فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 5777

الناس مسافرون

الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر

أحمد فريد

الإسكندرية

غير محدد

1-العلم والإرادة زاد المسلم في سيره إلى الآخرة. 2- النوم صورة متكررة للموت.

3-اختلاف الناس في رحلتهم إلى الآخرة بين متزود بالطاعات وغارق بالمعاصي.

4-الناجون في هذه الرحلة على أصناف ثلاثة: السابق - والمقتصد - والظالم.

ثم أما بعد:

السائر إلى الله عز وجل والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره، ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين:

قوة علمية، وقوة عملية

فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق، وموضع السلوك، ومواضع العطب فقوته العلمية كنور عظيم بيده يمشي في ليلة عظيمة مظلمة، فيكشف بهذا النور أعلام الطريق ومعاطبها، وبالقوة العملية يسير حقيقة.

فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها ويكون ضعيفا في القوة العملية، يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المخاوف ولا يتوقاها فهو فقيه ما لم يحضر عمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف، وفارقهم في العلم.

ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية التي تقتضي السلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، والجد والتشمير في العمل، وهو أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، والانحرافات في الأعمال والأقوال.

فمن تمت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله، وإذا كان السير ضعيفا، والهمة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفا، والقواطع الخارجية والداخلية كثيرة شديدة، فإنه جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب، والله ولي التوفيق والعبد من حين استقرت قدماه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه عز وجل، ومدة سفره عمره الذي قدره الله عز وجل له، ومراحل السفر الأيام والليالي، ومن رحمة الله عز وجل بالعباد ذكرنا الله عز وجل بالموت والبعث والنشور كل يوم وليلة.

فكل مرحلة من مراحل العمر تنتهي بانتهاء يوم فالعبد تقبض روحه كل يوم ثم ترد إليه مرة ثانية كما قال تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى [الزمر:42] . وكان النبي إذا أراد النوم وضع كفه تحت خده الأيمن ثم قال: باسمك اللهم ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ( [1] ) .

فنحن نتذكر الموت والبعث كل يوم، لعل العبد يحدث في كل مرحلة توبة نصوحا، فيتذكر ما جنت يداه في يومه، ويحدث لذلك توبة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن مد الله في أجله، ورزق مهلة جديدة ينوي أن يتزود فيها من طاعة الله عز وجل، فكل يوم يعيشه المؤمن فهو غنيمة، فإن المؤمن لا يزداد من الدنيا إلا خيرا، ثم هو ينوي كذلك الإقلاع عن الذنوب في الدنيا والتوبة إلى علام الغيوب وغفار الذنوب فالعاقل يجتهد في قطع كل مرحلة من مراحل العمر سالما من المعاصي والذنوب، رابحا غانما من طاعة علام الغيوب، فهو يزداد في كل مرحلة علما وخيرا، ويدقق على نفسه، ويضيق عليها الحساب، فيداوي ما في نفسه من العيوب وأدران الذنوب.

ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين إلى دار الشقاء، وقسم قطعوها مسافرين إلى الله وإلى داره دار السلام، فأما القسم الأول فهم الذين يقطعون مراحل السفر بمساخط الرب عز وجل، فهم يقتربون من دارهم كل يوم، ويقطعون في كل مرحلة مسافة، وإذا تكاسلوا عن المعاصي أرسل الله عز وجل إليهم الشياطين تدفعهم إليها دفعها، وتزعجهم إليها إزعاجا.

كما قال تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا [مريم:83] ، أي تزعجهم إلى المعاصي يتبعون المعصية المعصية، فلا يحدثون توبة إلى الله عز وجل، بل يستمرون على الذنوب والمعاصي حتى الموت، نعوذ بالله من حالهم.

القسم الثاني: هم الذين قطعوا مراحل السفر مسافرين إلى الله عز وجل والدار الآخرة، وهم ثلاثة أقسام:

فمنهم ظالم لنفسه.

ومنهم مقتصد.

ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.

فالظالم لنفسه: مقتصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل، ومع ذلك فهو متزود بما يتأذى به في طريقه، فهو إذا استقبل مرحلة من مراحل عمره استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه ثم يتذكر حق الله عز وجل عليه، فيؤدي شيئا من حق الله عز وجل، ثم يعود إلى حظوظه وشهواته مع حفظ التوحيد.

وأما المقتصد: فقد اقتصر من الزاد على ما يبلغه المنزل، فما زاد ولا نقص، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم ولكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة.

فالمقتصد يؤدي وظائف مراحل عمره، فهو يستقبل يومه بالطهارة الكاملة وصلاة الصبح ثم ينصرف إلى مباحاته، فإذا جاء وقت الفريضة الأخرى أداها، فإذا دخل شهر رمضان صامه كما أمره الله عز وجل، وكذلك الزكاة الواجبة، والحج الواجب، وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم.

وأما السابق بالخيرات: فهو كرجل علم أن أمامه بلد الدرهم يكسب فيها عشرة إلى سبعمائة أو أكثر، وعنده حاصل، وله خبرة بطريق ذلك البلد، وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهئ به تجارة إلى ذلك البلد لفعل، فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن الله، يرى خسرانا بينا أن يمر عليه وقت في غير متجر، وأما أحوال السابقين بالخيرات فقد قال ابن القيم رحمه الله: وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة، ولكن محبة القوم تحمل على ما تعرف به منزلتهم، والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم، ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة:

منها: أن لا يزال المتخلف المسكين مزريا على نفسه، ذاما لها.

ومنها: أن لا يزال منكسر القلب بين يدي ربه تعالى، ذليلا له حقيرا، يشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين، ويشهد بضائع التجار وهو في رفقة المحرومين، ومنها أنه عساه أن تنهض همته إلى التشبث والتعلق بساقة القوم ولو من بعيد.

ومنها: أنه لعله أن يصدق في الرغبة واللجأ إلى من بيده الخير كله أن يلحقه بالقوم، ويهيئه لأعمالهم، فيصادف ساعة إجابة، لا يسأل الله فيه شيئا إلا أعطاه، ومنها: أن هذا العلم من أشرف علوم العباد، وليس بعد علم التوحيد أشرف منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة، فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم وتشتاق إليه وتحبه وتأنس بأقله، فليبشر بالخير فقد أهل له، ومنها: أن العلم بكل حال خير من الجهل، ومنها: أنه إذا كان العلم بهذا الشأن همه ومطلوبه فلا بد أن ينال منه بحسب استعداده ولو لحظة، ولو بارقة، ولو أنه يحدث نفسه بالنهضة إليه.

ومنها: أنه لما يجري منه على لسانه ما ينتفع به غيره بقصد أو بغير قصد، والله لا يضيع مثقال ذرة، فعسى أن يرحم بذلك العلم، وإياك أن تظن أنه بمجرد علم هذا الشأن قد صرت من أهله، هيهات ما أظهر الفرق بين العلم بوجوه الغنى وهو فقير، وبين الغنى بالفعل، وبين العلم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم، وبين الصحيح بالفعل، فاسمع الآن وصف القوم وأحضر ذهنك لشأنهم العجيب، وخطرهم الجليل، فإن وجدت من نفسك حركة وهمة إلى التشبه بهم فاحمد الله، وادخل، فالطريق واضح، والباب مفتوح:

إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه تكن مثل ما أعجبك

فليس على الوجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك

فنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القدر المشترك، وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب، قد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به عن سواه، قد شغلوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره.

ثم فصل حالهم رحمه الله إلى أن قال تواضعا وهضما لنفسه: فوا أسفاه وواحسرتاه ، كيف ينقضي الزمان وينفد العمر، والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزا، وموته كمدا، ومعاده حسرة وأسفا، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك ( [2] ) .

قل النبي: (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ) ( [3] ) .

والمعنى أن من حسن إسلامه ترك مالا يعنيه من قول أو فعل واقتصر على ما يعنيه ما الأقوال والأفعال أي ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام، ولهذا جعله من حسن الإسلام.

والعبد إذا بلغ درجة الإحسان فإنه يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فيعلم أن الله يراه.

عن الحسن قال: من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.

وقال سهل بن عبد الله التستري: من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق.

وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله عز وجل.

ومن حسن إسلامه ضاعف الله عز وجل له الحسنات، وكفر عنه السيئات، ويكون مقدار المضاعفة بحسب حسن الإسلام.

ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي قال: (( إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل ) ) ( [4] ) .

فالمضاعفة عشرة أضعاف لابد منها وكما قال تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام:160] ، والزيادة على ذلك بحسب حسن الإسلام.

ومن حسن إسلامه كذلك كفرت عنه سيئاته، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلنا يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: (( أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام ) ) ( [5] ) .

وفي صحيح مسلم عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله: أرأيت أمورا كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجر؟ قال رسول الله: (( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ) ( [6] ) .

فالأعمال التي يعملها العبد في زمان كفره ومنعه من الانتفاع بها في الآخرة كفره، إذا أسلم عاد إليه ثواب عمله الصالح، وانتفع به، فالذي ينبغي على العبد أن يكون مشغولا دائما بما يعود عليه بالخير، وبما ينتفع به في الآخرة، وكما يقولون: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر أين أقامك، فإذا كنت مشغولا بالدنيا، وتحصيل شهواتها وزينتها فالدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وإن كنت مشغولا بالدعوة إلى الله عز وجل فاعلم أنك في أشرف الوظائف، فإن هذه وظيفة الأنبياء والمرسلين، الذين اختصهم الله عز وجل بهذا الفضل المبين، قال تعالى: قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [يوسف:108] .

وقال سفيان: أشرف الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده: وهم الأنبياء والعلماء، فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا ويرفعنا بالعلم النافع والعمل الصالح.

( [1] ) رواه البخاري (11/130) الدعوات: باب التعوذ والقراءة في المنام ومسلم (7/57،58) الذكر والدعاء: باب ما يقول عند النوم.

( [2] ) طريق الهجرتين (205-211) ط. السلفية باختصار.

( [3] ) رواه الترمذي (9/196 عارضه) وقال هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي إلا من هذا الوجه ، ورواه ابن ماجة (رقم 3976) وحسنه النووي وابن عبد البر وقال ابن رجب: الصحيح فيه المرسل وصححه الألباني.

( [4] ) رواه البخاري (1/122) الإيمان: باب حسن إسلام المرء ، ومسلم (129) الإيمان: باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب.

( [5] ) رواه البخاري (12/277) استتابة المرتدين: إثم من أشرك ، ومسلم (120) الإيمان: باب وهل يؤاخذ بأعمال الجاهلية.

( [6] ) رواه البخاري (3/354) الزكاة: باب من تصدق في الشرك ثم أسلم ، ومسلم (123) الإيمان: باب حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت