الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي, مكارم الأخلاق
إسماعيل الخطيب
تطوان
الحسن الثاني
1-عدل عمر ووصيته للقضاة والولاة. 2- هدايا العمال غلول. 3- التحذير من الرشوة والشفاعة في حدود الله.
أيها المسلمون، يقول عمر: (آس بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك) .
وهذا بيان من عمر لآداب القاضي وما ينبغي أن يتحلى به في قضائه بين الناس، وهو التسوية بينهم في كل شيء حتى في المجلس والنظرة.
والتسوية تشمل عدة جوانب وآداب منها: أن يجلس القاضي في موضع فسيح واسع حتى لا يتأذى الحاضرون بضيقه.
وأن يكون بارزًا ليس دونه حجاب، ليهتدي إليه القريب والبعيد، ولقوله: (( من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره ) )رواه أبوداود والترمذي.
وقد علل عمر هذه التسوية بقوله: (حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك) .
لذلك وجب على القاضي أن يسوي بين المتخاصمين, لأن منصب القضاء موضوع للعدل, وميل القاضي عن ذلك جور وظلم، فلا يقرِّب القاضي أحد المتخاصمين على الآخر ولا يمازح أحدهما ولا يبش إليه ولا يسارره، ولا يلقن المدعي ولا المدعى عليه بما فيه حيف على أحدهما, ولا يخص أحدهما بشيء دون الآخر، قال تعالى: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِ?لْقِسْطِ [النساء:135] .
وكان عمر قد طبق هذا المبدأ مبدأ التسوية على خصمه قولًا وعملًا, فقد أخرج ابن عساكر وسعيد بن منصور والبيهقي عن الشعبي قال:"كان بين عمر وبين أُبي بن كعب رضي الله عنهما خصومة، فقال: اجعل بيني وبينك رجلًا، وجعلا بينهما زيد بن ثابت ، فأتياه، فقال عمر: أتيناك لتحكم بيننا، وفي بيته يؤتى الحَكمُ، فلما دخلا عليه، وسَّع له زيد عن صدر فراشه فقال: هاهنا يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: هذا أول جوْر جرت في حكمك، ولكن أجلس مع خصمي، فجلسا بين يديه، فادعى أُبي وأنكر عمر، فقال زيد لأبي: أعفِ أمير المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره، فجلس عمر ثم أقسم: لا يدرك زيد القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرَض المسلمين عنده سواء".
ومعنى قوله: (من عرَض) ، من عامة.
إن عمر يأخذ هذا المبدأ في الحكم من رسول الله قولًا وعملًا، فلقد حضر محاسبة رسول لعامل من عماله كان قد ولاّه الرسول على أموال الزكاة.
ولنستمع إلى هذه المحاسبة العادلة من إمام العادلين رسول الله ، فعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي رجلًا من بني أسد يقال له ابن اللتبية على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم, وهذا أهدي إلي، فقام النبي فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا أهدي إلي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه, ينظر أيُهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار, أو شاة تيعر, ثم رفع يديه حتى رأينا إبطيه: ألا هل بلغت، ألا هل بلغت ) )رواه البخاري ومسلم.
وذات يوم أهدى أبو موسى الأشعري لامرأة عمر طنفسة قدرها ذراع وشبر، فدخل عليها عمر فرآها، فقال: (أنى لك هذه؟ فقالت: أهداها إلي أبو موسى الأشعري، فأخذها عمر وضرب رأسها حتى نغض رأسها، ثم قال: علي بأبي موسى وأتعبوه، فأتي به وقد أتعب وهو يقول: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما يجعلك على أن تُهدي لنسائي، ثم أخذها عمر وضرب بها فوق رأسه وقال: خذها فلا حاجة لنا فيها.
أيها المسلمون، إن عمر نراه يحث القاضي على مبدأ التسوية بين المتحاكمين ليكون ذلك قطعًا لأطماع أصحاب الجاه والغنى الذين يريدون أن يتوصلوا إلى أغراضهم عند القاضي عن طريق المال والجاه.
ومن جهة أخرى يأمر عمر القاضي بقطع طمعه مما عند الناس من مال وجاه حتى لا يقع في الجور والظلم، فيكون القاضي بهذا قد مال إلى فئة الأغنياء طمعًا في غناهم, ونسي الضعفاء فأضاع حقوقهم، فتصبح الأحكام سلعة يبيعها الحاكم أو القاضي بأعراض من الدنيا, وهذا هو عين الظلم والجور في الحكم.
وهذا هو المراد من قول عمر: (آس بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك) .
وفي رواية أنه قال: (إذا عرض لك أمران أحدهما لله والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الآخرة على نصيبك من الدنيا، فإن الدنيا تنفذ والآخرة تبقى..) .
وفي رواية أنه قال له: (وعُد مرضى المسلمين واشهد جنائزهم، وافتح بابك، وباشر أمرهم بنفسك، فإنما أنت امرؤ منهم، غير أن الله جعلك أثقلهم حملًا) .
(وقد بلغ أمير المؤمنين أنه فشت لك فاشية في هيئتك ولباسك ومطعمك ومركبك ليست للمسلمين، فإياك يا عبد الله أن تكون كالبهيمة مرَّت بوادٍ خصيب فجعلت همها في السمن وفي السمن حتفها ) .
أيها المسلمون، نعم إن خروج القاضي أو الحاكم أو المفتي عن هذا المبدأ, مبدأ التسوية مرض خطير وشر مستطير لما يترتب عليه من مفاسد دينية وأخلاقية واجتماعية، وإن كثيرًا من الحقوق قد ضاعت فصارت أغراضًا وأطماعًا أعطاها القاضي والحاكم لغير أهلها، والسبب في ذلك طمع الحاكم في ما عند الناس.
وقد حرم الإسلام هذا تحريمًا قاطعًا لا هوادة فيه, وسماه رشوة، والرسول يقول: (( لعن الله الراشي والمرتشي والرائش ) )، ويقول أيضًا: (( هدايا الولاة غلول ) ).
وفي هذا تأكيد لحرمة أخذ الحاكم شيئًا من المال على الأحكام, ولو جاء بصورة هدية كما يزعم بعض الناس اليوم.
أيها المسلمون، إن من المشاهد في عصرنا اليوم إتقانًا لصور الرشوة على اختلاف أشكالها، حيث أصبحت وظيفة بعض الناس سمسرة الأحكام، والتوسط بالرشوة للمحكومين لدى الحكام وهم الذين سماهم الرسول بالرائش، وهو الواسطة بين الحاكم والمحكوم، لقلب الحق باطلًا, والباطل حقًا.
ويدخل في الرشوةِ الرشوةُ بالمال والتوسط بالجاه والشرف في منع الحقوق وصرفها لغير أهلها، وهو الذي نهى عنه عمر: (حتى لا يطمع شريف في حيفك) ، وذلك أخذًا من حكم رسول الله في امرأة سرقت على عهده ، وقد كانت ذات شرف في قومها، فجاء أهلها وأرادوا أن يستشفعوا لها عند رسول الله لما علموا أن الرسول ينفذ فيها حكم الله في السرقة, وهو قطع يدها، فاختاروا من الصحابة أسامة بن زيد ليتوسط لهم عند رسول الله لمكانته عنده.
فجاء أسامة وكلم الرسول في ذلك، فغضب ، وكان لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله وقال: (( يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه, وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) ).
أيها المسلمون، هذا هو عدل الإسلام، وهذا هو عدل رسول الله ، وهذا هو عدل صحابته الكرام، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب الذي بلغ من عدله أنه أصبح مضرب المثل لهذه الصفة, صفة العدل بحيث لا يُذكر عمر إلا ويذكر معه العدل، ولكن أين عدلنا نحن من عدل عمر؟
لم ترد.