الرقاق والأخلاق والآداب
التوبة, الكبائر والمعاصي
بهجت بن يحيى العمودي
الطائف
الأمير أحمد
1-كل بني آدم خطاء. 2- الحسنات يذهبن السيئات. 3- التوبة تجبُّ ما قبلها. 4- من قصص التائبين. 5- العمل الصغير قد يكون عند الله كبيرًا. 6- من الحسنات الماحية الصلاة والذكر والصيام.
أما بعد:
اتقوا الله ـ عباد الله ـ حق التقوى وكونوا ممن إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر، وإذا أذنب استغفر، فبهذه الثلاث تنال السعادة في الأولى والآخرة.
أيها المسلمون، إن تقوى الله جل جلاله تمنع المتقي من الوقوع في حرمات الله كما بيَّنا ذلك في الخطبة الماضية، ولكن مع تقواه وخوفه من ربه ومولاه ومجاهدة الشيطان ومغالبته لنفسه وملاذِّه وهواه قد تزل القدم ويقع في الخطيئة وتقترف السيئة، وهذا أمر ثابت بنص القرآن والسنة المطهرة.
إن عباد الله المتقين قد تقع منهم الزلة والخطيئة كما قال الله عن أبينا آدم عليه السلام وَعَصَى? ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى? [طه:121] ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: (( كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) )، قال الله تعالى عن المتقين: إِنَّ ?لَّذِينَ ?تَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ ?لشَّيْطَـ?نِ تَذَكَّرُواْ [الأعراف:201] ، وقال تعالى عن المتقين وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ [آل عمران:135] .
إذًا ـ إخوتي ـ هذه الأدلة الصريحة الصحيحة الثابتة من القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن عباد الله المتقين قد يقعون في المعصية، وهذا يدل على بشريتهم وضعفهم في جنب الله تعالى، ولكن الله جل جلاله الذي خلق الخلق وهو أعلم بهم وبضعفهم، شرع لهم مكفرات يكفرون بها عن هذه السيئات والخطيئات، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم عباده المتقين بقوله: (( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ) )، فإذا ما وقع التقي في الذنب والخطيئة ثم أتبعها بحسنة محيت عنه بإذن ربه، وهو الرؤوف الرحيم بعباده وقال تعالى: إِنَّ ?لْحَسَنَـ?تِ يُذْهِبْنَ ?لسَّيّئَـ?تِ ذ?لِكَ ذِكْرَى? لِلذكِرِينَ [هود:114] .
ومن أهم الحسنات التي تمحو السيئات التوبة، والتي تقتضي الإقلاع عن الذنب والندم على ما فات والعزم عدم العودة إلى الخطيئة مرة أخرى، قال صلى الله عليه وسلم: (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) ).
ومن الشواهد على ذلك أيضًا قصة المرأة التي زنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت وقالت: يا رسول الله إني حبلى من الزنا، فأقم علي الحد، فأمرها أن ترجع حتى تضع حملها.
وحين وضعت أتته، فقال لها: ارجعي حتى تفطمي طفلك، فبعدما فطمته رجعت أقام عليها الحد ثم قال صلى الله عليه وسلم: (( لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله ) ).
وقال في ماعز رضي الله عنه الذي وقع أيضًا في الزنا بعد إقامة الحد عليه: (( لقد تاب توبةً لو تابها أهل المدينة لقبل منهم ) )فالله أكبر يا عباد الله، انظروا إلى أثر تقوى الله عز وجل في قلوب هؤلاء الأتقياء الذين لم يعلم بمعصيتهم أحد إلا الله، فما زالت التقوى بهم وخوف الله يلهب قلوبهم وخشيته ترعد فرائصهم حتى أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليطهرهم من هذه الخطيئة وهذا الذنب، ولو أنهم تابوا فيما بينهم وبين الله سبحانه وتعالى لكفاهم ذلك، ولكنها نفوس سمت بإيمانها إلى العلياء، فما رضت حتى جادت بنفوسها رضًا لرب الأرض والسماء.
وقصة ذلك الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا بل أتم المائة، وحينما وجد من دله على باب التوبة وأمره بأن ينتقل من بلاد السوء إلى بلاد الخير والصلاح ثم قبضت روحه قبل أن يصل إليها، أدخله ربه مع المتقين برحمته، إذ أنه أقبل على الله بقلب مؤمن تقي تائب عن ذنبه، أقبل عازمًا على عدم العودة إليه، نادمًا على فعله، فقال الله لهذه: (أي بلد الصلاح) أن تقاربي، وقال لتلك: أن تباعدي (أي بلد السوء) فدخل الجنة برحمة الله عز وجل.
فأين نحن عباد الله من توبة مثل هؤلاء؟ هل نحن حينما نذنب الذنب في حق الله تعالى أو أنفسنا أو عباد الله نتوب توبة صادقة؟
إن المتأمل ـ إخوتي ـ في حال كثير من الناس ممن يزعمون أنهم يتوبون من ذنوبهم إذا أذنبوا، فيراهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، والله أعلم بما يكتمون، يقول: أستغفر الله وأتوب إليه. وهو لا يزال على المعصية قائمًا، وعلى فعلها عازمًا، وقلبه من الندم بسبب فعلها خاليًا، لقد قال هذه الكلمة ـ إخوتي ـ ولم يأتِ بمقتضاها، كما ذكر سابقًا.
وهي لم توافق قلبه، لذلك لا تجد لها في نفسه أثرًا، ولا عن المعاصي بعدًا، ولا من ربه جل جلاله قربًا إذ يقول الله عن المذنبين من المتقين وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ?للَّهَ فَ?سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ إِلاَّ ?للَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى? مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] ، فهذا هو الفرق ـ أحبتي ـ بين توبة أولئك المتقين وتوبة هؤلاء المتلاعبين، فالمتقون يتوبون إلى الله نادمين، وتراهم على طاعة ربهم مقبلين، ولا يقيمون على المعاصي.
أما أولئك فيتوبون كما يزعمون وهم غير نادمين، وعن طاعة ربهم معرضين، وعلى المعاصي دائبين.
واستمع ـ أخي الحبيب ـ إلى هذا الحديث العظيم الذي يبين لنا سعة رحمة الله بعباده وحلمه عليهم ولطفه بهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: (( إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ) )رواه البخاري ومسلم.
إخوة الإيمان، إن اتباع السيئات بالحسنات تمحها، رحمة من عند الله تعالى وفضل عظيم، ولكن فعل الحسنات يكون بقلب صادق مؤمن تقي، يفعلها وهو مؤمن بها، مصدق بعظيم أجرها وفضلها وشاهد ذلك حديث صاحب البطاقة الذي يؤتى به يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر له تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها كلمة: لا إله إلا الله، فتوضع البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، قال: فطاشت بهن لا إله إلا الله.
وحديث البغي التي سقت كلبًا بخفها وكان ظمئًا يريد ماءً، فغفر الله لها جزاء صنيعها هذا، وحديث الرجل الذي أزال الشوكة عن الطريق فشكر الله له فأدخله الجنة جزاء صنيعه.
لا يشك مسلم عاقل في أن أفعال هؤلاء بذاتها لا تساوي الجزاء الذي حصلوا عليه، ولكنه قام في قلوبهم حين فعلهم لهذه الحسنات من الإيمان والتقوى وإجلال الله وتوقيره وعظمته ما استحقوا به ذلك الجزاء.
إخوة الإسلام، لقد تبين لنا مما سبق أن المؤمن التقي مع تقواه وإيمانه يقع في الخطيئة، وهذا ليس حجة للعابثين اللاهين الذين ينهمكون في محارم الله، بل يجب عليهم المبادرة إلى التوبة النصوح، إذ قال عن آدم: وَعَصَى? ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى? [طه:121] ، ولكن ماذا حدث بعدها؟ ثُمَّ ?جْتَبَـ?هُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى? [طه:122] ، وقال سبحانه: وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ?للَّهَ فَ?سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ إِلاَّ ?للَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى? مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وقال سبحانه: إِنَّ ?لَّذِينَ ?تَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ ?لشَّيْطَـ?نِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف:201] .
فلا بد من الرجوع إلى الله بصدق وإخلاص وندم وعزم على عدم العودة إلى المعصية ومتابعة السيئة بالحسنة كي تمحها، وهذا من سعة رحمة الله وتمام فضله، إذ جعل لنا مكفرات نكفر بها عن خطيئتنا.
اللهم اغفر لنا ذنبنا يا حي يا قيوم..
أقول قولي هذا...
الحمد لله الذي كان بعباده لطيفًا خبيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله وسَابِقُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ [الحديد:201] .
إخوة الإسلام، ونذكر لكم من الحسنات الماحيات للسيئات ما يحث على اغتنامها وفعلها، فمنها التوبة والاستغفار كما ذكر آنفًا، قال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ?للَّهَ يَجِدِ ?للَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:110] .
ومن الحسنات ما هو أعم من التوبة مثل الصلاة قال تعالى: وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ طَرَفَىِ ?لنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ?لَّيْلِ إِنَّ ?لْحَسَنَـ?تِ يُذْهِبْنَ ?لسَّيّئَـ?تِ [هود:114] .
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعًا يحسن فيها الركوع والخشوع ثم استغفر الله غفر الله له ) )وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ) ).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) ).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صوم عاشوراء (( أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها ) )وقال في صوم يوم عرفة: (( أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده ) ).
ومما يكفر الخطايا ذكر الله عز وجل، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من قال: سبحان الله وبحمده، في يومه مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) ).