العلم والدعوة والجهاد
قضايا دعوية
مازن التويجري
الرياض
جامع حي النزهة
1-الهداية نعمة من الله ووسام شرف للمهتدي. 2- المنافقون وحزبهم يعملون على إضلال هذا الشباب. 3- اختلال موازين البشر. 4- الرسول يصحح الميزان. 5- الثبات من الله.
أيها الناس، افسحوا له، انظروه، ارقبوه، إنه البطل، نعم إنه البطل، الذي لم يلتفت لشهوة، لم يذعن لشبهة، وقف صامدًا في وجه أعدائه، أقاموا ضده حربًا ضروسًا، ليس حرب الرشاش والمدفع، ولكنها حرب الكلمة والإغراء، في سبيل إضلاله وإغوائه، وسعيًا لإخماد شعلة الإيمان في نفسه؛ ليتخلى عن مبادئه وأهدافه.
إنها رسالة خاصة، ممتزجة بالحب والإخاء، مرقومة بآيات الشكر والإعجاب، موشّاة بوقفات تحذير وتذكير وتثبيت، أبعثها إلى ذاك الذي رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، إلى ذاك الذي لم تجرفه أمواج الفتن، وأعاصير الهوى، فثبت كالطود الشامخ، متمسكًا بحبل الله المتين.
إلى من سعد بالسنة علمًا وعملًا ومنهجًا، إلى من رُزق الاستقامة على طريق الخير والنور، إلى من وُفق للهداية، فلم نزل نراه مترددًا على بيوت الله وحِلَقِ الذكر والعلم، متمسكًا بالسنة في أقواله وأفعاله، في سمته ومظهره.
إليه أولًا: تذكر ـ يا رعاك الله ـ أن ما أنت فيه من نعمة الهداية والاستقامة، إنما هو من توفيق الله وفضله عليك، وتيسيره لك وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?للَّهِ [النحل:53] ، وتالله لولا الله ما اهتدى مهتدٍ، ولا وفق للطاعة مطيع، ولا صبر عن المعصية صابر.
إنها النعمة والفضل ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا R فَأَمَّا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَ?عْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِر?طًا مُّسْتَقِيمًا [النساء:174، 175] .
إنها المنة العظيمة وَلِيَعْلَمَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْعِلْمَ أَنَّهُ ?لْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ?للَّهَ لَهَادِ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ [الحج:54] .
وعلى هذا فلا بد من إدامة الشكر واستشعار عظمة نعمة الهداية، روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول:
(( والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا )) .
يا من رُزق الهداية، بالأمس كان النفاق وأهله في حربهم لاتباع الحق ودين الحق، يستخدمون وسائل عدة، من إلقاء الشبه والسخرية والخذلان، ولكن نفاق هذا العصر، أخذ أشكالًا أخرى جديدة مع تجدد الحياة وطبيعتها، فلم يزل فئام من بني جلدتنا يتكلمون بلغتنا، يتسمون بأسمائنا ويعيشون بيننا، أغواهم الشيطان وأغراهم، فهموا الحياة فهمًا سقيمًا، بعيدًا عن الحق والحقيقة، فراحوا يلهثون خلف سراب المدنية والغرب، يحاربون أهل الحق المتمسكين به، المحبين للسنة وناشريها، لم تزل أعينهم ترقبك من بعيد، تنظر إليك شزرًا، تحمل الحقد، وتبصرك بعين الاحتقار والازدراء، وألسنتهم تلوك ساخرة من هيئتك المصبوغة بالسنة، في وقار لحيتك، وكف ثوبك، واعتدال مِشيتك وصوتك.
هاهي شعاراتهم ترفع، تكتبها أقلامهم المسمومة، أو تتلو بها أصواتهم المسعورة أن: طلقوا الرجعية، واهجروا القديم، وانطلقوا إلى فضاء المدنية الرحب، وانساقوا خلف قافلة السراب، يقودها الغرب بكفره وفسقه.
وفي هذا لا غرو ولا غرابة، فقد قال أولهم: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ?لْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ?لأَعَزُّ مِنْهَا ?لأَذَلَّ [المنافقون:8] .
إنه المكر والخداع يتشكل في صورة، عبثًا بثوابت الدين وركائزه، فتارة يثيرون قضية المرأة ووضعها وحجابها، على أنها المظلومة، مسلوبة الحقوق، فيجند لذلك أقلام الكتاب، وآراء المفكرين ـ زعموا ـ وعبارات أذناب الغرب.
وتارة إثارة لقضايا التعليم، في طلبات عارمة لتغيير مناهج التدريس وطرق التدريس.
وثالثة بحثًا في مسائل من أمهات الدين كالحسبة والولاء والبراء وغيرهما، ليبدأ أحدهم يهذي في صحيفة أو مجلة، يفتي ويقضي ويحرر المسألة ولكأنه عالم عصره، وفريد دهره، وهو يجهل مسائل بدهية فطرية يعلمها من سلمت فطرته من أطفالنا.
إنها الحرب التي لن تخمد نارها أبدًا ما دامت الدنيا، فالحق والباطل في صراع، وهذه سنة الحياة، وطبيعة الوجود ولكن وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ?للَّهُ وَ?للَّهُ خَيْرُ ?لْمَـ?كِرِينَ [الأنفال:30] .
فلا تلتفت لكل ما يقال وينقل، فأنت على الحق لا تلتفت لنظراتهم وعباراتهم، حين ترمى حقدًا وغيظًا بالسخرية والازدراء، فأنت على الحق، أنت العزيز، عزيز بما تحمل من كتاب ربك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، عزيز بما تعتقد من الحق والإيمان بوعد الحق، عزيز بإيمانك وعلمك، وتمسكك بشرع الله وَلِلَّهِ ?لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـ?كِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [المنافقون:8] .
يا من رزق الهداية، تذكر على الدوام: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ [السجدة:18] . هل يستوون، لا يستوون عند الله، وإن اختلت موازين البشر، فغدا المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، لا يستوون عند الله، وإن صدق الكاذب وكذب الصادق، لا يستوون عند الله، وإن سخر بالمستقيم على الإيمان المتمسك به، ومجّد المخالف الفاسق.
أيها العقلاء، أي الفريقين أحق بالأمن؟ أيهما أجدر بالفوز؟ أيهما أحق بالتقدير والإجلال؟ من هو المصيب ومن هو المخطئ؟ الذي سلك طريق الهداية والاستقامة أم من ارتضى سكك الظلام ومهاوي الردى؟
من ـ يا ترى ـ؟ الذي يسعى لخير أمته ووطنه، أم ذاك الذي يريد سلخها عن هويتها وتركها لدين ربها وَضَرَبَ ?للَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى? شَىْء وَهُوَ كَلٌّ عَلَى? مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل:76] .
واسمع ـ أيها الحبيب المحب ـ إلى الميزان الحقيقي للناس عند رب الناس، روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: مرّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: (( ما رأيك في هذا؟ ) )قال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مرّ رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما رأيك في هذا؟ ) )قال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا ) ).
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره ) ).
إنه المقياس الحقيقي للبشر، والميزان العدل لمكانتهم وقدرهم.
قال ابن القيم رحمه الله:"من هُدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته دار ثوابه، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط، يكون سيره على ذاك الصراط، ولينظر العبد الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم، فإنها الكلاليب التي بجنبي ذاك الصراط، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه، فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] ."
أما بعد:
أيها الأخ المبارك، ولما كان الأمر كما ترى، والصراع بين الحق والباطل قائم، كان لابد من وضع الكف على الكف تثبيتًا على طريق الإيمان والنور، الثبات نقوله حينما نرى أعدادًا ممن وفق للهداية أصابه اليأس والقنوط، فاستطال الطريق، فهاهو ذا يتنازل في كل يوم عن شيء من مبادئه وأسسه، متذرعًا بوضع المجتمع وحال الحياة، لتراه بعد حين قد تنكب عن الطريق وارتضى ثوب الذل، بعد رداء العز والأنفة يُثَبّتُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?لْقَوْلِ ?لثَّابِتِ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ وَيُضِلُّ ?للَّهُ ?لظَّـ?لِمِينَ وَيَفْعَلُ ?للَّهُ مَا يَشَاء [إبراهيم:27] .
ولا تنس ـ يا رعاك الله ـ أن تكثر الدعاء بالثبات، فانطرح بين يدي مولاك، وسَلْه الثبات والرشاد.
روى أحمد والنسائي والترمذي عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: (( اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم ) ).
وروى ابن ماجه في سننه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه ) )، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك ) )، قال: (( والميزان بيد الرحمن، يرفع أقوامًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة ) ).
قال أنس رضي الله عنه: (أما والله على ذلك لمن عاش في النُّكر، ولم يدرك ذلك السلف الصالح، فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله من ذلك، وجعل قلبه يحنّ إلى ذلك السلف الصالح، يسأل عن سُبُلهم ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليعوض أجرًا عظيمًا، وكذلك فكونوا إن شاء الله) .
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (السنة ـ والذي لا إله إلا هو ـ بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها ـ رحمكم الله ـ، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك ـ إن شاء الله ـ فكونوا) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ?لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ?لنَّاسُ إِنَّ ?لنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَ?خْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـ?نًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا ?للَّهُ وَنِعْمَ ?لْوَكِيلُ فَ?نْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَ?تَّبَعُواْ رِضْو?نَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذ?لِكُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:173-175] .