فهرس الكتاب

الصفحة 4900 من 5777

سياسة الإسلام في المال(2)

الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد

قضايا المجتمع, محاسن الشريعة

سامي بن عبد العزيز الماجد

الرياض

جامع الرائد

1-نظر الإسلام إلى المال. 2- النصوص الدالة على حفظ أموال الناس في الإسلام. 3- نماذج تدل على حفظ حقوق الناس. 4- وقفات مع آية الدَّين.

أما بعد: فلا يزال الحديث عن شأن المال في الإسلام، وتقدم الحديث عن الحكمة في خلق الناس متفاوتين في أرزاقهم، وتصحيحِ معنى التسخير في قوله: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32] ، وبيان أن التسخير المقصود هو التسخير المتبادل بين الطرفين؛ فالغني مسخر للفقير كما سخر الفقير للغني، وليس تسخيرًا يستفيد منه طرف على حساب طرف.

ونعرّج بالحديث على نظر الإسلام إلى المال لاستجلاء سياسته فيه.

أما نظر الإسلام إلى المال فهو أن المال في حكم الإسلام نعمةٌ قد تفتن وتبطر؛ كما تفتن وتبطر أي نعمة، وأن المال في نفسه لا يلحقه ذم ولا مدح لذاته، وأشد ما جاء في وصفه في القرآن أنه فتنة، كما قال ربنا تبارك وتعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15] . ووصف الشيء بأنه فتنة لا يعني أنه ليس بنعمة، ولا أن الناس جميعًا مفتونون به، ووصفه بذلك لا يستوجب ترك تحصيله، ولو صح ذلك لوجب التبتل والعزوف عن ابتغاء الولد من أجل أن الولد فتنة! ولا قائل بذلك إلا من رغب عن سنة النبي. فإذا كان وصف الأولاد بأنهم فتنة لا يقتضي ذمًا لابتغائهم بالنكاح، فكذلك المالُ قرينُ الأولاد في الوصف بالفتنة. وصفُه بالفتنة لا يعني أنه نقمة، ولا يقتضي ذم تحصيله، إنما يوجب تحري طلبه من حله.

وهذا ما يقرر أن المذموم ليس هو المال، وإنما المذموم عمل الناس في المال حين يتعدون حدود الله في كسبه وإنفاقه.

ومن أجلى ما يدل على أن المال نعمة تستوجب رعايتَه والحفاظَ عليه وتعظيمَ شأنه ما جاء في الكتاب والسنة من أدلة مستفيضة، تجعل حفظَ المال مقصدًا من مقاصد الشرع الضرورية، وأن مقاصد الشرع لا تنحصر في إقامة الدين، وأن مراعاتَه لا تقتصر على المصالح الأُخروية، فقد جاء الشرع لإقامة الدين وسياسة الدنيا، ومراعاة المصالح الأخروية وكذلك المصالح الدنيوية التي لا تصلح حياة الناس إلا بها.

لقد جاء الإسلام بحفظ الضرورات الخمس، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل. وجاءت تشريعاتُه للحفاظ على هذه الضروريات ورعايتها كلها، وأن شيئًا منها ليس متروكًا حفظه لاجتهادات الناس التي تقدر فتخطئ التقدير لعدم سلامتها من نزغات الأهواء والمصالح الشخصية.

إن حرص الناس على أموالهم طلبًا لها وحفظًا لا يغنيهم عن شريعة تحكم لهم سبل الطلب والحفظ، والتعويلُ على حرصهم لا يضمن لهم حفظ المال ولا العدل في طلبه وكسبه، فقد يزيد حرصهم على حفظ المال فيحملهم على الشح والبخل مبالغةً في حفظه، وقد يزيد طمعهم فيه فيدفعهم إلى كسبه من غير حله وأكل أموال الناس بالباطل، وقد ينقص حرصهم على حفظه فيدفعهم إلى الإسراف والتبذير، وقد ينقص حرصهم على كسبه فيغلون في زهدٍ تبرأ منه الشريعة.

إذًا لا بد لهم من تشريع عادل معصوم من الأهواء وحظوظ النفس، ولا سالم من ذلك إلا شرائعُ الله، فهي التي تضمن للناس أحكامًا وسياسة وسطية عادلةً لا وكس فيها ولا شطط.

ونستعرض من النصوص بعض الأمثلة على حرص الإسلام على حفظ المال، يقول الله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29] ، وقال مادحًا بعض عباده المؤمنين: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67] ، وقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] ، وقال: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:26، 27] .

لقد جاء هذا التقنين في الإنفاق حفظًا للمال، وحفظًا لكرامة النفس أن تدنسها خسيسة البخل والشح، يرفع اليد عن البخل ويقصرها عن الإسراف حتى يكون المرء في ماله بين الإمساك ببخل وإنفاق بسفه.

والإسلام يقر حق الفرد في التملك والتصرف في ماله، لكنه حفظًا للمال يوجب الحجر على السفيه، فقال: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:4] . فهو إذًا حَجر لمصلحتهم وحفظٌ لأموالهم، ولولا الحجر عليهم لأودى سفههم بأموالهم وأسلمهم إلى الفقر. ثم هو حجر لعلَّة، فإذا ذهب السفه ارتفع الحجر، وردت إليهم أموالهم يتصرفون فيها تصرف الراشدين، قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6] .

وشرع الإسلام حد السرقة حفظًا للأموال، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة:38] . ومعلوم أن اليد معظمة الحرمة في الشرع، فمن قطعها عمدًا قطعت يده، ومن قطعها خطأ فعليه نصف الدية، فهي إذًا غالية معظمة الحرمة في الشرع، لكنها إذا خانت فقد هانت على الشرع، ووجب قطعها بخيانتها بالسرقة ولو في ربع دينار.

ويعترض بعضهم فيقول: يدٌ تُودى بخمسين من الإبل لو قُطعتْ، فكيف تقطع في سرقة ربع دينار؟!

والجواب: أن تغليظ العقوبة ليس سببُه عظم ثمن المسروق، وإنما سببه عظم حرمة مال المعصوم، والذي يسرق القليل لا يتورع عن سرقة الكثير، وما منعه عنه إلا العجزُ.

يقول أحد الضالين عن حكم الشرع في تشريعاته المستسلمين لتلبيس إبليس:

يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟!

فأجابه من حصّن العلم قلبه وفكرَه عن الشبهات والتلبيسات فقال:

عِز الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافهَم حكمة الباري

ومما شرعه الله لحفظ أموال الناس وحقوقهم توثيق المبايعات والديون بالكتابة أو الإشهاد، فأنزل أطول آية في كتابه في تشريع طرق حفظ الأموال وتوثيق المبايعات والديون، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282] ، ثم قال: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ، ثم قال: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ، ثم قال: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ.

وفي هذه الآية بعض الوقفات:

أولًا: لم يكِل الشرع حفظ الأموال إلى حرص الناس عليها، ولم يعول في ذلك على الثقة التي يجدونها فيما بينهم، بل جعل لحفظها ضماناتٍ أخرى غيرها هي التوثيق بالكتابة أو الإشهاد. ولم يقل كما يقول بعض الوعاظ: في الناس من الحرص على حفظ حقوقهم وأموالهم ما يغنيهم عن التوكيد والدلالة على طرق التوثيق.

وإنك لتجد من الناس من تحمله الثقة بمن يتعامل معه على أن يتساهل في التوثيق والضمان، ثم يتبين له أن الاستغناء بالثقة عن التوثيق قد ضيعت حقه وأدخلته دهاليز كان في غنى عنها لو أخذ بطريقة القرآن وإرشاده.

ثانيًا: لنتذكر أن الله قد نادانا في أول الآية باسم الإيمان فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ ، وهو وصف تشريفي يفترض الصدق والأمان في المنادى، فلا يكون غاشًا ولا كاذبًا في تعاملاته، ومع ذلك لم يجعل الله هذا الوصف كافيًا في ضمان الحق أن لا يُبخس ولا يضيّع، ولم يجعل في الثقة غنية عن الضمان بالتوثيق.

ثالثًا: امنح ثقتك بمن شئت من الناس، لكن إياك إياك أن تستغني بها عن طلب الضمان والتوثيق، ولا تظن أن طلبك للتوثيق والإثبات والضمان يطعن في الثقة أو ينافيها، فالقرآن نادانا باسم الإيمان ومع ذلك أمرنا بأن نحفظ حقوقنا بطرق ليس منها الثقة والائتمان.

ثم إن الأسباب التي تضيع بها الحقوق والأموال لا تنحصر في جحد الحق والخيانة، فمن عارض النسيان الذي يعرض للثقة الأمين كما يعرض للخائن الجاحد.

فاحفظ حقك بإرشادات القرآن وتوجيهاته، ولا يمنعنك الحياء ممن تثق بهم أن تطالبهم بتوثيق معاملتك معهم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

أما بعد: فننفذ مما سبق من تقرير حفظ الشرع للأموال إلى التذكير بواجب لا بد أن نحتسب بالقيام به، وهو أن نحتسب في حفظ الأموال كما نحتسب في حفظ الأعراض والدين والنفس، وأن نعلم أن الإنكار لا يقف عند حدود قضايا العرض والأخلاق ومسائل العبادات؛ فإن الاقتصار على ذلك إخلال ببقية الاحتساب والإنكار الذي يجب أن يقوم في المجتمع، وهو الإنكار في مسائل المال والاحتساب فيه.

وعملًا بهذا فإننا نحذر من أمر ينبغي على المسلم أن يحذره، فالمسلم كيس فطن، وهو أن ائتمانك بمن تتعامل معه بيعا وشراء وغير ذلك لا ينبغي أن يكون سبيلك فيه ما ترى من مظهر الرجل وهيئته؛ فإن كانت مما يحبه الله فذلك بينه وبين ربه وهو أعلم بنيته، وهو الذي يجازيه على امتثاله إن كان صادقًا وعلى مخادعته إن كان كاذبًا، أما أن تجعل ذلك محلًا للاطمئنان والائتمان فذلك تفريط لم يأذن به الله، واجعل سبيل ذلك في سبر حاله وسؤال الناس عنه وتوثيق كل معاملة معه.

اللهم احفظ للناس حقوقهم، وعليك بمن ضيع لهم حقا أو غشهم فيه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت