الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
سالم بن مبارك المحارفي
الرياض
جامع الشيخ محمد بن عساكر
1-ذم الظلم وبيان خطره وضرره. 2- عقوبة الظالم وسوء عاقبته. 3- مواقف الظالمين. 4- تسلية المظلومين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .
اتقوا الله واحترموا محارمه، وقفوا عند حدوده، وكفُّوا عن الظلم وأقلعوا عنه، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
ولقد بلغ من شأن الظلم وشؤمه أنَّ ربَّنا سبحانه وتعالى قد نفاه عن نفسه القدسية، وحرَّمه على ذاته العليَّة، وما كان الله ليظلم أحدًا حبَّةَ خردل، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت:46] ، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه: (( قال الله تعالى: يا عبادي إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه ) ).
وبلغ من شأنه وضرره وخطره أنَّ نبينا كان يستعيذ بالله منه، وما كان نبيُّنا ليظلم، ولقد كان يستعيذ بالله منه كلما خرج من بيته، فكان يقول: (( اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضَل، أو أزل أو أُزل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجْهل عليَّ ) )حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح".
وبلغ من شؤم الظلم وخطره أن جزاء الظالم وعقابَه لا يقفُ على نفسه، بل يتعدى غيرَه من كل من قدر على ردع ظالمٍ فلم يفعل أو نصر مظلوم فلم يعمل، قال تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25] ؛ ولذا فالقرآن الكريم تحدث عن الظلم في نحوٍ من مائتين وسبعين موضعًا، ذمًَّا له، وبيانًا لشؤمه وعاقبته، وتحذيرًا وتهديدًا من الوقوع فيه.
والظالم من أحرى الناس بلعنة الله تعالى وناره وغضبه، اسمعوا ما قال الله عز وجل: وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:29] ، وقال: يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52] .
والظالمُ لا يحبه الله، ولا يهديه، ولا يغفرُ له، إلا إذا شاء ربنا تبارك وتعالى، وما أكثرَ ما تجدُ في القرآن الكريم وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الصف:7] ، وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران:57] ، وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء [إبراهيم:27] ، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالًا [نوح:24] ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا [النساء:168، 169] .
وأنت ـ يا أخي المسلم ـ إذا تأملت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والسنن الكونية والتاريخ والواقع والحياة وجدت أن عامة ما يصيبُ الناس من شؤمٍ وبلاء وشقاءٍ ونكد وحروب تدمِّرُ كل أحد وما يحيقُ بالأمم والمجتمعات والأفراد والدول من كوارث وقوارع وزلازل وعذاب ونكال فإنَّ مرد ذلك إلى الظلم في غالب الأحيان، وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا [الكهف:59] ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] ، فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [الأعراف:165] ، فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:160، 161] ، قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:47] ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45] .
والآياتُ في هذا والشواهدُ كثيرةٌ وعديدة، فكيف بعد هذا يجرؤ ظالمٌ على ظلم الناس في أنفسهم وأعراضهم ودمائهم وأطرافهم وأموالهم وفي خواصهم وعوامهم وهو يتلو مثل هذه الآيات ويتأمل تلك السنن ويشاهد تلك الحوادث؟! كيف يجرؤ على ظلم الناس؟! كيف تمتدُّ يده وتجسرُ نفسه عليه؟! كيف وهذا شيءٌ وطرفٌ قليلٌ من عاقبته وجزائه عند الله عز وجل؟!
أيها الظالم فردًا كنتَ أو دولةً، تظلمُ شخصًا أو شعبًا، قبل أن تظلم أحدًا في قليل أو كثير صغير أو حقير تفكر في مواقفَ تقفُها يوم تجد جزاء ظلمك محضَرًا معجَّلًا بدعوةِ مظلوم جلجلت في الآفاق، واخترقت السبع الطباق، وجاءت إلى رب الأرباب، فأقسمَ بعزته وجبروته وجلاله لينصرنَّ صاحبها ولو بعد حين، فحاقَ بك العذاب والنكال بسبب تلك الدعوة، بسبب ظلمك.
لا تظلمنَّ إذا ما كنتَ مقتدرًا فالظلمُ عاقبةُ باغيهِ إلى النَّدمِ
تنامُ عيناكَ والْمظلومُ منتبهٌ يدعو عليكَ وعينُ الله لم تنمِ
دعوةُ مظلومٍ تصيبكَ في نفسك ومالك وعيالك وأهلك وصحتك وعافيتك ودارك وعقارك وملكك وسلطانك ودولتك وجيشك، فتعلم حينئذٍ أن ذلك بسبب شؤم الظلم والجور، وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف:4، 5] .
وكم في التاريخ الحاضر والغابر من قصص وعبر، يذكر الرواةُ أن جعفر بن خالد بن يحيى البرمكي جاء إلى أبيه وهما في السجن مصفدين مغلولين مقهورين مأسورين، قال: يا أبتِ، بعد هذا العز والأمر والسلطان والصولجان صرنا إلى هذه الحال والمآل؟! فقال: يا بني، دعوةُ مظلومٍ سرتْ بليلٍ، غفلنا عنها وعين الله لا تنام. ثم قال:
رُبَّ قومٍ أصبحوا فِي نعمةٍ زمنًا والدهرُ ريَّانُ غَدِقْ
صمطَ الدهرُ زمانًا عنهمُ ثم أبكاهم دمًا حين نطقْ
فإن أخطأك هذا الموقفُ والمكان فإنّ أمامك ـ أيها الظالمُ كنتَ فردًا أو جيشًا ـ مقامًا آخر ستقومه وتقفه، وستبصرُ الخبر اليقين، إنه مقامُ الموت، الموتُ الذي طالما فررتَ وفزعتَ منه، حين تُذكر وتوعظ به، يوم ترقدُ على فراش الموت وقد انقطعت بك الأسباب، ولاقيتَ رب الأرباب، وفارقتَ الأهل والأصحاب، وواجهتَ الحساب، يوم تُعالج غمرات الموت وسكراته، تلك التي كان النبيُ يتوجعُ ويتأوّهُ ويستعيذُ بالله منها، وهو خير مخلوق عليه الصلاة والسلام، تأخذه الرّحضاءُ ثم يقول: (( الله أكبر، إن للموت لسكرات ) ). هذا نبينا فكيف بمن ظلم إذا واجه الموتَ بظلمٍ تضجُ منه الأرض والسماءُ؟! وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:93، 94] . نعم، تقطعت العلائقُ بالخلائق، وواجهتَ الحساب والخالق.
ثم لك ـ أيها الظالمُ ـ مقامٌ وموقفٌ ثالث، إنه موقفُ القبر ومقامه، فهل فكرتَ ـ أيها الظالمُ كنتَ فردًا أو جيشًا ـ قبل أن تمتدَّ يدُك بالظلم، هل فكرتَ بالقبر وظلمته واللحد وضمَّته؟! وهل علمتَ أن الظالمَ يفرشُ له في قبره فراشٌ من جهنم ويغطى بغطاءٍ من جهنم، حينما تصعد روحه فتردُّ دونها أبوابُ السماء، فيؤمر بروحه إلى سجين، إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40، 41] . ثم هذا ليس بشيء لما يكون في جهنم بعد البعث والنشور، أعاذنا الله من النار.
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا بما فيهما من البينات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله.
أيها الظالمُ ـ كنتَ فردًا أو جيشًا ـ هل فكرت قبل أن تمتدَّ يدُك وتجسر نفسُك إلى الظلم بمقامات الحشر والجزاء والحساب؟! أولُ ذلك مقامُ الحشر، يومَ يحشرُ كلُ ظالم مع جنسه، السارقُ مع السارق، والمرابي مع المرابي، والزناةُ مع الزواني، احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ [الصافات:22-25] . نعم، في هذا الموقف: ما لكم لا تتناصرون كما كنتم تتناصرون في الدنيا بقرارت دولية ومعاهدات ومواثيق برلمانية وإمدادات عسكرية ومالية؟! ما لكم لا تتناصَرون بشهادات الزور ومستندات الزور والأيمان الكاذبة الغموس؟! بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:26] ، وكيف لا يستسلمون وقد عاينوا الحساب وأخذوا الكتاب؟! وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ [النمل:83-85] ، يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:102-111] .
عباد الله، إن الظلمَ ظلمات يوم القيامة، وهو خزيٌ وعارٌ وشنارٌ على صاحبه، ولا تظنوا أن الله غافلٌ عمَّا يعملُ الظالمون، بل إنه سبحانه يؤخرهم ليوم القيامة فيحاسبهم حسابًا شديدًا، ويعذبهم عذابًا نكرًا. وإن هذا الوعيد يشمل المسلم الموحد لله رب العالمين إذا ظلم غيره بدون وجه حق، فكيف ـ يا عباد الله ـ بالكافر الفاجر المشرك بالله الكافر برسوله المكذب لدينه الذي يسفك الدماء ويهلك الحرث والنسل ويسعى في الأرض فسادًا؟! فهل تظنون أن الله تاركهم وما يعملون؟! فلا وربك، إن الدماء التي أريقت على ثرى فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان لله فيها مطالب، فإن أول ما يقضى بين الناس في الدماء، ثم تسمعُ الربَّ جل جلاله يقول لملائكته عن الظالم: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32] ، وحينئذٍ تسمعه ينادي بصوتٍ مبحوحٍ متألم: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99، 100] .
هذه نهاية الظالمين أيها المظلومون، فلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا تيأسوا من رحمة الله، فإن نصرَ الله قريب، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51] .
ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير...