فهرس الكتاب

الصفحة 5258 من 5777

أين تكون السعادة؟

الإيمان

حقيقة الإيمان, فضائل الإيمان

حمزة بن فايع الفتحي

محايل

جامع الملك فهد

1-السعادة مطلب لجميع البشر. 2- أين توجد السعادة؟ 3- من أقوال السعداء. 4- من أسباب الشقاء حرمان بعض الآباء أولادهم من الخير.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18] .

أيها المسلمون، هل ثمة مخلوق لا يحب السعادة؟! وهل هناك إنسان يكره الحياة الطيبة؟! وهل هنالك من يطيق مكدرات الحياة ومنغصاتها؟! لقد أيقن جميع بني آدم باحتياجهم الشديد للسعادة والطمأنينة، وبذل أكثرهم لتحقيق ذلك الأموال والأوقات والاهتمامات، فماذا كان؟!

أنفق ذو الجاه اللاهي ملايين على السعادة والراحة فلم يجدها، وبذل الثري الغافل مناه ووقته فما وجد صفوها، وكدح إليها طلاب المناصب فما ازدادوا إلا غما ونكدا، لماذا كل ذلك؟! ألا يمكن أن تُشترَى السعادة؟! وأين مكان بيعها؟! ومن يصدرها ويصنعها؟!

ولقد خفَّت عقول عندما ظنت أن السعادة تشترى أو أنها تباع، وقلَّ الإدراك عندما ظُنَّ أن المنصب مفتاح السعادة أو أن السيارة الفارهة والمسكن الفسيح عنوان الراحة السعادة.

يا مسلمون، لو كانت السعادة في الأموال فها هي الأمم الكافرة، أموال باذخة، وتقدم وهاج، وحضارة نادرة، وفي كل يوم ألوان من الانتحار والنكسات والدمار، وتؤسّس مصحّات الطب النفسي لمكافحة القلق والاكتئاب والأحزان والهموم، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] .

وحينما عجزت المستشفيات عن توفير السعادة لجؤوا إلى استدامة الشهوات، فابتلوا بالأسقام الموجعات والأدواء القاتلات، وبعدها لجؤأوا لفنون من الانتحار وتوديع الحياة الدنيا؛ إعلانا منهم بصعوبة صناعة الحياة الطيبة. وها هم أرباب الشهوات واللذائذ فرحوا قليلًا، ثم سرعان ما انقلب الفرح كآبة، وأتاهم الغمّ من كل مكان، وغشيتهم الكروب والأحزان. وها هم طلاب المناصب والشهادات، ما صفت لهم سعادتهم، ولا طابت لهم دنياهم، وهل تطيب الدنيا لأحد ضيع حق الله وعاش على غير هدى من الله؟! قال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ [الحشر: 19] .

أيها الإخوة الكرام، دونَكم أصحابَ الأموال والزينة، سلوهم عن سعادتهم: هل ذاقوا لذيذ العيش؟! وهل استمتعوا بطيب الحياة؟! وهل حازوا الراحة والسلامة؟! إن مناظرهم لتجيبكم، وأشكالهم لتشرح لكم أن الأمر مختلف وأن الحياة صعبة وأن البلاء شديد.

إنكم ـ يا معشر أهل الإسلام ـ لا بد أن تدركوا أن سر السعادة هو الإيمان، وأن مفتاح الحياة الطيبة هو تقوى الله تعالى، يقول ربنا تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97] ، وقال تعالى: أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ [الزمر: 22] . فالنور والضياء إنما يلازم أهل الإسلام والتقوى.

ولستُ أرى السعادةَ جمع مالٍ ولكنَّ التقيَّ هو السعيدُ

ألا بالله تبلغ ما تريد وبالتقوى يلين لك الحديدُ

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه، ومنها النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر ويوسّعه ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحَرِج، وصار إلى أضيق سجن وأصعبه".

فتأملوا كلام ابن القيم، وانظروا إلى أمم الكفر ومن قلّدهم من بني جلدتنا، عندما غفلوا عن سر الحياة وهو الإيمان اتسعت لهم السجون، واجتاحتهم المصائب، وباتوا إلى أحزان عريضة ومآسٍ عويصة، والعياذ بالله.

يا مسلمون، هل شاهدتم حلاوة الإيمان التي يهنأ المؤمن بها طربا ويذوقها معنًى وحقيقة ويتحسسها طعومةً ولذة؟! يقول بعض الصالحين: مساكين أهل الدنيا؛ خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟! قال: الأنس بالله والتلذذ بذكره. ويقول بعضهم:"لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من اللذة لجالدونا عليه بالسيوف"، ويقول أيضًا:"إن كان أهل الجنة فيما أنا فيه من اللذة إنهم لفي عيش طيب".

فنظرنا إلى حال هذا المؤمن الصالح، فإذا هو ليس من جَمَع الأموال ولا حاز الرتب، ولا ممن اكتسب الشرف والوجاهة، لكنه حاز أكبر من ذلك وأعظم؛ حاز الإيمان بالله والتقوى، وأنِس بذكر الله، وتنعم بعبادته ومحبته. قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3] ، وقال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: 4] ، وقال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: 5] .

لقد أفلح وأنجح من ذاق حلاوة الإيمان واستطعم نور القرآن، فلقد أتى السعاة من أعظم أبوابها وتفرد بحسنها ونعيمها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:57، 58] .

أيها الإخوة، لقد حاط الله المؤمن بأنوار السعادة، وبلغه ميادين النعمة، وغشاه بظلال الراحة والطمأنينة، فالمؤمن في هذه الحياة سائر على نور من ربه، لا يخشى المصائب ولا يهاب الملمات، اهتدى بهدى الله، وتوكل عليه، إيمانه منارة الطريق، وقرآنه حلاوة السبيل، يسير وكأنه إلى نعيم، محروس من الله ومؤيد بنصره وفضله، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وهذه خصلة لا يعرفها إلا أهل الإيمان. وهو إلى طريقه يدفع الشكوك بالإيمان، ويزيل الأسقام بالرضا، والحزن بالذكر، والضيق بالدعاء، ويعلم أن الله يفرج الهموم ويحل الشدائد ويجيب دعوة المضطر، فهل بعد هذا من تعب ونكد؟!

نقل ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الوابل الصيب كلامًا عجيبًا يصوّر فيه الحياة الطيبة التي تنزل بالمؤمن الذاكر مع السلامة من كرب الحياة ورزايا الدهر، يقول:"وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ [الحديد:13] . وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرّهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكان إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها".

اللهم ارزقنا حلاوة الإيمان، وأمتعنا بالذكر والقرآن، واجعلنا من عبادك الصالحين...

الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على سيد الخلق، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: معاشر المسلمين، في هذه الحياة الدنيا لا قيمةَ للإنسان بلا إيمان، ولا حياةَ بلا قرآن، ولا سعادة بلا ذكر وإقبال على الله، فالإيمان هو درب السلامة، والقرآن هو السعادة، وطاعة الله هي الحياة الطيبة، فلماذا يقصِّر أهل الإيمان في زيادة الإيمان وينشغلون بالدنيا ولا يسارعون في الخيرات؟!

لقد رضي كثيرون في هذه الأزمنة أن يبقوا في الجملة دون استشعار لمعاني الإسلام، ودون تعلم لقضاياه، ودون مسارعة في فضائله وخيراته، ففاتهم من الخيرات والسعادة بقدر ما ضيعوا من دين الله تعالى، ويزداد الأمر سوءًا وتعظم المصيبة عندما يحسّ كثير من الآباء والأولياء بنقصه في هذا الجانب، فيسعى إلى تربية أبنائه على ذلك، غير مبالي بحرمانهم من الخير والحياة الطيبة، فيتساهل في إنارة المنزل بالقرآن وحث الزوجة والأبناء على فعل الخير، ولا يسعى لتطهير المنزل من الموبقات والمفاسد، وسمعنا عن أب يحارب استقامة ابنه، ويضيق عليه تدينه، ولا يسمح له بصحبة الأخيار، ولا السفر لأداء العمرة، ولا الانضمام لحلقات التحفيظ، بدعوى ترك التشدّد والتزمّت، ونقول لهذا المسكين وأمثاله: من قال: إن الدين تزمت وتشدّد أو معاناة وتضييق؟! إن الدين ـ يا أخي ـ رحمة وهداية وجنة وسعادة وراحة وحياة طيبة، وما جنى المتدينون إلا لذائذ الأفراح وأنوار السعادات، فأين أنت من حلاوة الإيمان؟!

لماذا قفْلُ باب السعادة على الأبناء؟! ولماذا طمس نور الإيمان في قلوبهم؟! هل يسرّك أن يكون ابنك من رَعاع الناس أو مسرودًا في قائمة التائهين أو عصبة الفجور والمخدرات؟! تغضب من حرصه على الصلاة ومن حضور المحاضرات، ولا تغضب من انضمامه لرفقاء السوء واحتماله المعاصي التي تسوّد الوجوه وتلطّخ السمعة!

أما يحبّ أحدكم أن يكون ابنه بريدا له إلى الجنة؟! أما يحب أحدكم شرف حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم: (( وشاب نشأ في عبادة الله ) )، وذكر منهم: (( ورجل قلبه معلق بالمساجد ) )؟! قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97] .

أيها الآباء، كونوا مفاتيح خير لأبنائكم، احرصوا على دينهم، واستبشروا باستقامتهم، ففي الحديث قال: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له ) ). فهل يكره أحدنا ولدًا صالحًا يملأ ميزانه بالحسنات وبالدعوات الطيبات؟! نسأل الله من فضله رحمته.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد...

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت