فهرس الكتاب

الصفحة 1022 من 5777

حال المسلم بين السعة والضيق

الرقاق والأخلاق والآداب

الزهد والورع

عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

مكة المكرمة

جامع الفرقان

حقيقة النعمة وعدم دلالتها على محبة الله أو عدمها - استدراج الكفار بالنعم , وقصة قارون

وما فيها من عبرة - نظر الأنبياء والأولياء إلى النعمة - الإيمان شرط قبول العمل

حقارة الدنيا وسرعة زوالها

عباد الله: قضية عظيمة ومسألة كبيرة طالما أسيء فهمها واحتج ببعض أدلتها على غير وجوهها.

تلكم القضية هي هل ما نحن فيه من هذه النعمة التي نتقلب فيها بالغدو والآصال دليل على حب الله تعالى لنا؟

بهذا يقول كثير من الناس فيغترون بما هم فيه من التمكين من المال والبنين. أما أولياء الله فقد تنبهوا لذلك فلم يركنوا إلى ما فتح الله عليهم وعلموا أنه ابتلاء واستدراج.

وقد ذم الله عز وجل الإنسان المستدل بالنعمة على محبة الله له وإكرامه إياه والمستدل بسلبها على إهانة الله له بقوله جل وعلا: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن فيتسخط ويتذمر لما يعتقد من أن الله جل وعلا أهانه.

ونعى جل وعلا أقوام من المشركين قولهم: نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين ، أي إن كان الله قد وسع علينا الأرزاق من الأموال والأولاد في هذه الدار فلا يمكن أن يعذبنا في الآخرة لأنه ما وسع علينا في الدنيا إلا لمحبته إيانا فلا يمكن أن يعذبنا.

قال جل وعلا: قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر يقول ردًا عليهم يوسع الرزق لمن يشاء فلا يخص رزقه المؤمنين ولا يضيق رزقه على الكافرين، بل يعطي هؤلاء وهؤلاء ويمنع هؤلاء وهؤلاء: كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا ، قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى يقول الله جل وعلا ليس الأموال والأولاد وكثرتها دليلًا على حبي لكم وقربكم مني، بل الدليل هو الطاعة والإيمان والعمل الصالح إلا من آمن وعمل صالحًا فذلك هو الدليل على المحبة فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ، وقال جل وعلا: أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون إنما هو استدراج لهم وليس دليلًا على محبتنا لهم.

إنما يقول ذلك المشركون، كما قال قارون: إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وأتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا ولا تبغي الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أي إنما أعطاني الله هذا الخير الكثير لأن الله على علم أني أستحقه وأهل له، ولأنه يحبني، هذا على أصح قول المفسرين. أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر منه جمعًا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ، ذكر الله كلام أحد المشركين وقيل أنه الوليد ذرني ومن خلقت وحيدًا وجعلت له مالًا ممدودًا وبنين شهودًا ومهدت له تمهيدًا ثم يطمع أن أزيد يظن أن الآخرة له أيضًا: كلا إنه كان لآياتنا عنيدًا سأرهقه صعودًا فلن أزيده في الآخرة نعيمًا، سنعذبه ونرهقه صعودًا ذلك لأنه لم يقابل نعمة الله بالشكران ولكن قابلها بالجحود والكفران واستدل بها على حب الله إياه مع تمرده على نظامه وأمره.

أما نبي الله سليمان، عليه وعلى نبينا السلام فحكى الله جل وعلا قوله لما جاءه بالعرش لما رآه مستقرًا عنده لم يقل هذا من عظمتي وقوتي وبسط ملكي بل قال: قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم. فلننظر عباد الله في أي الفريقين نحن، أفي فريق أهل الجنة، أم من الذين يقولون بسط النعم علينا دليل على حُب الله لنا فيزيدون بغيًا وعدوانًا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه والصلاة والسلام على نبينه ومصطفاه.

أما بعد: فيا عباد الله قال الله في كتابه: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه أي من عمل عملًا صالحًا زدنا له فيه وضاعفنا له حسناته وجعلنا الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفًا: ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب بسبب إعراضه عن حرث الآخرة واشتغاله بحرث الدنيا.

واعلموا يا عباد الله أن ذلك ليس على إطلاقه، بل قد يعمل الإنسان لحرث الدنيا ولا يؤت منها كما بين ذلك ربنا جل وعلا: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد أما من لم يرد أن يعجل الله له الجزاء، فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا فقوله جل وعلا وهو مؤمن يدل على أنه من أراد الآخرة وإن كان مخلصًا في إرادته إذا كان على غير إيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم فعمله حابط باطل كمن يفعلون الأعمال الخيرية بغير إيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل وهو مؤمن. بل إن الله جل وعلا قال في كتابه فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين فلو استدل بهذه الآية لكان أقرب لأن الاستدلال بالنعم على أنها استدراج أقرب من الاستدلال بها على محبة الله جل وعلا إيانا.

ومن ذلك قوله: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ، وقال في كتابه: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض فالبركة تكون حتى في الشيء القليل، فرب قليل بين يديك يطرح الله فيه البركة ويملأ قلبك به قناعة، ورب ملايين تكون عند المرء لا يقنع بها ما لم يملأ الله قلبه من القناعة: ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون.

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: (( أن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم, وفي رواية وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) )رواه مسلم [1] .

وكذلك يبين الله جل وعلا حقارة الدنيا في سورة الزخرف ولولا أن يكون الناس أمة واحدة أي على الكفر فيكفرون جميعًا افتتانًا بالنعيم لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة أي جعلنا أسقف بيوت الكفار من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابًا وسررًا عليها يتكئون أي من فضة، وزخرفًا أي من ذهب وكل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين.

وقال جل وعلا: ما عندكم ينفّذ وما عند الله باق فلنفقه أقوال الله جل وعلا وآياته نسعد ونفلح في الدنيا والآخرة.

ثم اعلموا يا عباد الله أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وبالملائكة المسبحة بقدسه فقال: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا.

[1] صحيح مسلم (2564) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت