فهرس الكتاب

الصفحة 4866 من 5777

عيد الفطر 1427هـ: العبودية

التوحيد

الألوهية

عبد الله بن محمد البصري

القويعية

جامع الرويضة الجنوبي

1-الغاية من خلق الثقلين. 2- فضل العبودية. 3- العبودية صفة أنبياء لله. 4- دعوة الأنبياء أقوامهم إلى عبادة الله تعالى. 5- عاقبة الناكبين عن العبودية لله. 6- عبودية النبي لربه. 7- تردي حال المسلمين بتكالبهم على الدنيا. 8- التحذير من قطيعة الرحم. 9- نصائح للمرأة المسلمة. 10- الحث على صيام ست من شوال.

أمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم ـ أَيُّها النَّاسُ ـ ونفسِي بِتَقوى اللهِ عزَّ وَجَلَّ، فَإِنها خَيرُ الزَّادِ لِيَومِ المَعَادِ، وَتَقَلَّلُوا مِنَ الدُّنيَا وَتَخَفَّفُوا مِن أَحمَالِهَا وَأَثقَالِهَا، فَإِنما هِيَ إِلى فَنَاءٍ وَنَفَادٍ، يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ.

أَيُّها المُسلِمُونَ، إِنَّ اللهَ سبحانَه حِينَ خَلَقَ الخَلقَ وَأَوجَدَهُم في هذِهِ الدَّارِ فَإِنما خَلَقَهُم لأَمرٍ عَظِيمٍ وَأَوجَدَهُم لِغَايَةٍ جَلِيلَةٍ، وَحَمَّلَهُم أَمَانَةً ثَقِيلَةً ثَقِيلَةً، عَجِزَت عَن حَملِهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ وَأَشفَقْنَ مِنهَا، إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلْنَهَا وَأَشفَقْنَ مِنهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشرِكِينَ وَالمُشرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَإِنَّ مِن رَحمَتِهِ تَعَالى بِخَلقِهِ وَلَطِيفِ عِنَايَتِهِ بهم أَنْ حَدَّدَ لهم سبحانَه هذِهِ الأَمَانَةَ لِكَيلا يَضِلُّوا، وَبَيَّنَهَا لهم حتى لا يَضِيعُوا أَو يَتِيهُوا، فَقَالَ سبحانَه: وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعبُدُونِ ؛ وَمِن أَجلِ تحقِيقِ هذِهِ العِبَادَةِ وَالقِيَامِ بها حَقَّ القِيَامِ فَقَد سَخَّرَ لهم سبحانَه مَا في الأَرضِ جميعًا مِنهُ، وِبَيَّنَ لهم طَرِيقَ الخَيرِ وَرَغَّبَهُم فِيمَا عِندَهُ مِن أَنوَاعِ النَّعِيمِ المُقِيمِ، وَجَلَّى لهم سُبُلَ الشَّرِّ وَحَذَّرَهُم ممَّا أَعَدَّهُ لِمَن عَصَاهُ وَكَفَرَ بِهِ مِنَ الجَحِيمِ، قال سبحانَه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزقًا لَكُم فَلاَ تَجعَلُوا للهِ أَندَادًا وَأَنتُم تَعلَمُونَ وَإِن كُنتُم في رَيبٍ مِمَّا نَزَّلنَا عَلَى عَبدِنَا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثلِهِ وَادعُوا شُهَدَاءكُم مِن دُونِ اللهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ فَإِن لم تَفعَلُوا وَلَن تَفعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقنَا مِن قَبلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُم فِيهَا أَزوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُم فِيهَا خَالِدُونَ ، وقال تعالى: كَيفَ تَكفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُم أَموَاتًا فَأَحيَاكُم ثُمَّ يُمِيتُكُم ثُمَّ يُحيِيكُم ثُمَّ إِلَيهِ تُرجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا في الأَرضِ جَمِيعًا ثُمَّ استَوَى إِلى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ.

أَيُّها المُسلِمُونَ، إِنَّ العُبُودِيَّةَ للهِ تعالى هِيَ أَعلَى المَقَامَاتِ، وَهِيَ سِرُّ الوُجُودِ وَغَايَةُ الغَايَاتِ، لا صِفَةَ أَشرَفُ مِنها، وَلا وِسَامَ أَغلى مِنها، هِيَ تَاجُ الهَامِ وَالرُّؤُوسِ، وَزِينَةُ الرَّئِيسِ وَالمَرؤُوسِ، مَنِ اتَّصَفَ بها أَفلَحَ وَفَازَ وَسَعِدَ، وَمَن نَكَصَ عَنها خَابَ وَشَقِيَ وَتَعِسَ، حَقَّهَها بِلالٌ وَصُهَيبٌ وَسَلمَانُ فَسَبَقُوا إِلى الجَنَّةِ وَرَبِحَ بَيعُهُم وَشَرُفُوا بِصُحبَةِ نَبِيِّهِم، وَاستَكبرَ عَنهَا أَبو لهبٍ وَأَبو جَهلٍ وَالوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ فَتَبُّوا وَخَابُوا وَخَسِرُوا وَمَا أَغَنى عَنهُم جَمعُهُم وَمَا كَانُوا يَستَكبِرُونَ.

وَلِعِظَمِ أَمرِ العُبُودِيَّةِ للهِ وَجَلالَةِ قَدرِهَا عِندَهُ وَعُلُوِّ شَأنِهَا لَدَيهِ فَقَد وَصَفَ بها أَحَبَّ خَلقِهِ إِلَيهِ وَهُم أُنبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ، وَنَعَتَهُم بها في أَشرَفِ الأَحوَالِ وَأَكرَمِ الهَيئَاتِ، قال سبحانَه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرقَانَ عَلَى عَبدِهِ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيرًا ، وقال: سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ لَيلًا مِنَ المَسجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسجِدِ الأَقصَى ، وقال: أَلَيسَ اللهُ بِكَافٍ عَبدَهُ ، وقال: ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبدًا شَكُورًا ، وقال: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمرَأَةَ نُوحٍ وَاِمرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحتَ عَبدَينِ مِن عِبَادِنَا صَالِحَينِ ، وقال: ذِكرُ رَحمَةِ رَبِّكَ عَبدَهُ زَكَرِيَّا ، وقال: اصبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذكُرْ عَبدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ، وقال: وَوَهَبنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعمَ العَبدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ، وقال: وَاذكُرْ عَبدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ، وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: إِن هُوَ إِلا عَبدٌ أَنعَمنَا عَلَيهِ وَجَعَلنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسرَائِيلَ. وَبِالعُبُودِيَّةِ وَصَفَ اللهُ مَلائِكَتَهُ فقال: وَلَهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَن عِندَهُ لا يَستَكبِرُونَ عَن عِبَادَتِهِ وَلا يَستَحسِرُونَ. وَبها وَصَفَ صَفوَةَ خَلقِهِ وَسَاكِني جَنَّتِهِ فقال: عَينًا يَشرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفجِيرًا ، وقال: وَعِبَادُ الرَّحمَنِ الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا.

وَلَمَّا كان رُسُلُ اللهِ وَأَنبِيَاؤُهُ هُم أَعلَمَ الخَلقِ بِهَذِهِ الغَايَةِ وَأَعرَفَ النَّاسِ بِرَبِّهِم فَقَد كَانَت حَيَاتُهُم كُلُّها للهِ وتحقيقًا لِلعُبُودِيَّة لَهُ، فَعَاشُوا لَهُ وَجَاهَدُوا في سَبِيلِهِ، وَدَعَوا إلى عِبَادَتِهِ وَصَبرُوا على الأَذى فِيهِ، وَبَذَلُوا أَنفُسَهُم لإِنقَاذِ أَقوَامِهِم وَمَحَضُوهُمُ النُّصحَ، وَسَعَوا لِتَعبِيدِهِم لِرَبِّهِم، فَمَا بُعِثَ مِنهُم أَحَدٌ إِلاَّ قال لِقَومِهِ: يَا قَومِ اعبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ ، وَلَقَد بَعَثنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعبُدُوا اللهَ وَاجتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنهُم مَن هَدَى اللهُ وَمِنهُم مَن حَقَّت عَلَيهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأَرضِ فَانظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ، وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لا إِلَ?هَ إِلاَّ أَنَا فَ?عبُدُونِ.

وَقَد قَصَّ اللهُ عَلَينَا في كِتَابِهِ قِصَصَ أُولَئِكَ الأَنبيَاءِ مَعَ أَقوَامِهِم وما أَجَابُوهُم بِهِ، وَبَيَّنَ لَنَا جَزَاءَ مَن كَذَّبَ مِنهُم وَمَا عَاقَبَهُم بِهِ، لِنَتَّقِيَ شَرَّ العَاقِبَةِ وَنَحذَرَ سُوءَ المَصِيرِ، قال سبحانَه: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِن مَسَاكِنِهِم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعمَالَهُم فَصَدَّهُم عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُستَبصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرعَونَ وَهَامَانَ وَلَقَد جَاءهُم مُّوسَى بِالبَيِّنَاتِ فَاستَكبَرُوا في الأَرضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًا أَخَذنَا بِذَنبِهِ فَمِنهُم مَن أَرسَلنَا عَلَيهِ حَاصِبًا وَمِنهُم مَن أَخَذَتهُ الصَّيحَةُ وَمِنهُم مَن خَسَفنَا بِهِ الأَرضَ وَمِنهُم مَن أَغرَقنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظلِمَهُم وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ.

أَيُّها المُسلِمُونَ، لَقَد كَانَ محمدُ بنُ عَبدِ اللهِ وَهُوَ أَفضَلُ الخَلقِ وَأَعلَمُهُم بِاللهِ، كان في مُقَدِّمَةِ العَابِدِينَ المُوَحِّدِينَ، الزَّاهِدِينَ في العَاجِلَةِ المُسَابِقِينَ إلى الآخِرَةِ، زَهِدَ في الدنيا حَقَّ الزُّهدِ، وَتَجَافى عَن دَارِ الغُرُورِ وَرَغِبَ عَنهَا، وَتَقَلَّلَ مِن مَتَاعِهَا وَسَأَلَ رَبَّهُ الكَفَافَ مِن عَيشِهَا، بَل وَحَذَّرَ مِنهَا وَقَلَّلَ مِن شَأنِهَا، وَلَمَّا خَيَّرَهُ رَبُّهُ بَينَ أَن يَعِيشَ فِيهَا عِيشَةَ المُلُوكِ أَو أَن يَكُونَ عَبدًا اِختَارَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى، وَآثَرَ البَاقِيَةَ عَلى الفَانِيَةِ، فَمَا شَبِعَ مِن طَعَامٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا حتى قُبِضَ، وَكَانَ يَبِيتُ اللَّيَاليَ المُتَتَابِعَةَ وَأَهلُهُ طَاوِين لا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكثُرُ خُبزِهِمُ الشَّعِيرَ، بَل إِنَّهُ لم يَشبَعْ مِن ذَلِكَ الشَّعِيرِ، وَلم يَأكُلْ على خِوَانٍ حتى مَاتَ، ولم يَأكُلْ خُبزًا مُرَقَّقًا حتى مَاتَ، وَلا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَينِهِ قَطُّ، وَكَانَ يَظَلُّ اليَومَ يَتَلَوَّى مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَملأُ بَطنَهُ، هَكَذَا عَاشَ خَيرُ عِبَادِ اللهِ وَصَفوَتُهُ مِن خَلقِهِ، هَكَذَا عَاشَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَإِمَامُ المُتَّقِينَ، عَاشَ عَبدًا وَمَاتَ عَبدًا، أَحَبَّ المَسَاكِينَ وَسَأَلَ الحَشرَ مَعَهُم، طَلَّقَ الدُّنيَا طَلاقًا بَائِنًا، وَاجتَهَدَ في الآخِرَةِ اجتِهَادًا عَظِيمًا، قَامَ حَتى تَفَطَّرَت قَدَمَاهُ، وَجَاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتى شُجَّ وَجهُهُ وَكُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ، وَبَذَلَ نَفسَهُ وَمَالَهُ وَوَقتَهُ للهِ، أَكَلَ القَدِيدَ وَلَبِسَ المُرَقَّعَ، وَعَاشَ في حُجَرٍ مِنَ الطِّينِ، وَلم يَكُنْ لَهُ حَرَسٌ وَلا حُجَّابٌ، وَمَعَ هَذَا هَابَتهُ الدُّنيا وَرَعَبَت مِنهُ القُلُوبُ، وَقَضَت جُيُوشُهُ على مَعَاقِلِ الشِّركِ وَدَكَّت مَوَاطِنَ الكُفرِ، وما ذَلِكَ إلاَّ لأَنَّهُ عَاشَ العُبُودِيَّةَ الكَامِلَةَ في أَبهى صُوَرِهَا وَأَجلَى مَعَانِيهَا.

وَلم يَزَلْ أَصحَابُهُ عَلَى هَديِهِ وَطَرِيقَتِهِ، فَفَتَحُوا مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا، وَقَضَوا على كُبرَى دُوَلِهَا وَأَخضَعُوا أَعتى ممالِكِها، وَجَاهَدُوا لِتَخلِيصِ العِبَادِ مِن عِبَادَةِ العِبَادِ إلى عِبَادَةِ رَبِّ العِبَادِ، وَبَذَلُوا مَا في وُسعِهِم لإِخرَاجِ النَّاسِ مِن ضِيقِ الدُّنيا إلى سَعَةِ الآخِرَةِ، وَكَانَتِ الدُّنيا تَعرِفُ مَن هُمُ المُسلِمُونَ وَأَيّ شَيءٍ هُمُ المُجَاهِدُونَ، لماذَا؟ لأَنهم حَقَّقُوا الغَايَةَ مِن خَلقِهِم وَعَرَفُوا سِرَّ وُجُودِهِم، لماذا؟ لأَنهم سَعَوا لِمَرضَاةِ رَبِّهم وَعَاشُوا حَيَاةَ العُبُودِيَّةِ لَهُ، فَاستَغنَوا بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَأَرخَصُوا لأَجلِهِ النَّفسَ وَالنَّفِيسَ، وَهَجَرُوا لِلجِهَادِ في سَبِيلِهِ الأَموَالَ وَالأَهلَ وَالأَوطَانَ، ذَلُّوا لَهُ فَذَلَّ لهم كُلُّ شَيءٍ، وَاستَعَانُوا بِهِ فَلَم يُعجِزْهُم شَيءٌ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ فَلَم يَخشَوا مِن شَيءٍ، وَفَرِحُوا بِمَا يُحِبُّهُ فَلَم يَأسَفُوا مِنَ الدُّنيَا عَلَى شَيءٍ، هَكَذَا كَانُوا وَهَكَذَا أَكرَمَهُم رَبُّهُم.

ثم لم تَزَلِ الأُمُورُ مِن بَعدِهِم في تَنَاقُصٍ وَتَرَاجُعٍ وَالأَهوَاءُ تَتَشَعَّبُ بِالنَّاسِ في كُلِّ وَادٍ حتى وَصَلنَا إلى عَصرِنَا هذا الذي بَدَت فِيهِ غُربَةُ الدِّينِ، وَتَشَبَّثَ النَّاسُ بِحَبلِ الدُّنيَا المَهِينِ، فَتَعَلَّقَ قَومٌ بِالمَنَاصِبِ وَالرِّئَاسَاتِ، وَطَلَبَ آخَرُونَ المَالَ وَالثَّرَوَاتِ، وَاستَحكَمَ التَّنَافُسُ على الشَّهَوَاتِ وَالمَلَذَّاتِ. ثم لم يَزَلِ الشَّيطَانُ حتى أَخرَجَ أُنَاسًا مِن بني جِلدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا، شَكَّكُوا النَّاسَ في دِينِهِم، وَزَعزَعُوا لَدَيهِم أَقوَى مُعتَقَدَاتِهِم، وَأَدخَلُوا عَلَيهِمُ الرِّيبَةَ في رَاسِخِ مَبَادِئِهِم، وَقَلَّلُوا مِن تَمَسُّكِهِم بِعَظِيمِ قِيَمِهِم، فَخَفَت نُورُ العُبُودِيَّةِ مِن الأَعيُنِ، وَجَفَّ ماؤُها من القُلُوبِ، وَعَمِيَتِ الأَبصَارُ وَزَاغَتِ البَصَائِرُ، وَحُقَّتِ التَّعَاسَةُ على فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ، وَصَدَقَ فِيهِم قَولُ الحَبِيبِ: (( تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ وَعَبدُ الدِّرهَمِ وَعَبدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعطِيَ رَضِيَ، وَإِن لم يُعطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انتقشَ ) ).

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ، اِتَّقُوا رَبَّكُم وَاسعَوا فِيمَا خُلِقتُم لأَجلِهِ، وَلا تَغتَرُّوا بِكَثرَةِ المُتَسَاقِطِينَ الهَالِكِينَ، فَإِنَّكُم في زَمَنٍ ضَلَّ فِيهِ جمهُورُ النَّاسِ عَنِ الغَايَةِ العُظمَى مِن خَلقِهِم، وَتَنَكَّبُوا الصِّرَاطَ المُستَقِيمِ وَاتَّبَعُوا السُّبُلَ، وَابتُلِيَ فِيهِ المُتَمَسِّكُونَ بِصَوَارِفَ وَقَوَاطِعَ وَمَوَانِعَ وَصَوَادَّ وَمُنَغِّصَاتٍ وَإِرجَافَاتٍ وَشُبُهَاتٍ وَشَهَوَاتٍ، أَلا فَلا يُزَهِّدَنَّكُم في دِينِكُم كِتَابَةُ مَارِقٍ في صَحِيفَتِهِ، وَلا استِهزَاءُ فَاسِقٍ في مَسرَحِيَّتِهِ، بَل وَلا زَلَّةُ عَالمٍ في فَتوَاهُ أَو شُذُوذُهُ في رَأيِهِ، فَإِنَّمَا تُعُبِّدتُم بِمَا في كِتَابِ اللهِ وَبما جَاءَ بِهِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، وَهُوَ لم يمُتْ حتى بَلَّغَ البَلاغَ المُبِينَ، وَاللهُ سَائِلُكُم: مَاذا أَجبتُمُ المُرسَلِينَ؟ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف:6-9] ، قال: (( إِنَّهُ لم يَكُنْ نبيٌّ قَبلِي إِلاَّ كان حَقًّا عَلَيهِ أَن يَدُلَّ أُمَّتَهُ على مَا يَعلَمُهُ خَيرًا لهم وَيُنذِرَهُم مَا يَعلَمُهُ شَرًّا لهم، وَإِنَّ أُمَّتَكُم هَذِهِ جُعِلَ عَافِيتُها في أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاءٌ شَدِيدٌ وَأُمُورٌ تُنكِرُونها، وَتَجِيءُ فِتَنٌ فَيُرَفِّقُ بَعضُها بَعضًا، وَتَجِيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤمِنُ: هَذِهِ مهلِكَتي، ثم تَنكَشِفُ، وَتَجِيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يُزَحزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدخَلَ الجَنَّةَ فَلْتَأتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَلْيَأتِ إِلى النَّاسِ الذي يُحِبُّ أَن يُؤتَى إِلَيهِ ) )، وَقَالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( إِنَّ بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ سِنِينَ خَدَّاعَةً، يُصَدَّقُ فِيهَا الكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنطِقُ فِيهَا الرُّوَيبِضَةُ ) )، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيبِضَةُ؟ قال: (( المَرءُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ في أَمرِ العَامَّةِ ) )، وَقَال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( مَا مِن نَبيٍّ بَعَثَهُ اللهُ في أُمَّةٍ قَبلِي إِلاَّ كان لَهُ مِن أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصحَابٌ يَأخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَتَقَيَّدُونَ بِأَمرِهِ، ثم إنها تَخلُفُ مِن بَعدِهِم خُلُوفٌ يَقُولُونَ ما لا يَفعَلُونَ وَيَفعَلُونَ مَا لا يُؤمَرُونَ، فَمَن جَاهَدَهُم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ، وَمَن جَاهَدَهُم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ، وَمَن جَاهَدَهُم بِقَلبِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمانِ حَبَّةُ خَردَلٍ ) )، وَعَن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رضي اللهُ عنه قال: كان الناسُ يَسأَلُونَ رَسُولَ اللهِ عَنِ الخَيرِ، وَكُنتُ أَسأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَن يُدرِكَني، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا في جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بهذا الخَيرِ، فَهَل بَعدَ هَذَا الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قال: (( نَعَمْ ) )، قُلتُ: وَهَل بَعدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قال: (( نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ) )، قُلتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قال: (( قَومٌ يَهدُونَ بِغَيرِ هَديِي تَعرِفُ مِنهُم وَتُنكِرُ ) )، قُلتُ: فَهَل بَعدَ ذَلِكَ الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قال: (( نَعَمْ، دُعَاةٌ على أَبوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجابَهُم إِلَيهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ) )، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُم لَنَا، قال: (( هُم مِن جِلدَتِنَا وَيَتَكَلَّّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا ) )، قُلتُ: فَمَا تَأمُرُني إِنْ أَدرَكَني ذَلِكَ؟ قَالَ: (( تَلزَمُ جماعةَ المُسلِمِينَ وَإِمَامَهُم ) )، قُلتُ: فَإِنْ لم يَكُنْ لهم جماعَةٌ ولا إِمَامٌ؟ قال: (( فَاعتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا وَلَو أَن تَعَضَّ بِأَصلِ شَجَرَةٍ حتى يُدرِكَكَ المَوتُ وَأَنتَ على ذَلِكَ ) ).

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ جَعَلنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمرِ فَاتَّبِعهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهوَاء الَّذِينَ لا يَعلَمُونَ إِنَّهُم لَن يُغنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالمِينَ بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ وَاللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحمَةٌ لِقَومِ يُوقِنُونَ ًامْ حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجعَلَهُم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحيَاهُم وَمَمَاتُهُم سَاء مَا يَحكُمُونَ وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِالحَقِّ وَلِتُجزَى كُلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمُونَ أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمعِهِ وَقَلبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهدِيهِ مِن بَعدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنيَا نَمُوتُ وَنَحيَا وَمَا يُهلِكُنَا إِلاَّ الدَّهرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِن عِلمٍ إِن هُم إِلاَّ يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتلَى عَلَيهِم آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُم إِلاَّ أَن قَالُوا ائتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ قُلِ اللهُ يُحيِيكُم ثُمَّ يُمِيتُكُم ثُمَّ يَجمَعُكُم إِلى يَومِ القِيَامَةِ لا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمُونَ وَللهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَومَئِذٍ يَخسَرُ المُبطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدعَى إِلى كِتَابِهَا اليَومَ تُجزَونَ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيكُم بِالحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدخِلُهُم رَبُّهُم في رَحمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ المُبِينُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَم تَكُن آيَاتي تُتلَى عَلَيكُم فَاستَكبَرتُم وَكُنتُم قَومًا مُجرِمِينَ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيبَ فِيهَا قُلتُم مَّا نَدرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحنُ بِمُستَيقِنِينَ وَبَدَا لَهُم سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَستَهزِئُون وَقِيلَ اليَومَ نَنسَاكُم كَمَا نَسِيتُم لِقَاء يَومِكُم هَذَا وَمَأوَاكُم النَّارُ وَمَا لَكُم مِن نَاصِرِينَ ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذتُم آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا فَاليَومَ لا يُخرَجُونَ مِنهَا وَلا هُم يُستَعتَبُونَ فَلِلَّهِ الحَمدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرضِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَهُ الكِبرِيَاء في السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.

أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى حَقَّ تَقوَاهُ، وَاستَعِدُّوا بِصَالحِ الأَعمَالِ لِيَومِ لِقَاهُ، إِنَّكُم في يَومٍ عَظِيمٍ وَعِيدٍ كَريمٍ، فَاعرِفُوا لَهُ مَكَانَتَهُ وَاقدُرُوهُ حَقَّ قَدرِهِ، وَتَزَاوَرُوا وَتَقَارَبُوا، وَأَحِبُّوا لإخوَانِكُم مَا تُحِبُّونَهُ لأَنفُسِكُم، وَاعفُوا وَاصفَحُوا، ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَن يُؤتُوا أُولي القُربَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَليَعفُوا وَليَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللهُ لَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

إِنَّ التَّعَلُّقَ بِالدُّنيا قَد وَصَلَ بِبَعضِ الناسِ إلى أَن يمتَلِئَ قَلبُهُ غَيظًا وَحِقدًا عَلَى أَقَارِبِهِ وَذَوي رَحِمِهِ، فَيُقَاطِعَهُم وَيَهجُرَهُم وَيُعَادِيَهُم، بَل وَيُخَاصِمَهُم في المحاكم وَيُقَاضِيَهُم، وَيَتَمَحَّلَ الحِيَلَ لإِيذَائِهِم وَيُدَبِّرَ الخِطَطَ لِتَنغِيصِ عَيشِهِم، كُلُّ ذَلِكَ مِن أَجلِ أَمرٍ تَافِهٍ حَقِيرٍ، شِبرٍ مِن أَرضٍ أَو قَليلٍ مِن حُطَامٍ أَو وِشَايَةِ لِئَامٍ، أَو زَلَّةِ لِسَانٍ أَو شِجَارٍ بَينَ أَطفَالٍ أَو نِسَاءٍ، فَتَمُرُّ الأَشهُرُ وَالسَّنَوَاتُ وَالقُلُوبُ تَغلِي، وَتَتَتَابَعُ الأَعوَامُ وَالأَفئِدَةُ تَتَقَلَّبُ، وَلا يَستَرِيحُ أَحدُهُم إِلاَّ إِذَا أَرغَى وَأَزبَدَ وَآذَى وَأَفسَدَ، أَو نَشَرَ المَعَايَبَ وَأَذَاعَ المَثَالِبَ، أَو سَرَدَ القَبَائِحَ وَذَكَرَ الفَضَائِحَ، وَتِلكَ ـ لَعَمرُ اللهِ ـ مِن دَلائِلِ الصَّغَارِ وَاللُّؤمِ وَخِسَّةِ الطَّبعِ وَقِلَّةِ المَروءَةِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ الأَدِلَّةَ على فَضلِ صِلَةِ الرَّحِمِ وَخَطَرِ قَطعِها مَعلُومَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، قال تعالى: فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَلَّيتُم أَن تُفسِدُوا في الأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُم أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُم وَأَعمَى أَبصَارَهُم ، وقال: (( مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) )، وقال: (( مَن أَحبَّ أَن يُبسَطَ لَهُ في رِزقِهِ وَيُنسَأَ لَهُ في أَجلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) )، وقال: (( لا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ ) )، قال سُفيَانُ: يَعني قَاطِعَ رَحِمٍ.

فَهَنِيئًا لِمَن أَعَانَ على صِلَتِهِ بِقَبُولِ العُذرِ وَالصَّفحِ عَنِ الزَّلاَّتِ وَالتَّغَاضِي عَنِ الكَبَوَاتِ وَالهَفَوَاتِ، إِنْ أَحسَنَ فَلا يَمُنُّ، وَإِنْ أَعطَى فَلا يَضِنُّ، لا يَعرِفُ السِّبَابَ وَلا يُكثِرُ العِتَابَ، يَتَجَنَّبُ المِرَاءَ وَالجِدَالَ، وَيُحسِنُ الأَقوَالَ وَالفِعَالَ، يُشَارِكُ أَقَارِبَهُ آلامَهُم وَآمالَهُم، وَيُشَاطِرُهُم أَفرَاحَهُم وَأَترَاحَهُم، يَنصَحُ وَلا يَفضَحُ، وَيَستُرُ وَلا يُعِيِّرُ، وذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ.

أيها المسلمون، وَثَمَّةَ كلمةٌ أخيرةٌ نخُصُّ بها أمهاتِنا والأخواتِ، ندعوهن فيها إلى التَّجَمُّلِ بِالحَيَاءِ وَالتَّزَيُّنِ بِالسِّترِ وَالحَذَرِ مِنَ البَذَاءَةِ وَالصَّفَاقَةِ، فَإِنَّ المجتمعاتِ ما عانتِ المصائبَ والمحنَ والفِتنَ إلا يَومَ ضَاعَ منها الحياءُ، فَاتَّقِينَ اللهَ يَا إِمَاءَ اللهِ، اعبدُنَ رَبَّكُنَّ وَأَطِعْنَ أَزوَاجَكُنَّ، وَحَافِظْنَ على الصَّلاةِ وصُمْنَ شَهرَكُنَّ، وَالزَمْنَ قَعرَ بُيُوتِكُنَّ، ورَبِينَ أبناءَكُنَّ وَبَنَاتِكُنَّ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَاحذَرْنَ المَلابِسَ العَارِيَةَ وَالفَاتِنَةَ، مِنَ العَبَاءَاتِ المُزَركَشَةِ وَالمُخَصَّرةِ، وَالثِّيابِ القَصِيرةِ والمَملُوءَةِ بِالفَتَحَاتِ، والأَنقِبَةِ الخَدَّاعَةِ والبَرَاقِعِ الخَلاَّبَةِ التي تُظهِرُ الخُدُودَ والوَجَنَاتِ وَتَشُفُّ عَنِ الفَمِ والشِّفَاهِ، فَإِنَّ اللهَ عليمٌ خبيرٌ، لا يُخدَعُ بِمثلِ هذِهِ الملابسِ التي ظاهرُها السِّترُ والتَّحشُّمُ وباطنُها التَّعَرِّي والفِتنَةُ، وَإِيَّاكُنَّ وَالاغتِرَارَ بِمَا يُدَبِّرُهُ لَكُنَّ الفَسَقَةُ وَالفُجَّارُ الذين يَزعُمُونَ أَنَّكُنَّ في هذا المجتمعِ مَظلُومَاتٌ أَو مَهضُومَاتٌ، أو أَنَّكُنَّ طَاقَاتٌ مُعَطَّلَةٌ أَو أَعضَاءُ مَشلُولَةٌ، ثم يُظهِرُونَ التَّبَاكِي عَلَيكُنَّ وَالحِرصَ على مَصلَحَتِكُنَّ بِكِتَابَاتٍ خَدَّاعَةٍ وَمَقَالاتٍ بَرَّاقَةٍ، وَهُم في الحَقِيقَةِ عُبَّادُ شَهَوَاتٍ وَأَسرَى نَزَوَاتٍ، يُرِيدُونَ التَّمَتُّعَ بِالمَرأَةِ متى شَاؤُوا وَأَنَّى أَرَادُوا، فَالحَذَرَ الحَذَرَ، فَإِنها خِطَطٌ طُبِّقَت فِيمَا حَولَنَا، وَاكتَوَت بِنَارِها أَخَوَاتٌ لَنَا، وَعَانَت مِن مَرَارَتِها مُجتَمَعَاتٌ غَيرَ بَعِيدةٍ عَنَّا، وَالسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَن لم يَتَّعِظْ إِلاَّ بِنَفسِهِ،، وَإِنَّهُ لا وَظِيفَةَ أَشرَفُ وَلا أَعظَمُ وَلا أَكرَمُ لِلمَرأَةِ مِنَ القَرَارِ في بَيتِها لِتَربِيَةِ أَبنَائِهَا وَبَنَاتِها وَطَاعَةً لأَمرِ رَبِّهَا القَائِلِ: وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ.

عِبَادَ اللهِ، لا تَنسَوا صِيَامَ سِتِّ شَوَّالٍ، وَبَادِرُوا بها وَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( مَن صَامَ رَمَضَانَ ثم أَتبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوَّالٍ كان كَصَومِ الدَّهرِ ) ). ثم عَلَيكُم بِالاستِقَامَةِ على العَمَلِ الصَّالحِ وَالثَّبَاتِ على الطَّاعَةِ، وَإِيَّاكُم وَالنُّكُوصَ وَالتَّرَاجُعَ بَعدَ التَّوبَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت