فهرس الكتاب

الصفحة 3401 من 5777

إن رحمة الله قريب من المحسنين

الإيمان

الله عز وجل

مازن التويجري

الرياض

جامع حي النزهة

1-الله أرحم بعباده من الأم بولدها. 2- لله مائة رحمة. 3- عظيم سعة رحمة الله تعالى. 4- طرق استجلاب رحمة الله: إخلاص التوحيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عمارة الأرض بطاعة الله، رحمة الضعفاء والمحاويج. 5- الفهم الصحيح لنصوص الترغيب والترهيب في الوحيين.

بينما النبي في أصحابه قد جاءه سبيٌ من سبي المشركين إذ بامرأة من السبي تطوف عَجْلَى بالقوم، تبدو على مُحَيّاها علامات الذُّعر والخوف، وترتسم في خطاها معاني الشوق واللهفة، تلفظ أنفاسها سِراعًا، تجسّد لوحة الحنان والرأفة، كلما رأت صبيًا ضمته إلى صدرها عسى أن يكون وليدها، تحدّق النظر فيه، فإذا به ليس هو، تفارقه، لتعاود البحث بين أفواج البشر، وفجأة ألقت بيديها على صبي، نظرت في وجهه فإذا هو قرة العين وريحانة القلب، ضمته إلى صدرها، ليغرق في أعماق الحنان والحب، ألقمته ثديها، وراحت تغوص في بحار عطف الأمومة ورحمتها، كل هذا والنبي وأصحابه يرقبون هذا المشهد العجيب لحظة بلحظة، عندها قال النبي لأصحابه: (( أترون هذه طارحة ولدها في النار؟! ) )قالوا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) )متفق عليه.

إن هذه الصورة والمثال الحيّ الذي عاشه الصحابة وقلوبهم ملئت بالعجب من رحمة هذه المرأة بولدها حتى تناست معه الرِقّ الذي رمى بأغلاله عليها، وبعد كل هذا الإعجاب والإكبار قال النبي قولته؛ ليحقق في نفوس الصحابة أنه مهما بلغت رحمة الرحماء في الدنيا فهي لا تعدل شيئًا أمام رحمة أرحم الراحمين.

هل عجبتم من دفاع الطير عن فراخه في وكرها وهو يقاتل حيوانًا أو يهاجم إنسانًا؟! أم هل راعكم منظر الوحوش التي جُبِلت على القتل والإيذاء وهي تلاعب صغارها وتحنو عليها؟! أم هل رأيتم حيوانًا ضعيفًا أو حشرة صغيرة وهي تقدّم نفسها للموت دون أبنائها وصغارها؟!

إنها الرحمة التي جَبَل الله الخلقَ عليها، ولكنها لا تساوي قيد أنملة في رحمة الله، قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] . لقد جعل الله هذه الدنيا دارَ عمل وابتلاء، وأنزل فيها من الرحمات والبركات على قلوب من شاء واصطفى من عباده، وكانت هذه الرحمات مؤشرات لبلوغ رحمته وعفوه يوم يقوم الأشهاد.

روى مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة ) ).

فكل ما ترى من رحمة المخلوقات بعضها على بعض على امتداد الزمن منذ خلق الله هذه المعمورة إلى أن يرث الأرض ومن عليها ما هي إلا رحمة واحدة من مائة رحمة، ادّخرها الله لأوليائه وحزبه يوم القيامة، فسبحان من وسِعت رحمته كل شيء.

جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ قال: (( لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي ) ). ولكن مع سعة هذه الرحمة وعمومها بقي الموفّق من عباد الله من يتحسّس الخصال التي تُستمطَر بها رحماته وبركاته، ثم علم الموفقون كذلك أن الغاية عندهم وأعلى مقاصدهم الفوز والنجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، فأدرَكوا أن أعظم نسائم الرحمة التي تهبّ على الخلق في هذه الحياة الدنيا أن يوفّقهم الله لسلوك طريق الخير والصلاح ونهج سبيل أهل الإيمان وحزب الرحمن.

معاشر الإخوة، إن صفاء التوحيد وعمق الإخلاص من أعظم ما تُستجلب به رحمة الله في الدنيا والآخرة، فلا يُصرف شيء من العبادة إلا لله، ولا يتعلّق القلب بسواه، ولذلك ترى كثيرًا من الناس تُمحق بركة رزقه أو ولده يوم أن صرف شيئًا من التوكل على غير الله، فتعلق بأسباب الدنيا المجردة، أو والى أعداء الله وعادى أولياءه، كيف يرجو البركة والرحمة من صرف الرغبة والرهبة لمخلوق ضعيف يرضيه بسخط الله ويحبه بغضب الله، يداهن ويجامل على حساب دينه وتوحيده؟! إن أعظم رحمةٍ يرحم الله بها عبده يومَ يوفّقه لإخلاص العبادة وتوحيد القصد.

أيها المؤمنون، إن قيام المجتمع بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دلائل توفيقه وخيريته وسموّه ورفعته، إنه ضمانٌ من كل هَلَكة وأمان من العقوبة ومستجلبٌ لسيل الرحمات، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71] ، وبقدر تخلي الأمة عن هذا الركن الركين يكون هلاكها إن حسيًا أو معنويًا.

أيها الأكارم، عمارة الأرض بطاعة الله والتقرب إليه بإقامة فرائضه وإحياء النوافل والسنن من أسباب تنزل البركات وغشيان الرحمات، وإنّ عبدًا متهاونًا في الفرائض متكاسلا عن النوافل متجرّئا على كلّ معصية لهو أبعد الناس عن رحمة الله في الدنيا والآخرة.

إنّ تعلق كثير من الناس بأحاديث جاءت في رحمة العصاة بأعمال يسيرة قاموا بها واتّكالهم عليها لهو عين الجهل بالله وسننه وشرعه، إذ يؤخذ منها عظم فضله وسعة رحمته، وليس المقصود أن يحارب العبد ربه بالمعاصي والأوزار ثم يتّكل على عمومات الآيات والأحاديث، بل يجب أن تؤخذ النصوص بجمْعِها، فالله سبحانه كما أنه غفر لبغي بسقيها كلبًا فقد أدخل النار امرأةً في هرة، وكما أنه يغفِر ويتجاوز فهو يغار إذا انتهكت محارمه، نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50] ، ومن كانت حاله إقامةً على المعاصي وتضييعا لأمر الله ثم يرجو العفو والصفح من غير عمل فقد أمن مكر الله، فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99] .

فنصوص الرحمة والمغفرة إنما تدفع أولي الألباب للعمل وتغيير الحال وتصحيح المسار، لا أن تكون سبيلًا للقعود عن العمل، ومُتّكأً لسوء الحال والعمل، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] ، فكلما أحسن العبد كان أقرب من رحمة الله، وإذا أساء فهو أبعد.

وليعلم أن رحمة الله بالكافرين والعصاة إنما هي ابتلاء لهم، وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [المؤمنون:75] ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت:50] .

هذا هو الإنسان الجحود البعيد عن ربّه، ينعم الله عليه ويغدق، فينسب النعمة إلى نفسه، فيسيء العمل، ويطول به الأمل حتى ينسى الله والدار الآخرة، وإن تذكر فسعة الرحمة وعظيم المن، وإذا نصح ناصحٌ قال أحدهم: ربك غفور رحيم، سبحان الله! هل ترجو خيرًا من رئيسك وأنت تسيء معاملته وتقسو في عشرته؟! ولله المثل الأعلى، أنرجو القربَ والغفران ونحن نقدّم سوء المعاملة؟! فسبحانك ربي! كيف جمع أولئك بين سوء العمل وحسن الظن؟!

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينه لا تجري على اليبسِ

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم [البقرة:218] .

معاشر الفضلاء، وإنّ مما تُستمطَر به الرحمات في الدنيا والآخرة رحمة الضعفاء وذوي الحاجة، إغاثة الملهوف وكفالة اليتيم والقيام على الأرملة وسدّ حاجة المسكين والعطف على الفقراء. روى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء ) )، وفي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا يرحمُ الله من لا يرحم الناس ) ).

فالعطفَ العطف، والرحمةَ الرحمة، مسحًا على رأس اليتيم، وأخْذًا على يد الفقير، وقضاءً لحاجة المسكين.

إن رحمة الله في الدنيا عامة للمؤمنين وغيرهم، ولكنها في الآخرة خاصة للمؤمن، وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان:30، 31] .

ومهما بلغ العبد من القرب والطاعة فلن يدخل الجنة إلا برحمة أرحم الراحمين، في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( سدّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنة عملُهُ ) )، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (( ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة ) ).

لم ترد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت