الرقاق والأخلاق والآداب
مساوئ الأخلاق
خالد بن سلمان الضوّي
سكاكا
جامع الثغيب
1-حال أهل الجاهلية. 2- إبطال الإسلام للتفاخر بالأحساب والأنساب. 3- العزة بالإسلام. 4- ذم دعوى الجاهلية وتفاخرها. 5- انتشار دعوى الجاهلية في هذا الزمان.
أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد ، وشرَ الأمورِ محدثاتُها، وكلَ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَ ضلالةٍ في النار.
أيها المسلمون، لقد كان أهلُ الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ متناحرينَ متفرقينَ، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ، لا يحكمهم دينٌ قويمٌ، ولا عقلٌ سليمٌ، ولا فِطرةٌ سويةٌ، القويُ يأكلُ الضعيفَ، كلُ قبيلةٍ تفخر بحسبها على أختِها، وكلُ قبيلةٍ تطعنُ في نسبِ جارتِها، يتحالفونَ ويتداعَونَ ثم يقتتلونَ، فتُفنِيهم الحربُ أجيالًا بعدَ أجيالٍ بسببِ استغاثةِ طيشٍ أو نخوةِ شُؤمٍ، لسانُ حالِهم:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشُدْ غزيةُ أرشدِ
يقاتل الرجل منهم في صفِ قبيلته ولو كانت على باطلٍ في وضحِ النهار.
وأحيانًا على بكرٍ أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
ولقد ابتلي كثيرٌ من أهلِ الإسلامِ في هذه الأزمانِ بخَصلةٍ مَشينةٍ تمتد جُذورُها إلى تلك الجاهليةِ الأولى، إنها العصبيةُ الجاهليةُ التي جاءتِ الشريعةُ الإسلاميةُ محاربةً لها دون هوادةٍ، وجعلت إلغاءَها واحتقارَها مقصِدًا من مقاصِدِ بِعثةِ رسولِ اللهِ إلى العالمِ، حتى قال عليه الصلاة والسلام: (( ألا كلُ شيءٍ من أمرِ الجاهليةِ تحتَ قدمي موضوعٌ، ودماءُ الجاهليةِ موضوعةٌ، وإنَّ أولَ دمٍ أضعُ دمُ ابنِ ربيعةَ ) )، وكان ابنَ عمِ رسولِ اللهِ قُتِلَ صغيرًا.
وتتنزَّلُ الآياتُ القرآنيةُ وتسير الأحاديثُ النبويةُ بإبطالِ تلكَ العادةِ الجاهليةِ وإحلالِ القواعدِ الشريفةِ مكانَها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، وفي هذه الآيةِ إشارةٌ إلى وجهِ ردِّ التفاخرِ بالنسبِ، حيث أفادتْ أنَّ شرفَ النسبِ غيرُ مكتسبٍ، ولا يدخلُ في كسبِ الإنسانِ، يقول تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ، قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله:"ولهذا لم يُثْنِ اللهُ على أحدٍ في القرآنِ بِنَسَبِه أصلًا، لا على ولدِ نبيٍّ ولا على أبي نبيٍّ، وإنما أَثنى على الناسِ بإيمانِهم وأعمالِهم".
وقد قَرَّرَ هذه الحقيقةَ تقريرًا واضحًا صريحًا رسولُنا في بدايةِ البِعثةِ حيث قامَ عندما نزلَ قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ، ثم قالَ: (( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ سَلِينِي مَا شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ) ). وقال عليه الصلاة والسلام: (( ومن أَبطأَ به عملُه لم يُسرِع به نسبُه ) ).
لقد جاءَ الإسلامُ ـ عبادَ الله ـ ماحيًا لكل تلكَ الظواهرِ المَقيتةِ في حياتِهم، ثم ساوى بينهم في الحقوقِ والواجباتِ، وجعلَ شِعارَهم الإسلامَ، ونخوتَهم المسلمين، قال تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ، وفاضَلَ بينهم بالتقوى وطاعةِ اللهِ تعالى، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( يا أيها الناس، إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ علي أعجميٍّ ولا لِعَجَمِيٍّ علي عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسودَ ولا أسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى ) ).
عبادَ الله، ولا سبيلَ إلى عِزةِ وانتشارِ الإسلامِ كما كان أولَ أمرِه إلا إذا ألغى المسلمونَ جميعَ الشعاراتِ إلا شعارَ الإسلامِ، فصارت موالاتهُم ومعاداتهُم على هذا الدينِ القويمِ، إذا أحبوا أحبُوا لله، وإذا أبغضوا أبغضُوا لله، وبذلك تُنالُ وِلايةُ اللهِ عزَّ وجلَّ، قال عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه: (نحن قومٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلامِ، ومهما ابتغينا العزةَ بغيرِ الإسلامِ أذلنا اللهُ) .
وليُعْلَم أن معرفةَ الإنسانِ لقبيلتِه وانتسابَه لها ومعرفةَ أنسابِها وحفظَ تلكَ الأنسابِ لا يُذَمُّ في الشرع، بل جاءَ عنه أنه قال: (( تعلموا من أَنسابِكم ما تَصِلون به أرحامَكم ) )رواه الترمذي وصححه الألباني، لكن ما يُذَمُّ هو الافتخارُ بالقبائلِ والتعالي بالأحسابِ على الناسِ وذمِ أنسابِ الناسِ أو احتقارِ بعضِ القبائلِ أو بعضِ من لم يُعرَف بقبيلة أو ليس بعربيِّ، فتلك دعوى الجاهلية وتلك هي المنتِنة.
وتذكيرًا لنفسِي ولإخواني المسلمينَ سأذكُرُ بعضَ ما جاء عن النبي في هذا البابِ؛ إذ هو كفيلٌ بنزعِ ما قد يَعلَقُ بقلوبِ البعضِ من عُنصريةٍ بغيضةٍ وعصبيةٍ جاهليةٍ، وعلى المسلمِ التسليمُ والقَبولُ لأمرِ اللهِ تعالي وأمرِ رسولِه ، قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ.
فعن أُبي بنِ كعبٍ رضي الله عنه قالَ: سمعت رسولَ الله يقول: (( من تعزى بعزاءِ الجاهليةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلا تَكْنُوا ) )، يعنى قولوا:"اعضض ذكر أبيك"صراحة لا كناية، وقد كتب عمر بنُ الخطاب إلى أمراء الأجناد: (إذا تداعت القبائلُ فاضربوهم بالسيف حتى يصيروا إلى دعوة الإسلام) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي ) )، وهذا تهديدٌ لمن يغضبُ ويقاتلُ لقبيلتِه وليس لله، وتكونُ نصرتُه لعصبتِه لا للحقِّ، ويوالي من والت قبيلتُه ولو كانَ أفجرَ الناسِ، ويعادي من عادت قبيلتُه ولو كان تقيًا صالحًا، حتى يقاتلَ تحتَ رايةٍ عَمياءَ لا يبحثُ تحتَها عن حقٍ ولا يجتنبُ في ظلِها باطلًا.
وعن الحارثِ الأشعريِّ رضي الله عنه أن النبي قال: (( ومن دعا بدعوى الجاهليةِ فهُو من جُثاءِ جهنمَ ) )، قالوا: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟! قال: (( وإن صامَ وإن صلى وزعمَ أنَّه مسلمٌ، فادعوا المسلمينَ بأسمائِهم بما سماهُم اللهُ عزَّ وجلَّ المسلمينَ المؤمنينَ عبادَ الله عز وجل ) ).
وفي غزوةٍ من الغزواتِ كسعَ رجلٌ من المهاجرينَ أنصاريًا، فغضِبَ الأنصاريُّ غضبًا شديدًا، حتى تَداعوا وقال الأنصاريُّ: يا لَلأنصارِ، وقال المهاجريُّ: يا لَلمهاجرين، فخرج النبيُّ فقالَ: (( ما بالُ دعوى أهلِ الجاهليةِ؟ ) )ثم قال: (( ما شأنُهم؟ ) )فأُخبِر بكسعةِ المهاجريِّ الأنصاريَّ، فقال النبيُ: (( دعوها فإنَّها خبيثةٌ ) )، وفي رواية: (( دعوها فإنَّها مُنتِنَة ) )، وهذا أبلغُ حديثٍ في ذمِ العصبيةِ الجاهليةِ.
وعن أبي ذرٍ قال: كان بيني وبينَ رجلٍ من إخواني كلامٌ، وكانتْ أمُّه أعجميةٌ، فعيَّرتُه بِها، فشكاني على النبي ، فلقِيتُ النبيَّ فقال: (( يا أبا ذرٍ، إنَّك امرؤٌ فيكَ جَاهليةٌ ) )، قلت: يا رسولَ اللهِ، مَن سَبَّ الرجالَ سَبُوا أباه وأمَّه، قال: (( يا أبا ذرٍ، إنَّك امرؤٌ فيكَ جَاهليةٌ ) )، وقال له رسولُ الله: (( انظر فإنَّك لستَ بخيرٍ من أحمرَ ولا أسودَ إلا أنْ تَفضُلَه بتقوى ) ).
عبادَ الله، ومن أمورِ الجاهليةِ التي كانتْ وما زَالت في أمةِ محمدٍ التفاخرُ بالأحسابِ والطعنُ في الأنسابِ، يزرعُها الشيطانُ في قلوبِ أتباعِه ويتعاهَدها جيلًا بعدَ جيلٍ، قال عليه الصلاة والسلام: (( أربعٌ في أمتي من أمرِ الجاهليةِ لا يتركُونَهن: الفخرُ في الأحسابِ، والطعنُ في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنجومِ، والنياحةُ ) )، والأحسابُ جمع حَسَبٍ، وهو ما يَعُدُّه المرءُ من الخِصال لَه أو لآبائِه من نحوِ شجاعةٍ وفصاحةٍ، والفخرُ فيها أي: الشَرَفُ بالآباءِ والتعاظُمُ بِعَدِّ مناقِبِهم ومآثِرِهم وفضائِلهم، والطعنُ في الأنسابِ أي: الوقوعُ فيها بنحوِ ذمٍّ وعيبٍ، وهذان الأمرانِ من الجهلِ والكِبر، ويؤديانِ إلى التقاطُعِ والتدابُرِ، ويغذيانِ الفتنةَ، فلا فخرَ إلا بالطاعةِ، ولا عِزَّ لأحدٍ إلا باللهِ، ولا فضلَ إلا بالتقوى والعملِ الصالحِ، ومعنى الحديثِ: أنَّ هذه الأربعَ محرمةٌ، ومَعَ حرمَتِها فإنَّ كثيرًا لا يتركونَها مع علمِهم بحُرمتِها وأنَّها من أفعالِ أهلِ الجاهليةِ، وذلك وباءٌ وخيمٌ وَحَوبٌ كَبير.
وقال عليه الصلاة والسلام: (( اثنتانِ في الناسِ هما بهم كُفْرٌ: الطعنُ في النسبِ، والنياحةُ علي الميتِ ) ). ومعنى هذا الحديثِ كما قال القاضي عياضٌ رحمه الله أي: من أعمالِ أهلِ الكفرِ وعادتِهم وأخلاقِ الجاهليةِ، وهما خَصلتانِ مذمومتانِ محرمتانِ في الشرعِ.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين.
أما بعد: فيا عبادَ الله، ومما يؤسف له قيامُ بعضِ وسائلِ الإعلامِ ومواقعِ شبكةِ المعلوماتِ وبعضِ الشعراءِ والبرامجِ الشعريةِ بتغذيةِ هذه العنصرياتِ البغيضةِ والنَعراتِ الجاهليةِ، وفتحِ المجال ليتفاخرَ السفهاءُ بأحسابِهم وأنسابِهم وقبائِلهم، وينفقونَ الأموالَ ويُضيعونَ الأوقاتَ في أمرِ جاهليٍّ أتى الإسلامُ لهدمِه ونهى عنه وحَرَّمَه، وقد حذَّر النبيُ المُصرينَ على التفاخُرِ بأحسابِهم المتعالينَ بأنسابِهم، حذَّرهم من السقوطِ إلى حضيضِ الهوانِ عندَ الله، قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، فالناسُ رجلانِ: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ) ).
فالذين يَفخرون بأحسابِهم أو قبائِلهم أو بأي رابطةٍ غير رابطةِ الإسلامِ ينطبِقُ عليهم هذا الوعيدُ، وهو أن اللهَ يجعلُهم أحقرَ وأذلَّ وأهونَ من الجُعلانِ التي تَدفَعُ النتنَ والنَجَسَ بأنفِها. وما أكثرَ هذا الافتخار البارد بين خَفيفي الهمةِ الذين ارتكبوا كلَّ رذيلةٍ وتَعروا عن كلِ فضيلةٍ، ومع ذلك افتخروا بآبائِهم وأجدادِهم وأنسابِهم على بعضِ فضلاءِ البريةِ، واحتقروا أناسًا فاقُوهم دينًا وأخلاقًا وعلمًا وأمًا وأبًا، وهذا هو الضلالُ البعيدُ والحمقُ الذي ليس له مثيلٌ، وصدق القائل:
أقول لمن غَدا في كلِّ وقتٍ يفاخِرُنَا بأسلافٍ عظامِ
أتقنعُ بالعظامِ وأنت تَدرِي بأنَّ الكلبَ يقنعُ بالعظامِ
يقول أحدُ العلماءِ:"من خَصائِصِ عالي الهمةِ أن يكون عِصاميًا لا عِظاميًا". فالعِصامِيُّ هو من سادَ بِشَرَفِ نفسِه، وهو الذي يبني مجدَه بنفسِه، وفي مقابله العِظاميُّ، وهو من تَقدَّمَ بشرفِ آبائِه، فهو يفخَرُ بآبائِه الذين صاروا عِظامًا، فسُمي عِظاميًا.
وقال عبد الله بنُ معاوية في هذا المعنى:
لسنا وإِنْ كَرُمتْ أوائِلُنا يومًا على الأحسابِ نَتَّكِلُ
نبنِي كما كانتْ أوائِلُنا تبنِي ونَفْعَلُ فوقَ ما فَعَلُوا
فَكبيرُ الهِمةِ لا يَضِيرُه أنْ لا يكونَ ذا نسبٍ، بل لا يَضِيرُه أن يكونَ ذا نسبٍ وضيعٍ، وهذه من أعظمِ محاسنِ الإسلامِ، فبلالٌ الحَبشيُّ سَمِع النبيُّ خَفْقَ نَعليهِ في الجنةِ، وأبو لهبٍ القرشيّ عم رسولِ الله تَوعَّده الله بنارٍ ذاتِ لهبٍ، بل إذا فَتَّشتَ في أكابرِ علماءِ المسلمينَ تجدُهم من العبيدِ والموالي والأعاجمِ، فأغلبُ الأئمةِ والمحدثين والمشاهيرِ هم من الأعاجمِ الذين لم يكونوا عَرَبًا، فلا يَضِيرُ كبيرَ الهمةِ أن لا يمُتَّ بآصرةِ اللحمِ والدمِ إلى قومٍ كرامٍ، فإنه بعلوِ همتِه سوفَ ينتسِبُ إلى الكرامِ.
كن ابنَ من شئتَ واكتسِبْ أدبًا يغنيكَ محمُودُه عن النسبِ
إنَّ الفتى من يقولُ ها أنا ذا ليس الفتى من يقولُ كانَ أَبي
ويقول المتنبي:
لا بقومي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي وبنفسي فَخِرتُ لا بجدودي
عبادَ الله، وصلوا وسلموا عن من أمرتم بالصلاة والسلام، حيث قال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...