الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة, الولاء والبراء
سمير بن عبد الرحمن عبدات
دالي إبراهيم
النصر
1-موالاة المؤمنين من أصول الإسلام. 2- نعمة الأخوة. 3- مظاهر الأخوة ولوازمها. 4- أقسام الناس من حيث موالاتهم. 5- ولاءات الناس في العصر الحاضر.
أما بعد: فإنّ من أصول الإسلام وقواعده العظام موالاة المؤمنين ومحبّة أهل الملة والدين، قال الله جل وعلا: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] ، وقال عزّ من قائل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] .
ولا ريب ـ أيها المسلمون ـ أنّ نعمةَ الأخوة بين المؤمنين والولاء بين عباد الله الصالحين من أجلِّ نعم الله على هذه الأمّة، وقد امتنّ الله بها على عباده حين قال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103] ، ولذلكم أوجب الله علينا موالاةَ المؤمنين ومحبّتهم، وتتلخّص مظاهرُ هذا الولاء في صورٍ كثيرة منها:
1-مناصرة المسلمين ومعاونتُهم بالنفس والمال واللّسان، فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، قال سبحانه: وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [الأنفال:72] .
2-ومن مظاهر موالاة المؤمنين التألّم لألمهم والسرور بسرورهم، قال: (( مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )متفق عليه، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى عبد الله بن قيس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا ) )ثم شبّك بين أصابعه.
3-ومن مظاهر موالاة المؤمنين مناصحتهم ومحبّة الخير لهم وعدم غشّهم وخديعتِهم، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ) )متفق عليه من حديث أنس، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا ) )متفق عليه.
وهذا المظهر من مظاهر الموالاة أصبح عزيزًا في الناس، فتجِد الرجل ينام وبطنه مليء، وأخوه المسلم بجواره جائِع، وتجد التاجرَ يصلّي في الصف الأول، ثم هو يدلّس في بيعه ويغشّ في تجارته، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
4-ومن مظاهر موالاة المؤمنين احترامُهم وتوقيرهم وعدم تنقّصهم وعيبهم وغِيبتِهم، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] ، وقال: (( ليس منا من لم يرحَم صغيرَنا ويوقّر كبيرنا ) )رواه الترمذي وأحمد. وانظروا ـ رحمكم الله ـ واقعَ المسلمين اليوم ترونَ عجبا، فكم من صغير تجرّأ على الكبير، ولم يعرِف له حقَّ التقدير والتوقير، بل كم من جاهل سفيه تعالى على ورثة الأنبياء وسخِر من الصالحين والأولياء، وتنقّص حقّ النبلاء والفضلاء، وكم من امرأةٍ احتقرت أخرَى لأنها دونها في المال والجمَال، وكم هم هؤلاء الذين يلمِزون وينبزون وعن آيات الله هم غافلون.
ثم اسمعوا قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] . أما عن سوء الظن فحدّث عن البحر ولا حرج، حتى حلّ سوء الظنّ محلّ اليقين، وصار أداةً لتقييم الناس والحكمِ عليهم. أمّا الغيبة التي نهى الله عنها في كتابه فقد أصبحت سِلعةً رائجة وبضاعة مبذولة، فترى الرجل يبتسّم في وجهك، ويتملّق بين يديك، حتى إذا خلا عنك سلَّ سيف الغيبة في ظهرِك، فالله حسيبه وهو حسبُنا ونعمَ الوكيل.
5-ومن مظاهر موالاة المؤمنين أن يكونَ المسلم معهم حالَ العسر واليسر والشدّة والرخاء، بخلاف أهل النفاق الذين قال الله فيهم: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:141] .
6-ومن مظاهر موالاة المؤمنين زيارتهم والالتقاء والاجتماع بهم، وفي الحديث القدسي: (( وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ ) )رواه أحمد.
7-ومن مظاهر موالاة المؤمنين أيضا احترام حقوقهم، فلا يبيع على بيعِهم، ولا يسوم على سومهم، ولا يخطب على خطبتهم، وقد قال: (( لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه ) )رواه مسلم من حديث ابن عمر.
8-ومن مظاهر هذا الولاء الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم، قال تعالى مخاطبا نبيه: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19] .
الحمد لله وكفى، وسمع الله لمن دعا، والصلاة والسلام على النبيّ المصطفى والحبيب المجتبى.
وبعد: أما وقد سمعتم ـ معشر المسلمين ـ بعض مظاهر الولاء بين المؤمنين، فإن الناس فيما يجب في حقّهم من الولاء على قسمين اثنين:
1-القسم الأول: من تجِب محبّتُهم محبّةً خالِصة لا معاداةَ معها، وهم المؤمنون الخُلّص من الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، وفي مقدّمتهم رسول الله محمد بن عبد الله ، فإنّه تجب محبّته أعظمَ من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين وأهل بيته الطيّبين وصحابته الكرام الميامين، خصوصا الخلفاء الراشدين وبقية العشرة المبشرين والمهاجرين والأنصار وأهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم التابعون أهل القرون الثلاثة المفضّلة من سلف هذه الأمة، فالتابعون لهم بإحسان، والمؤمنون من بعدهم رضي الله عنهم أجمعين.
2-أما القسم الثاني: فهم من يحَبّ من وجه ويبغَض من وجه، فتجتمع فيه المحبّة والعداوة، وهم عصاة المؤمنين، يُحَبّون لما فيهم من الإيمان، ويبغَضون لما هم عليه من العصيان الذي هو دون الكفر والشّرك.
ومحبتهم تقتضي مناصَحتُهم والإنكار عليهم، فلا يجوز السكوت على معاصيهم، بل يؤمَرون بالمعروف بمعروف، وينهَون عن المنكر من غير منكر، وتقام عليهم الحدود والتعزيرات الشرعية، ولكن لا يبغَضون بُغضًا خالِصًا، ولا يُحَبّون ويوالَون حبًّا وموالاةً خالِصين، بل يعتدَل في شأنهم.
والحبّ في الله والبغض في الله أوثق عُرى الإيمان، والمرء مع من أحبّ يوم القيامة، وقد تغيَّر الوضع اليومَ وصار غالب موالاة الناس على الدنيا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من أحبّ في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا) .