فهرس الكتاب

الصفحة 2703 من 5777

لا عز إلا في الإسلام

العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم

محمد أحمد حسين

القدس

المسجد الأقصى

1-عز أمة الإسلام حين استمسكت بدينها وشريعة ربها. 2- صور من الحضارة الإسلام العظيمة. 3- أحوال المسلمين عندما بعدوا عن دينهم. 4- آثار الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي. 5- كلمة في ذكرى حرب النكسة. 6- لن تعود عزة المسلمين إلا برجوعهم على الإسلام.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته، وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره، لقوله تعالى: مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .

أما بعد: فيقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?سْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ?لْمَرْء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَ?تَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ شَدِيدُ ?لْعِقَابِ [الأنفال:24، 25] .

أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، هذه أمتكم الإسلامية عزت باستجابتها لله ولرسوله، وموتها في سبيل الهداية إلى الله، وتمسكها بما أنزل الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

فانظروا إن شئتم إلى تاريخ أمتكم كيف كانت يوم استجابت لدعوة الله واتبعت النور الذي أنزل على رسوله، واتخذته مصدرًا لخلاصها، لقد أثمرت هذه الاستجابة في نفوس أسلافكم حقيقة راسخة أحيت القلوب والعقول، وأنقذت أصحابها من ضلالات الجاهلية والجهل، فأصبحت منارات للهدى، تسترشد منها البشرية إلى ما يسعدها في الدنيا للفوز بنعيم الآخرة.

وانبثق عن هذه العقيدة شريعة أسست لهذه الأمة نظامًا تنعم برحمته وتسير بعدالته ويحرر الإنسان من الخضوع لطواغيت الأرض، ليعيش حرًا طليقًا في رحاب كرامته الإنسانية، التي ضمنتها قواعد وتعاليم الشريعة السمحاء الغراء، وضمنها الله تعالى دستورًا، ولم تفضل لونًا على لون، أو جنسًا على جنس، إلا بمقدار الاستجابة والقرب من الله جل وعلا.

لقد وطّأت شريعة الإسلام ابن السوداء بقدمه على الكعبة الشريفة، هذه الشريعة الغراء التي أحيت أعراب الجاهلية وعباد الأصنام في جزيرة العرب، وجعلت منهم أمة واحدة من دون الناس، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، بنيان متلاصق في ظل أخوة الإيمان، في مجتمع المدينة المنورة التي شهدت مولد الدولة الإسلامية لأول مرة في تاريخ أمتكم.

أيها المسلمون، استمرت الدولة الإسلامية بعد مرحلة النبوة يحكمها الخلفاء والأمراء والسلاطين، بمنهاج الله، الذي ازدهر في مرحلة النبوة، ورضيه الله دينًا لأمة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبهذا تمت النعمة، وازدهرت الحضارة التي أكرم الله بها أمتكم، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، تدعو إلى الخير وتعمل به، وتنهى عن المنكر وتجتنبه، وتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فاتجه المسلمون إلى كل بقاع الدنيا، يحملون دعوة الإسلام للبشرية جمعاء، يدعونها بالحجة والبرهان، بعيدًا عن الإكراه أو الإجبار، لأنه لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.

وكانت أمتنا بهذا الدين رائدة الأمم، وغدت دولة المسلمين هي الدولة الأولى في العالم ردحًا من الزمان، لأنها تحكم بشرع الله، وتسير على هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، بهذا ظلت الأمم تعيش بعدل الإسلام، هذا المنهج الحق الذي يحمي هذه العدالة، فلا ظلم ولا قهر ولا غدر بكرامة الإنسان مهما اختلفت الأديان، فكانت الشعوب المقهورة ترحب بالمسلمين وتسارع في الانضواء تحت سلطة دولة الإسلام، التي رأوا فيها خلاصهم من البطش والظلم والقهر الذي عانته تلك الشعوب من القبلية والعرقية وتسلط الحكام.

أيها المسلمون، فمنذ تركت الأمة الإسلامية العودة إلى الله والاستجابة لرسوله أصابتها المصائب، وحلت عليها الأهوال، وتوالت عليها النكبات، وكان من أعظم مصائب أمتكم تنحية النظام الإسلامي عن سدة الحكم والاحتكام إلى الكفر والطاغوت وقوانين البشر الأرضية، فإنَّ أظلمَ الظلم تركُ شريعة الله والاحتكام إلى الأهواء، فالله يقول: أَفَحُكْمَ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ?للَّهِ حُكْمًا لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( ولا حكم أمراؤهم بغير ما أنزل الله إلا سلط عليه عدوهم فاستنقذوا بعض ما في أيديهم ) ) [1] .

وها هي الأمة تعاني تسلط الأعداء على أرضها، وجنودها وثرواتها، ويستنقذون كل ما في أيديها، بتواطؤ من ولاة أمورها، من صنائع الاستعمار، الذين ساهموا في تمزيق الأمة، هم عطلوا حكم الله واحتكموا إلى الطاغوت، يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وقد وقفوا حجر عثرة في سبيل نهضة الأمة التي راحت تتلمس طريق خلاصها، بالاستجابة لله ولرسوله، وتسعى إلى الحياة الإسلامية الكريمة، لذلك تعمل دوائر الكفر على اختلاف مسمياتها على محاربتها، لمنع المد الإسلامي ـ القادم لا محالة ـ رغم كل الويلات التي نزلت بالأمة جراء الشعارات الخادعة والريات الزائفة.

لقد تكفل الله بظهور هذا الدين، ووعده أن ينصره على امتداد تاريخ هذه الأمة، وَ?للَّهُ غَالِبٌ عَلَى? أَمْرِهِ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:21] .

فاعتبروا يا أولي الأبصار، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

[1] رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر (3315) ، وقال الألباني: صحيح لغيره. صحيح الترغيب (2187) ، وروى نحوه ابن ماجه في السنن (4009) .

الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن اهتدى بهديهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.

وبعد: أيها المسلمون، فإن الويلات والنكبات نزلت بالأمة منذ توقفت عن الاستجابة لله ورسوله، بعد إلغاء الحكم الإسلامي والاستعاضة عنه بالأحكام الوضعية التي جلبها المستعمر في العقود الأولى من القرن العشرين لحكم هذه الأمة، وقد مزقت أرض الدولة الإسلامية تحت مسميات من الأقاليم والدويلات، بأعلامها وجنسياتها وحدودها التي غدا المسلم غريبًا فيها، حتى بعد الاستقلال المزعوم ورحيل المستعمر مخلفًا على البلاد والعباد من ينفذ خططه وينشر ثقافته، ويكيل بمكياله، بدعم من بني جلدتنا وأبناء قومنا.

أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، لعل من أكبر الشواهد النكبات التي حلت بالأمة، نكبة هذه الديار، نكبة هذه الديار المباركة المقدسة، التي بارك الله في مسجدها وقدسها، هذه النكبة التي بدأت بوعد من المستعمر بمنح من لا يملك لمن لا يستحق.

وفي ظل هذا الوعد الذي أصدرته سلطات الاحتلال والاستعمار البريطاني، ودعمته لاحقًا هيئة الأمم، وقعت نكبة فلسطين الأولى التي شرد أهلها إلى الديار المجاورة، وإلى سائر بقاع الأرض، تحت سمع وبصر الأنظمة الرسمية القائمة في دول العروبة والإسلام يومذاك، والتي رفضت قرار الأمم المتحدة بتقسم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى عبرية، على أمل التحرير والمحافظة على الأرض الفلسطينية عربية إسلامية.

ولم يمضِ أكثر من عقدين من الزمان حتى وقعت النكبة الثانية، أو ما اصطلحت عليه الأنظمة العربية بالنكسة، التي وقعت في الخامس من هذا الشهر (يونيو ـ حزيران) عام 1967م فيما عرف بحرب الأيام الستة.

وكانت الأرض الفلسطينية ودُرة جبينها، القدس، ضحية هذه النكبة أو النكسة التي مضى عليها ستة وثلاثون عامًا. ومعها أراضي عربية في سيناء والجولان ولبنان.

هذه النكبة التي ما زال شعبنا المرابط يتجرع ويلاتها، ويقف في مواجه الاحتلال والاستيطان والتهويد الزاحف بسرعة نحو مدينة القدس بحضارتها ومعالمها، التهويد الزاحف بالاستيطان في كل الأرض الفلسطينية، ويقسمه المحتل إلى استيطان شرعي وغير شرعي.

بعد هذا كله راح العرب ومعهم دول المؤتمر الإسلامي يبحثون عن حل لهذه القضية عن طريق المفاوضات والمهاترات واستقبال المستعمر الجديد والاحتلال الأمريكي الحديث، الذي صنع نكبة أخرى في أرض الرافدين، حظيت بموافقة مجلس الأمن الدولي عليها.

أيها المسلمون، أيها المرابطون في ديار الإسراء والمعراج، إن عزة الأمة والتخلص من كل ويلاتها ومصائبها يكمن في استجابتها لله ورسوله، بالعودة الصادقة لتحكيم شرع الله الذي يوحد الأمة تحت راية الحق، هذه الراية التي انتصر تحت لوائها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ومن سار على نهجهم من السلف الصالح، من القادة والحكام العظام، الذين أعادوا مجد الأمة وعزتها بعد انتكاستها أو تراجعها، يقول ابن عمر رضي الله عنه: (منكان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، أبرّها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا على الهدى المستقيم) .

ورحم الله الفاروق عمر رضي الله عن إذ قال: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت