قضايا في الاعتقاد
معجزات وكرامات
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
أما بعد:
فإن هذا القرآن العظيم هو المعجزة الكبرى لنبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد أعجز العرب ببلاغته أن يأتوا بمثله بل أن يأتوا بعشر سور من مثله بل أن يأتوا بسورة من مثله بل قال تبارك وتعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ما يأتون بمثله ولو كان بغضهم لبعض ظهيرا [الإسراء:58] . فقطع أمل الفصحاء قاطبة عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو أن ينافسوه في بلاغته وفي نظمه والعرب أمة الفصاحة والبلاغة والبيان لما سمعوا هذا القرآن علموا أن لا قبل لهم به فلم يحاول أحدا منهم أن يأتي بمثله أو أن ينافسه في نظمه وفي بلاغته لن يعرف أحد من فصحائهم أنه حاول أن يفعل ذلك إلا ما كان من شأن مسيلمة الكذاب وإنه وهو من فصحاء العرب حاول أن يفعل ذلك وأن يأتي بمثل هذا القرآن ولكن محاولته لم تكن جادة بل كانت من قبيل الألاعيب السياسية التي حاول بها أن يلهي أصحابه عن القرآن فإنه كان يخاف أن يسمعوا القرآن فيتأثروا به فينفضوا من حوله وأصحابه أنفسهم وهم من العرب الفصحاء لم يكونوا يصدقونه في مخاريفه وسخافاته التي كان يأتيهم بها لكنهم كانوا يتبعونه ويناصرونه من باب العصبية الجاهلية على حد قول القائل منهم: كذاب ربيعة خير من صادق مضر وعندما مر عمرو بن العاص بمسيلمة الكذاب وذلك قبل أن يسلم عمرو وعمرو معروف أنه من فصحاء العرب ودهاة العرب لما مر بمسيلمة حدثه الكذاب بما يأتيه من الوحي وأسمعه بعض ما ينزل عليه على حد زعمه وذلك من قبيل قوله والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا والآكلات أكلا أو قوله يا غضة يا غضعين نقي كما كنتي تنقين ونحو ذلك من مخاريفه وسخافاته وحماقاته بعد أن أسمع عمرا شيئا من ذلك سأله عن رأيه في ذلك فقال عمرو وهو يومئذ مشرك قبل أن يسلم قال لمسيلمة: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب وفي عصر الدولة العباسية واحد من أدباء العربية وأهل البلاغة والفصاحة حاول أن يؤلف كتابا يضاهي فيه القرآن وينافسه في إسلوبه ونظمه وهو عبد الله بن المقفع أديب فارسي الأصل كان مجوسيًا فأسلم ثم قتل على الزندقة ولكنه كان من أهل البلاغة والفصاحة والأدب وقبل أن ينفذ محاولته وهي محاولة تدل على قلة عقله وحماقته وغروره بما أوتي من أدب وبلاغة قبل أن يفعل ذلك مر بصبي من صبيان الكتاب وهو يقرأ آية من سورة هود تتحدث الآية عن نهاية الطوفان الذي غشي أهل الأرض وأهلك أهل قوم نوح وهي قوله تعالى: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين [هود:44] . فاندهش ذلك الأديب البليغ من بلاغة هذه الآية وقوة سبكها وغزارة معانيها وصورها البيانية مع قلة ألفاظها ووجازة إسلوبها فحينئذ أقلع عن محاولته وكف عن سفاهته وعلم أنه لا قبل لبشر بمثل هذا هذه المعجزة الكبرى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي أعجزت الفصحاء والبلغاء هذه المعجزة قائمة تتحدى باقية كما أنزلت على خير الورى صلى الله عليه وسلم كاملة غير منقوصة ثم من أعجب أوجه إعجاز هذه المعجزة العظمى من أعجب أوجه إعجاز القرآن العظيم تلك الهيبة التي ألقاها الله سبحانه وتعالى عليه وتلك الروعة العجيبة التي تقع في قلب المستمع وتملك عليه مجامع قلبه ومفاتيحه وتأخذ بمجامع نفسه ولبه إلا قلبا اشتد اغلاقه بمغاليق الغفلة والعناد هذه الهيبة يستوي فيها العربي والأعجمي والكافر والمسلم حكى القاضي عياض رحمه الله فقال روي أن نصرانيا مر بقاريء يقرأ القرآن فوقف يستمع ويبكي فقيل له لم بكيت، فقال: بكيت للشجى والنظم ومعنى كلامه أنه رق قلبه وخشع وشعر بالروعة والحزن من مجرد استماع النظم مع أنه لم يفهم المعاني فإذا كان هذا وقع لأعجمي نصراني فما بالك بالعربي الفصيح الذي يفهم أسرار هذا الكلام المبين ومعانيه ويدرك مدلولاته ويعرف مراتب البلاغة فيه فها هو جبير بن مطعم القرشي العربي الفصيح سمع القرآن وهو مشرك قبل أن يسلم فأخذ بمجامع قلبه وذلك حينما وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشرك وفد إليه يفاوضه في أسرى بدر فانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي المغرب يؤم الناس في مسجده ويقرأ بسورة الطور حتى إذا بلغ قول الله تعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون [الطور:35-37] . قال جبير بن مطعم [1] : كاد قلبي يطير وفي رواية أنه قال: وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي [2] ثم أسلم بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه العربي القرشي الفصيح لما سمع هذا القرآن وخاصة بتلاوة خير الورى صلى الله عليه وسلم فهم معانيه وأحس بروعة مبانيه ومتنه وإسلوبه فكاد قلبه يطير شوقا إلى الإسلام وهكذا ما حاول أحد من عقلاء الفصحاء أن يأتي بمثل هذا القرآن، وعندما حاول سفهاء الفصحاء أن يأتوا بمثله كشف الله تبارك وتعالى عجزهم إما بأن يفضح سفافة ما أتوا به كما حدث لمسيلمة الكذاب أو بأن ييأسهم ويقنطهم من قبل أن يفعلوا كما حدث لإبن المقفع وهذه المعجزة الكبرى التي أعجزت البشر والفصحاء قاطبة من أعظم نعم الله تعالى على العبد المؤمن أن ينفعل بها عند تلاوتها أو سماعها أن ينفعل بهذا القرآن ويحس بحلاوته ويتذوقه ويدرك معانيه عند التلاوة فإن هذه نعمة عظمى ينعم الله بها على بعض عباده المؤمنين فإذا فقد المؤمن هذه النعمة فهو محروم وغالبا ما يفقدها بسبب الذنوب والمعاصي اللهم أجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء همومنا وأحزاننا وذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا وارزقنا تلاوته أناء الليل وأطراف النهار.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير (336) باب تفسير سورة الطور (4/1839) .
[2] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدرًا (4/1475) .
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين واشهد ألا إله ألا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فمن النعم التي أنعم الله تبارك وتعالى عليتا بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن معجزته الكبرى بقيت على مر الدهور والعصور كاملة غير منقوصة غضة كما أنزلت على خير الخليقة صلى الله عليه وسلم فها هي بيننا لا يحول بيننا وبينها شيء بخلاف المعجزات الأخرى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن لنا نصيب من مشاهدتها أما معجزته الكبرى فها هي بيننا أما المحروم فهو من لم تنفعه هذه المعجزة ولم يقدرها حق قدرها ولم يحس بعظمتها مع انه قامت الحجة عليه بها كثير من المؤمنين عند سماع هذا القرأن أو تلاوته يهز قلوبهم ويؤثر فيهم فترق قلوبهم وجلودهم من خشية الله تعالى كما قال سبحانه: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر:23] . ولكن من أعجب الأمور وأغرب الظواهر أن كثيرا من المؤمنين ينفعلون عند سماع الدعاء دعاء الختم في التراويح فيرتفع النشيج والبكاء وذلك أمر طيب ومحمود فإن من المطلوب من المؤمن إذا وقف بين يدي ربه أن يلح في الدعاء ويلج بالبكاء يبكِ على نفسه وعلى ذنوبه بين يدي الملك العلام سبحانه وتعالى ولكن السؤال لماذا لم يبكي هؤلاء عند سماع القرآن؟ وقد تلي القرآن عليهم قبل الدعاء بأجمل الأصوات وأفصح التلاوات ومع ذلك لم ينفعلوا معه كما انفعلوا مع الدعاء والإنفعال مع الدعاء في الغالب يكون بسبب المشاركة فإن المصلين تعودوا أن ينفعل إمامهم مع الدعاء فينفعلون معه ثم يجد المصلي نفسه وسط جو مشحون بالإنفعالات فلا يملك نفسه إلا أن يشارك وفي ذلك خير ولكن لماذا لم يحدث ذلك عند تلاوة القرآن أو سماعه يجب أن يخاف كل مؤمن على نفسه من مصيبة عظمى وهي انقفال القلب عن القرآن فإن القلب قد يقفل عن القرآن من باب العقوبة فالقرآن مرتبة عليا لا يصل إليها إلا من أنعم الله عليه سبحانه وتعالى فإذا أقفل القلب عن القرآن فتلك مصيبة وأي مصيبة يسمع المؤمن القرآن فلا يحركه ولا يؤثر فيه لا ينفعل لا يبكي لا يدرك ولا يفهم معاني ومرامي ما يسمع وهذا من العقوبات على المعاصي والذنوب وعلى الغفلة وهجران القرآن العظيم قال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد:24] . فالخوف كل الخوف من تلك الأقفال وعلاج ذلك إدمان تلاوة القرآن العظيم مع التدبر والتفكر والاستعانة بما يناسبه من كتب التفسير فإن لم يتمكن من ذلك فليجلس في حلقات الذكر حلقات تفسير القرآن العظيم فإن هذا مما يعالج تلك الأقفال ويزيلها بإذن الله تعالى عن قلب المؤمن.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [1] اللهم صلي وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأرضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة باب الصلاة على النبي بعد التشهد (1/306) .