فقه
الصلاة
عبد الحميد بن جعفر داغستاني
مكة المكرمة
ابن حسن
1-الحث على المحافظة على الصلاة والتحذير من التهاون فيها. 2- الله يأمر أنبياءه بالمحافظة
على الصلاة. 3- المحافظة على الصلاة مهما كانت الظروف سلمًا وحربًا مرضًا وعافيةً.
4-مصير التهاون والمضيع للصلاة يوم القيامة. 5- أحكام مترتبة على ترك الصلاة.
6-الخشوع في الصلاة وحال المسيء صلاته. 7- صلاة الجماعة. 8- فوائد ومنافع الصلاة.
وبعد:
فلقد اهتم الإسلام بالصلاة، وشدد كل التشديد في طلبها ، وحذر أعظم التحذير من تركها ، فهي عماد الدين ، ومفتاح الجنة ، وخير الأعمال ، وأول ما يحاسب عليه المؤمن يوم القيامة، يذكرها القرآن في دعاء الخليل عليه الصلاة والسلام فيقول: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء [إبراهيم:40] .
ويأمر كليمه بها قائلا: فاعبدني وأقم الصلاة لذكري [طه:13-14] .
وينطق المسيح عليه الصلاة والسلام في مهده قائلا: وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا [مريم:31] . أما سيد الأنبياء والرسل فيأمره ربه قائلا: أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة [العنكبوت:45] .
ويؤكد الإسلام المحافظة عليها في الحضر والسفر ، وفي الصحة والمرض ، والأمن والخوف ، والسلم والحرب ، يقول الله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا [البقرة:238] . أي فصلوا حال الخوف والحرب مشاة أو راكبين كيف استطعتم ، وحتى بدون ركوع ولا سجود بل بالإشارة والإيماء وبدون اشتراط استقبال القبلة للضرورة: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة:115] .
والصلاة هي الشعار الفاصل بين الكفر والإيمان، قال رسول الله: (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) ) (2) .
ويقول: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) ) (3) . رواه الخمسة وابن حبان والحاكم. وذكر النبي الصلاة يومًا فقال: (( من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ،ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف ) ) (4) . أحمد وابن حبان في صحيحه.
قال العلماء ف ي توجيه هذا الحديث: فمن شغله عن الصلاة ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.
فلا عجب بعد هذه التأكيدات والتشديدات في نصوص القرآن والسنة أن ذهب جماعة من أئمة الإسلام إلى أن تارك الصلاة تهاونا كافر خارج عن ملة الإسلام.
ويترتب على كفر المسلم أن يفسخ عقد نكاحه بزوجته، ولا يرث ولا يورث.
ويستتاب تارك الصلاة، فإن تاب وإلا قتل - والعياذ بالله -.
وقال أئمة آخرون فقالوا: إنه عاص فاسق مقترف لكبيرة من أعظم الكبائر يخشى عليه فقدان الإيمان ، ولكن الجميع مجمعون على كفر من أنكر وجوبها على وجه العناد والاستكبار.
والصلاة التي يريدها الإسلام ليست مجرد أقوال يلوكها اللسان وحركات تؤديها الجوارح بلا تدبر من عقل ولا خشوع من قلب فالله يقول: وقوموا لله قانتين.
وكان النبي غاية ما يكون من السكينة والطمأنينة والراحة النفسية عندما يكون في الصلاة إذ هو يقول: (( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) )
.ويقول لبلال إذا حضر وقت الصلاة: (( أرحنا بها يا بلال ) ) (2) . وفرق بين قوله (أرحنا بها ) وبين قول البعض:"أرحنا منها"فقول النبي رغبة فيها، وقولهم رغبة عنها ونفور منها.
والصلاة المحبوبة لله هي التي تؤدى في أول الوقت فقد أجاب النبي سائلا عن أحب الأعمال إلى الله فقال: (( الصلاة لوقتها ) )ويقول: (( ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قومًا وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارًا، ورجل اعتبد محرره ) ) (1) رواه أبو داود. ومعنى دبارًا أن يصليها بعد أن تفوته بغير عذر.
ويتألم المسلم المنيب الخاشع عند رؤيته من ينقرها كنقر الديك ، ويسرع في أداء حركاتها وكأنه في قيد وأسر يريد أن ينفك منه، كيف لا يحزن المؤمن على من هذا فعله وقد قال المصطفى: (( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله، كيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا يقيم صلبه في الركوع والسجود ) ) (2) رواه أحمد والحاكم.
وعن أبي موسى قال: صلى رسول الله يوما بأصحابه ثم جلس فدخل رجل فقام يصلي، فجعل يركع وينقر سجوده ،فقال رسول الله: (( أترون هذا ، من مات على هذا ، مات على غير ملة محمد ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم ) ) (3) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه.
والصلاة الكاملة المرضية عند الله هي التي تؤدى في جماعة وقد ورد الوعيد والتهديد الشديد لمن يترك أداءها جماعة من غير عذر شرعي.
(2) صحيح مسلم: كتاب الإيمان باب حكم تارك الصلاه 2/70.
(3) سنن الترمذي: كتاب الإيمان باب ما جاء في ترك الصلاه 5/14 سنن النسائي كتاب الصلاة باب حكم تارك الصلاه 1/231 سنن ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاه والسنة فيها 1/342 ، المسند 5/346.
(4) المسند 2/ 169.
(2) أخرجه النسائي في سننه: كتاب عشرة النساء باب حب النساء 7/61.
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وبعد:
فإن للصلاة فوائد ومنافع عظيمة جدًا هي كثيرة يكاد يستعصي على العاد حصرها، أذكر في مقامي هذا طرفًا منها:
الفائدة الأولى: فيها تجديد للطاقة الإنسانية واسترواح وخلوص من مشاغل الحياة وعنائها، لنقف بين يدي الله في خشوع وخضوع وركوع وسجود نقرأ ونسمع كلام الله ونسبحه ونحمده، ونقدسه، ونعظمه ، ونستغفره ، ونسأله ، فهي معراج لأرواحنا التي تعرج إلى الله بعيدًا عن جواذب الأرض ومشاغل الحياة.
الفائدة الثانية: تنهى من يؤديها كما أمر الله بأدائها عن فعل الفواحش والمنكرات فتوزعها على أوقات اليوم تجعل صاحبها مراقبا لمولاه عز وجل فيما بين هذه الأوقات ، يقول الله عز وجل: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت:45] .
الفائدة الثالثة: حل للضوائق ، وتفريج للكرب ، وتنفيس للهموم ، وقضاء للحوائج، فالله يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (2) [البقرة:45-46] .
الفائدة الرابعة: الركوع والسجود ذل للإنسان في الصلاة يمد المصلي بكل معاني العزة الحقيقية إذ هو لا يركع إلا لملك الملوك المهيمن على الجبابرة، وفي القرب إلى الله حال السجود والركوع من معاني الأنس بالله وبمعيته مالا يعلمه إلا الخاشعون المنيبون.
الفائدة الخامسة: حركات الصلاة تعود على المصلي بفائدة صحية في بدنه، والتهيؤ لها يجعل المصلي دائما طاهرًا نظيفًا بعيدًا عن الأمراض.
الفائدة السادسة: تحري القبلة والتوجه إليها يعوّد المسلم على معرفة الاتجاهات ، وجغرافية المكان، كما أن في اتحاد المسلمين في اتجاههم إلى قبلة واحدة فيه ما فيه من التعدد بمعاني الوحدة والاعتصام.
الفائدة السابعة: تحري أوقاتها يعودنا على النظام والدقة في المواعيد. وغير هذه الفوائد كثير.
إنه ما حرم من هذه الفوائد العظام إلا بسبب تهاونه في أداء صلاته أو بسبب غفلته ، وتراص جنود إبليس من الجن والإنس حوله ، أو شعوره بالحرج في أدائها لاسيما إن كان في محفل عام، أو بين قوم لاهين ، أو كان مسافرًا في مطار، أو راكبًا في طائرة أو قطار. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
أعيذكم ونفسي أن نكون ممن عناهم الجليل بقوله: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ً إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا [مريم:59-60] .
(2) سورة البقره آية (45 ، 46 ) .