فهرس الكتاب

الصفحة 4588 من 5777

وقفات مع آيات الصيام

العلم والدعوة والجهاد, فقه

الصوم, القرآن والتفسير, محاسن الشريعة

خالد بن محمد الشارخ

الرياض

اللحيدان

1-الحكمة من تكرار التقوى أثناء آيات الصيام. 2- مفطرات الصيام نوعان: حسية ومعنوية. 3- وقفة مع قوله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ. 4- رمضان شهر القرآن. 5- الأعذار التي توجب الفطر في رمضان. 6- أثر الصيام في إجابة الدعوات. 7- مظاهر اليسر في أحكام الشريعة الإسلامية.

أما بعد: فيا معاشر المسلمين، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فقد قال الله تعالى في سورة البقرة في آيات الصيام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] . فدعونا نتأمل في هذه الآيات العظيمات، ونجول في معانيها، ونأخذ الدروس منها.

أيها الإخوة، الوقفة الأولى: إن الناظر في آيات الصيام في هذه السورة يجد ولأول وهلة أن التعقيب بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] قد تكرر في أكثر من مرة، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] ، وقال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة:187] ، بينما غيره من التعقيبات لم تتكرر، بل أن التعقيبات الأخرى لتصب في معنى التقوى، فجاء"لعلكم تشكرون""لعلهم يرشدون"، وهذه وتلك لولا التقوى ما شكر العبد وما رشد. فما الحكمة من تكرار لفظ التقوى ها هنا؟!

أيها الإخوة، إن تكرار التقوى في ثنايا آيات الصيام هو بسبب أن الصوم من أعظم العبادات الجالبة للتقوى، فالذي يهجر الطعام والشراب ويترك الاستمتاع بأهله لله عز وجل وتقربًا إليه فسوف يُوهب التقوى ويوفّق إليها، ولذلك يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (( كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وطعامه من أجلي ) ).

فأعظم مقاصد الصوم هي التقوى الجالبة لكل خير الصارفة عن كل شر، فحين نهاك الله عن الأكل والشرب مدّة صومك والأكل والشرب مباح لك في الأصل لتعتاد نفسك على ترك الحرام، فالذي قدر أن يمنع نفسه من المباح هو أقدر أن يمنعها من الحرام، وهذا سر من أسرار التقوى الجالب للتقوى.

وأما الذين لا يفهمون من الصوم إلا ترك الطعام والشراب فهؤلاء ما فهموا حقيقة الصيام عن الله شيء، ولا انتفعوا بالصيام، ولذا فأنت تجد أحدهم يمسك عن الطعام والشراب ولكن قد أفطر لسانه بالحرام ونطق بالحرام، وأفطرت عينه بالنظر إلى الحرام، وأفطر سمعه على سماع الحرام، ولأمثال هؤلاء يقول النبي: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ) )رواه البخاري. وقول الزور كل قول باطل من الغيبة والنميمة والسب والشتم، وكل قول باطل والعمل به كل باطل يعمل. ولذلك ـ أيها الإخوة ـ فقد ذكر أهل العلم في مفطرات الصائم أنها على نوعين: حسية ومعنوية، أما الحسية فكالأكل والشرب والجماع وغير ذلك، أما المعنوية فكالغيبة والنميمة وقول الزور والعمل به، فإن أجر الصائم ينقص بحسب ما ألم به من الزور والعمل به، فبعض الصائمين تستغرق ذنوبه أجر صومه كله، فلا يكون له من صومه إلا الجوع والعطش، أعاذنا الله وإياكم من الزور وأهله.

أيها الإخوة، ومن معاني التقوى التعود على شظف العيش وترك ملاذ الحياة والإقلال منها، وليحس المسلمون الصائمون بأن لهم إخوانًا يعيشون الصيام طيلة عامهم، فلا يجدون الطعام والشراب الذي يكفيهم من شدة الخصاصة والفقر، ليبذلوا المال بعد ذلك سخية ببذله نفوسهم.

أيها الإخوة، الوقفة الثانية: وقال تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184] ، فمن رحمة الله بعباده أن جعل الصيام أيامًا معدودات، فليس فريضة العمر وتكليف الدهر، ومع هذا أعفى من أدائه المرضى حتى يصحوا، والمسافرين حتى يقيموا رحمة وتيسيرا، قال تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] .

وأيضًا فثمة أمر جليل تؤديه هذه الآية، فقد قال تعالى وهو أعلم بمن خلق، قال عن أيام رمضان: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ لأنها سريعة التقضّي سريعة الأفول، فحري بعبد يرجو ما عند الله أن لا تفوته هذه الأيام القليلة باغتنامها في طاعة الله عز وجل، فقد جاء في الصحيحين أن النبي قال: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )، وقال: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )، وقال: (( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) )رواه أهل السنن بإسناد صحيح. فلا يفوتك هذا الفضل العظيم والعطاء الجسيم، فبمجرد قيامك مع الإمام ساعة أو أقل تكتب عند الله قائمًا لليل كله، فمن يزهد في هذا العطاء الإلهي والمنحة الربانية؟!

أيها الإخوة، الوقفة الثالثة: قال تعالى في ثنايا آيات الصيام: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] ، فرمضان شهر القرآن، وكان السلف رحمهم الله إذا أقبل رمضان أقبلوا على القرآن وتركوا كتب أهل العلم. قال الزهري رحمه الله:"إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام"، وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن من المصحف. وكان قبلهم المعلم الأول رسول الله يدارس جبريل القرآن في كل رمضان فيعرض عليه، حتى إذا كان سنة وفاته عليه الصلاة والسلام عرض عليه مرتين. فما أحوجنا ـ أيها الإخوة ـ لهذا القرآن العظيم، وخاصة في هذا الشهر الكريم، فأكثروا فيه من تلاوة القرآن وتأمل معانيه وتدبره والعمل به.

آيات من القرآن يلين بها ما قسا من القلوب، وسيشهد بها ما جفّ من المآقي، فوا عجبًا لنفوس لا تستعذب تلاوة كلام الله ولا ترقّ لكلام الله، ولا تلين جلودها وقلوبها لكلام الله، لقد أثنى الله على عباده المؤمنين فقال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23] . نعم، هذا توفيق وهداية لا يوفّق إليها كل واحد، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23] . ووا عجبًا من قلوب كيف تعيش وليس لها ورد من كتاب الله، وواعجبًا من قلوب ما أقساها وهي لا تحرك قلوبها بتلاوة كلام الله، لقد عاتب الله الصحابة وهم حدثاء عهد بإسلام، فقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ [الحديد:16] . فحري بك ـ أخي المسلم ـ أن تجعل لك وردًا من كتاب الله تتأمل فيه، وتتلوه تحرك به قلبك، وتدرّ به دمعك، وتغير به حياتك، ولا يكن همك آخر السورة، بل اتلُ بتمعّن وتدبر.

الوقفة الرابعة أيها الإخوة: ومما جاء في آيات الصيام قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ، فكل من أدرك شهر رمضان وهو قادر على صومه فواجب عليه الصوم، فيمسك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، متعبدًا لله عز وجل بذلك، فمن تناول شيئا من المفطرات مختارًا غير مكره ذاكرًا غير ناسٍ عالمًا غير جاهل لم يصح صومه.

أما المريض فإن كان مرضًا يرجى برؤه وشفاؤه فهذا يفطر مدّة مرضه ويقضي مكان الأيام التي أفطرها، وإن كان مرضه لا يرجى شفاؤه فهذا يطعِم عن كل يوم مسكينًا، لكل مسكين نصف صاع، أي: كيلو ونصف من الأرز ونحوه، أو إن شاء جمع فقراء بعدد الأيام التي أفطرها وأطعمهم، فإن ذلك يجزئه. وأما المسافر فإن كان الصوم لا يشقّ عليه فالصوم أولى إبراء للذمة، وأما إن كان يشق عليه الصوم أو يضره فإنه يجب عليه الفطر.

واعلموا ـ أيها الإخوة ـ أن المريض الذي يضره الصوم لا يجوز له الصوم، والصوم في حقه حرام، فإذا قرر الأطباء أن هذا المريض يضره الصوم فلا يجوز له الصوم، بل يطعم ولا شيء عليه، ومن يغسل الكلى فهؤلاء لا صوم لهم، ولا يصح منهم حالَ غسيلهم، لقول النبي: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )، وغسيل الكلى إخراج للدم من البدن، فإن كان يستطيع الصوم في أيام التي لا يغسل فيها صامها، وقضى مكان الأيام التي أفطرها، وإن كان لا يطيق الصوم فإنه يطعم عن كل يوم مسكينا.

واعلموا ـ أيها الإخوة ـ أنّ كلّ ما كان في معنى الأكل والشرب كحقن الدم والإبر المغذية فإنها مفطرة؛ لأنها تقوم مقام الأكل والشرب من حيث استغناء الجسم بها. ومن أراد البسط في هذا فليرجع لكتب أهل العلم، وليسأل عما أشكل عليه.

الوقفة الخامسة: قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي [البقرة:186] ، لقد جاءت هذه الآية في ثنايا آيات الصيام، يا لها من آية عجيبة، آية تسكب في قلب المؤمن النداوة والطمأنينة والراحة والأنس، فللصيام أثر في إجابة الدعوات، فاعرضوا حاجاتكم على مولاكم وخالقكم، اعرضوا عليه سؤالكم، فإن النبي يقول: (( إن الله تعالى ليستحي من أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيها خيرا فيردهما خائبتين ) )، ويقول: (( ما من مسلم يدعو بدعوة ليست بإثم ولا قطيعة رحم إلا كان له إحدى ثلاث: إما أن يستجيب الله له، أو أن يصرف عنه السوء مثلها، وإما أن يدخرها له يوم القيامة ) )، فقال الصحابة: يا رسول الله، إذا نكثر؟ فقال: (( الله أكثر ) ).

تقبل الله منا صيامنا وقيامنا، اللهم أعنا على القيام بطاعتك في هذا الشهر الكريم، واجعلنا من المقبولين، ومن المعتوقين من النار.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم...

الوقفة السادسة: قال تعالى بعدما ذكر فرض الصوم على عباده وإنه وضعه عن المسافر والمريض: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [البقرة:185] .

إنها القاعدة الثابتة الراسخة في كل ما فرض الله علينا، فليس فيما فرض الله علينا أراده منا لأجل العسر، كلا، فلقد أراد بنا اليسر يوم أن فرض علينا الصلاة فجعلها خمس صلوات في اليوم والليلة ولم يجعلها خمسين صلاة، وأراد بنا اليسر يوم أن فرض علينا الزكاة فجعلها في جزء بسيط من المال، وهي مع ذلك تزكيه وتنميه، ولقد أراد الله بنا اليسر يوم افترض علينا الصيام فقد جعله شهرًا في السنة، وخفف على المسافر والمريض، وجعل الصوم مدة النهار، ويعود الصائم في ليله كأيام فطره، فيباح له كل شيء مما أباحه الله عز وجل، ولقد أراد الله بنا اليسر يوم أن فرض علينا الحج، فهو واجب في العمر مرة، ولمن استطاع إليه سبيلا، ولم يكلف العباد ما لا يطيقون في ذلك، ولقد أراد الله بنا اليسر يوم أن فرض علينا الجهاد في سبيله، فالجهاد مشقة ما في ذلك شك، كما قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] ، فالجهاد مشقة على النفوس، مشقة على الأبدان، لكن من ورائه عِزّ للإسلام وتمكين للمسلمين وحماية بيضة المسلمين، وحفظ أعراضهم وإرغام الكافر المنتفش وإصغار الباطل المسيطر، فمن هنا فالجهاد يسير. ويوم أن تركت الأمة الجهاد في سبيل الله واعتبرته تطرفًا حاق عليها الذل والصغار، فكانت تنشد من وراء ذلك اليسر، فإذا هي واقفة في العسر، إنما اليسر في إمضاء ما أمضاه الله وتطبيق ما أمر الله به، فبهذا يتحقق اليسر، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [البقرة:185] .

ولقد أراد الله بنا اليسر يوم أن أمر المرأة أن تتحجب عن الرجال، ولا تبدي زينتها ولا يظهر منها شيء للرجال الأجانب، وليس هذا من العنت الذي فرض الله علينا. وها نحن نرى البلدان الغربية يوم أن أخرجوا المرأة عن مكانها الذي جعله الله لها جروا ويلات لا تحصى، وأصبحوا يعانون من مشاكل اجتماعية تخالف الفطرة السليمة، فقبل أيام أجرِيَ حوار عبر الإذاعة لعلاج ظاهرة، ويستقبل البرنامج اتصالات المتابعين، أتدرون ـ أيها الإخوة ـ ما موضوع الحوار؟! إنه موضوع لا يدور في خاطر أحد إلا من عاش واقع مساواة المرأة بالرجال، وكانت المرأة فيه لها ما للرجال تمامًا ولم يراعوا أنوثتها، والله يقول: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36] ، إن موضوع الحوار ـ أيها الإخوة ـ عن ظاهرة بدأت تظهر وتستشري عندهم، وهي ظاهرة ضرب المرأة للرجل، وكانت هذه الإذاعة تستقبل اتصالات المستمعين، ويقترحون حلولًا لهذه الظاهرة، وهذا خلاف الفطرة، ولكن لما أن ترك الناس أمر الله جرى عليهم العسر، وقد كانوا يظنون أنهم يطلبون اليسر، فليس عسر على المرأة أن تكون تحت عناية الرجال وتحت ولايتهم، أما الذين يريدون أن تستقل المرأة بكل شيء فهؤلاء ما أرادوا لها اليسر، إنما حمّلوها مشقة ما هي بحاجتها، فأي عسر في أن تكون المرأة مخدومة مكفيّة عن كل عناء، محفوظة عن كل عين أجنبية؟! إن هذا لهو عين اليسر، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [البقرة:185] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت