة، باب: من بلغ علمًا (230) ، والدارمي في المقدمة، باب: الاقتداء بالعلماء (229) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه بنحوه. قال الترمذي:"حديث زيد بن ثابت حديث حسن"، وصححه ابن حبان (67) ، والألباني في صحيح أبي داود (3108) .
[2] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب: دعاء النبي الناس... (2942) واللفظ له، ومسلم في فضائل الصحابة (2406) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
[3] أخرجه مسلم في الإمارة، باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره (1893) من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.
[4] أخرجه مسلم في العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى... (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.