الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
فضائل الأعمال, محاسن الشريعة
محمد بن حمد الخميس
الدمام
جامع الهدى
1-فضل تفريج الكربات والسعي في قضاء الحاجات. 2- نماذج مشرقة في الصدقة وتفريج الكربات.
عباد الله، أوصيكم ونفسي بوصية أوصى الله بها من قبلنا من أصحاب الملل والنحل والديانات، حيث قال في الآيات المحكمات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .
وبعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي سيدنا محمد ، وإن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين.
معاشر المسلمين،
كتاب حياة اليائسين فصول عليها حواشٍ للأسَى وذيول
وما العمر إلا دمعة وابتسامةٌ وما زاد عن هذي وتلك فُضولُ
من منا سلم من الهم أو الغم؟! من منا يضمن لنفسه أو لولده السلامة من البلايا والأمراض؟! من منا يضمن بقاء ما أنعم الله عليه من النعم؟! من منا لا يرجو السلامة من كربات يوم القيامة؟! أسئلة تلوح إجابتها للناظرين المعتبرين؛ لذلك سأترك الإجابة لكم.
أتحدث معكم اليوم عن سعادة غامرة ولذة شديدة تجدونها في أنفسكم، وعن فرحة عامرة تدخل عليكم وأنتم في وقت الأزمات، عن أمر تجدون لذته في الحياة، ثم بعد الممات أتدرون عما سأحدثكم.
سأحدثكم اليوم عن التفريج عن أهل الحاجات والتنفيس عن أصحاب الكربات، فمن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه يوم القيامة من الكربات.
نعم، إن الفقر والغنى والسعادة والشقاء والصحة والمرض وكل ما يعتري الإنسان في حياته من خير أو شر بقدر من الله تعالى؛ لكي يخرج منهم عند الخير عبادة الشكر، وعند الشر عبادة الصبر.
قال تعالى عن نفسه: قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26] . فالأمر كله لله، والملك كله لله، والإنسان لا يملك شيئًا على الحقيقة، بل هو مخول فيما آتاه الله ومختبر فيه، والله ينظر إليه حفظ أم ضيع، كما قال النبي: (( إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا ) )رواه الترمذي.
فمن عمل بمراد الله تضاعف أجره ونما رزقه، كما قال عن نفسه سبحانه وتعالى: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] ، وكما قال: (( إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تكون مثل أحد ) )حديث صحيح. والفلو: هو المهر الصغير.
أحبتي في الله، إن الله اختار قومًا ليبتليهم بمرض أو فقر أو يتم أو إعسار، ولله في خلقه شؤون، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] . ومعنى الآية كما ذكر الإمام القرطبي:"أن من شأنه سبحانه أن يحيي ويميت ويعز ويذل ويرزق ويمنع من يشاء ما يشاء".
فإذا كنت من أصحاب البلاء فاحمد الله الذي اختارك لتحقّق عبودية الصبر على الضراء؛ لأن النبي قال: (( إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ) )حديث حسن. فإن صبرت واحتسبت فاعلم أن أجرك عظيم، بشرك الله به من فوق سبع سماوات حيث قال تعالى: وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-156] . كل ذلك إن كنت مطيعًا لله وصابرًا على بلواه.
وإذا كنت ـ أخي الحبيب ـ قد عافاك الله من البلاء وسلمك من الأدواء وأنعم عليك من النعماء فاحمد لله الذي اختارك لتحقّق عبودية السراء بالشكر وبذل النعم لمن ابتلاهم الله بما عافاك منه. وصدق من قال:
هو الدهر لا يبقي على لائذٍ به فمن شاء عيشًا يصطبِر لنوائبه
فمن لم يُصَب في نفسه فمُصابُه بِفقد أمانيه وفَقد حبائبه
فلا تحرم نفسك ـ أخي الحبيب ـ من أن تكون جنديًا من جُند الله، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر:31] . تسير في حوائج المسلمين، تسخّر نعَم الله في مرضاةِ الله، وتكون من الذين أنعم الله عليهم بجعل نفسه تعالى وتقدّس في حاجته، كما قال: (( من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) )متفق عليه. ما أعظمه من جزاء، وما أجله من عطاء.
انظر ـ أخي الحبيب ـ إلى عظم هذا الجزاء؛ الله يكون في حاجتك، فمن يحول دون قضائها؟! الله يفرج عنك كربة من كرب يوم القيامة، وكفى بذلك التفريج نعمة. نِعَم البشرى ونِعم الجزاء، وفوق ذلك يحفظ عليك نعَمَه ويزيدها لك، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] .
إن الموفق الذي يختاره الله ليكون صاحب قلب نابض ويد حانية وإحساس مرهف، يشعر ويتألم بأخيه المسلم، ويتمنى أن الله يجري الخير على يديه.
يروى عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن عبد القادر الجيلاني قال:"لم أجد عملًا أفضل من إطعام الطعام، وأود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع، وأود لو أن كفي مثقوبتان لا تمسك شيئًا إلا وأنفقته لله".
إن الموفق هو الذي يشعر بغيره، ويعلم أن الله جعل حوائج الناس إليه لكي يختبره، وإلا تعرضت نعمه للزوال، قال: (( ما من عبد أنعم الله عليه بنعمة فأسبغها عليه ثم جعل حوائج الناس إليه فتبرم ـ أي تضجر ـ إلا عرض النعمة للزوال ) )رواه الطبراني في الأوسط بسند جيد، وفي رواية عند الطبراني: (( إن لله خلقًا خلقهم الله لحوائج الناس، يفزع إليهم الناس في حوائجهم، أولئك هم الآمنون يوم القيامة ) ).
الله أكبر، خلقهم الله لحوائج الناس، ما أعظم هذه النفوس فهي تتعب من أجل راحة الناس، يفزع إليهم الناس، ثم ماذا؟ هم الآمنون يوم القيامة. كفى بذلك بشرى.
ولكن تُرى لمن ـ أخي المنفق ـ هذا الأجر وهذه المنزلة؟ إنها للذين يستمرون على ذلك، ويمنعون أنفسهم الأمارة بالسوء من الملل والضجر. واسمعوا ـ رعاكم الله ـ الرواية الأخرى عند الطبراني: (( إن لله عند أقوام نعمًا أقرّها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم ـ أي: ينفروا منهم ـ، فإذا ملوهم نقلها الله إلى غيرهم ) ).
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وصنها بطاعة رب العباد فرب العباد شديد النقم
إنّ طريق الإنفاق طريق طويل، سبق فيه العظماء من الموفقين، وعلى رأسهم سيد المرسلين محمد. فها هو ـ كما يروي الترمذي ـ يسارع في حوائج المسلمين ويقول عن نفسه الشريفه: (( لأن أمشي في حاجة امرئ مسلم أحب إلى من أن أعتكف شهرًا في مسجدي هذا ) ).
وها هو كما روى البخاري أن الأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي حتى يقضي لها حاجتها. حتى الإماء والعبيد ما كان يتكبّر ولا يتأخّر عن تفريج كرباتهم، فكم قضَى لأصحابه من الفقراء من ديون، وكم خفّف عنهم من آلام، وكم واسَى لهم من يتيم، وفوق ذلك مات ودِرعه مرهونة من أجل حَفنة من شعير بأبي هو وأمّي ، وكان ينفق غنمًا بين جبلين.
هو البحر من أيّ النواحي أتيته فلُجَّته المعروف والجود ساحله
صلى الله وسلم وبارك عليه.
ما قال:"لا"قطّ إلا في تشهُّده لولا التشهد كانت لاؤه"نعَمُ"
وها هم أصحاب الرسول الذين ضربوا أروع المثل في عطائهم وتفريجهم كربات المسلمين. أبو بكر قدم ماله كله، وعمر قدم نصف ماله، وعثمان قال عنه أبو هريرة: اشترى عثمان من رسول الله الجنة مرتين: حين حفر بئر رومة، وحين جهز جيش العسرة. هل يستطيع أحدنا تجهيز جيش؟!
ولم يتوقف عطاؤه، بل في خلافة أبي بكر يأتي لعثمان ألف بعير محملة بالبر والزيت والدقيق، وساومه التجار بخمسة أضعاف ثمنها، فقال: أخذت من الله عشرة أضعافها، وجعلها صدقة يفرج بها كربات المسلمين.
وهذا ابن عوف يسمع عائشة تحدث أن النبي قال: (( يدخل ابن عوف الجنة حبوًا ) )، وكان قد جاءه 700 بعير تحمل تجارة عظيمة، فقام وتصدّق بها أجمع من أجل أن يسرع في دخول الجنة، وهو من المبشَّرين بالجنة. وباع حديقة بأربعمائة ألف، ووزّعها هدايا على زوجات النبي.
وكان ابن عمر يفرق في المجلس الواحد 30 ألفًا؛ ليدخل السرور على فقراء المسلمين، ثم يمر عليه شهر لا يأكل مزعة لحم.
هل رأيت ـ أخي المنفق ـ كيف تسير في طريق سبق إليها العظماء؟! فإن سرت فيها نلت أعظم الجزاء في الدنيا والآخرة.
روى الشيخ عطية سالم رحمة الله عليه المدرس بالحرم النبوي الشريف في كتابه (ظلال عرش الرحمن) قصة واقعية، قال:"أخبرني الشيخ عبد الحميد عباس وهو رجل فاضل لا يتَّهم على خبَر، قال: وقع لامرأة حادث حيث كانت تسير في طريق بضواحي قباء، فانخسف بها جزء من الأرض، وكان تحته مجرى ماء كبير، فسحبها الماء حتى أمسكت بحجر وجلست عليه، ومكثت تحت الأرض أربعةَ أيام، ومرّ شخص في هذا المكان فسمع صوتَ استغاثة ضعيف، فلما تأكد من مصدر الصوت نزل وأخرجها، وسألها عن حالها وكيف كانت تعيش؟ فقالت: إن طاسة الحليب التي كنت أعطيها للعجائز كانت تأتيني كل يوم، وكان لهذه المرأة جيران عجائز نسوة كانت تعطيهم طاسة الحليب من غنمها"، (( تعرّف إلى الله يعرفك في الشدة ) ).
وصدق القائل:
إن للمعروف أهلًا وقليل فاعلوه أهنأ المعروف ما لم تُبتذل فيه الوجوه
لم ترد.