الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن
محمد بن صالح العثيمين
عنيزة
الجامع الكبير
الأمر بتقوى الله وشكره على نعمة الإسلام -
تكالب الأعداء على الإسلام من أول يوم ، إلى يومنا هذا ، وصور ذلك ، وبعض أقوالهم في
ذلك. خوف الكفار اليوم من الإسلام لا من المسلمين -
خطورة سفر الشباب إلى بلاد الكفار ، واستغلال الأعداء لذلك -
حقيقة الدنيا وسرعة تقلبها ، وقرب الموت ، وعدم الاغترار بدنيا الكفار -
لا يجوز الذهاب إلى بلاد الكفار ، ولا الاعتداد بالنفس والثقة بها وأنها لن تتأثر ، ودليل ذلك من
قوله صلى الله عليه وسلم: (( من سمع بالدجال فلينأ عنه.. ) )-
نماذج من المنتكسين ممن ذهب إلى بلاد الكفار.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الإسلام التي لا يعدلها نعمة، تلك النعمة التي ضل عنها كثير من الناس، وهداكم الله تعالى بمنه إليها، تلك النعمة التي عشتم عليها وعاش عليها آباؤكم، فلم يجر ولله الحمد على بلادكم استعمار مستعمر جاس خلال الديار بجنوده وعتاده فخرب الديار وأفسد الأديان والأفكار، اشكروا الله تعالى على هذه النعمة وحافظوا على بقائها واستمرارها واسألوا الله الثبات عليها وإياكم أن تتعرضوا لما يزيلها ويسلبها منكم فتخسروا دنياكم وآخرتكم.
عباد الله: إن الإسلام منذ بزغ نجمه، وأعداؤه يحاولون القضاء عليه بكل ما يستطيعون من قوة: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، فلقد حاول أعداء الإسلام أن يقضوا عليه في عهد النبي ثم في عهد خلفائه الراشدين ثم في العصور التالية إلى وقتنا هذا، حاولوا القضاء على الإسلام وبني الإسلام بالعنف والصراع المسلح تارة وبالمكر والخداع والخطط والهدامة تارة أخرى.
ولسنا مجازفين عندما نقول ذلك فبين أيديكم التاريخ يشهد بما نقول وبين أيديكم شهادة أعظم وأصدق وهي شهادة الله تعالى في كتابه وكفى بالله شهيدا.
وليست هذه المحاولة من أعداء المسلمين من صنف واحد منهم ولكن من سائر أصناف الأعداء من المشركين واليهود والنصارى وسائر الكفار والمنافقين، اسمعوا ما قال الله تعالى في المشركين وهم يفتنون الناس عن دينهم: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبر وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة:217] .
وقال في اليهود والنصارى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير [البقرة:120] .
وقال فيهم أيضا: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، وقال في سائر الكفار: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ، وقال في المنافقين: فما لكم من المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء [النساء:88-89] .
فهذه أيها المسلمون شهادة الله تعالى على أعدائكم بما يريدون منكم وما يحاولونه من صدكم عن دينكم، وأي شهادة أعظم من شهادة الله، وأي شهادة أصدق من شهادته، فهو العليم بنيات عباده وأحوالهم، وإن التاريخ في ماضيه البعيد لن يخفي ما شهد الله تعالى به عليهم كما نطق به في وقته الحاضر على ألسنة قادة الكفر السياسيين والمفكرين.
قال أحد رؤساء الوزارة البريطانية سابقا: لن تستطيع أوروبة السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين.
وقال الحاكم الفرنسي في الجزائر قبل استقلالها: لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون بالعربية فيجب أن نزيل القرآن من وجودهم ونقتلع العربية من ألسنتهم.
هكذا يغري قادة الكفر بإزالة القرآن من الوجود، وهم لا يعنون إزالة نسخ القرآن من أيدي المسلمين إنما يريدون أن يزيلوا من المسلمين روح القرآن والعمل به حتى لا يبقى بين المسلمين من القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا اسمه.
وقال رئيس جمعيات المنصرين في مؤتمر القدس المنعقد قبل أكثر من أربعين عاما يخاطب جماعة التنصير إن مهمتكم ليس في إدخال المسلمين في النصرانية. إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها.
هذا أيها المسلم كلام قادة الكفر في الغرب فماذا عن كلام قادة الكفر في الشرق؟ لقد كتبت إحدى الصحف الشيوعية في روسيا تقول: من المستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق الإسلام نهائيا.
فكفار الشرق والغرب كلهم أعداء للإسلام كلهم يريدون القضاء عليه، لأنه هو الذي يخيفهم ويرعبهم كما أقر به أحد رؤساء الوزارة البريطانية في كلامه السابق.
وقال أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الفرنسية قبل أكثر من ست وعشرين سنة إن الخطر الذي يهددنا تهديدا مباشرا وعنيفا هو الخطر الإسلامي.
ولا تعجبوا أيها الأخوة من تصريح هؤلاء بالخوف من الإسلام فإن الله يقول: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركين.
وجماعة الكفر لا يخافون من المسلمين اليوم، لأن المسلمين اليوم في حال يرثى لها من الضعف والذل، ليس لهم هيبة ولا منهم خوف بسبب تفرقهم في دينهم وإعراض الكثيرين منهم عنه، وإنما يخاف جماعة الكفر من الإسلام نفسه، فوالله لو أن المسلمين طبقوا الإسلام عقيدة وعملا لملكوا مشارق الأرض ومغاربها قال الله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين.
أيها المسلمون: إذا كان قادة الكفر في الشرق والغرب يخافون ذلك الخوف من دينكم فسيحاولون سلبه عنكم بكل وسيلة كما فعلوا ويفعلون.
وإن من أكبر الوسائل وأعظمها خطرا سفر الشباب إلى بلاد الكفر، حيث يذهب إليهم شباب ناشئ في عنفوان شبابهم وفي وقت تطلعهم إلى الاستقلال الفكري والعملي، قابل للتوجيه الجديد فكرا وسلوكا، غير متحصن بحصانة قوية من علم أو دين أو تجربة، تغره المظاهر وتجذبه الدعاية وتجترفه الشبهة التي تلقى بين يديه في دينه وسلوكه وعاداته.
يذهب هؤلاء الشباب إلى بلاد الكفر لا ذهاب الدعاة إلى الإسلام المرشدين للخلق، ولكن ذهاب التلميذ المستلهم المتلقف لما يلقى إليه وبطبيعة التلمذة سيكون قابلا لما يلقى إليه على عِلاّته عاجزا نفسيا أو اضطراريا عن مناقشة أستاذه، فليقل ما شاء.
وإن الخطر على هؤلاء الذاهبين إليهم كما يكون في حقول التعليم يكون كذلك في إقامتهم في بلاد كفر لا يسمعون فيها أذانا ولا يشاهدون مساجد تقام فيها شعائر الإسلام، وإنما يسمعون أجراس النواقيس ويشاهدون معابد اليهود والنصارى ومسارح اللهو ومعاقل الخمر والفساد وعبادة المادة، فيرجع الكثير من هؤلاء وقد انقلب في دينه رأسا على عقب ولوثوا أدمغتهم بقذارة الكفر والإلحاد والشك في دين الإسلام ورسوله وشريعته.
فيا أيها الشاب المسلم يا من ولدت في الإسلام وربيت عليه، يا من عشت بين أبوين مسلمين على الفطرة، يا من ترددت في أرض المسلمين صباحا ومساء تسمع الأذان وتصلي مع المسلمين يدوي في جوك خمس مرات في اليوم والليلة قول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح.
أنت الآن على مَقْرُبةٍ من الشهادة الإعدادية أو التوجيهية شهادة المتوسطة أو الثانوية فلا تلق بدينك إلى التهلكة حين تذهب إلى بلاد كفر لا تسمع فيه مؤذنا ولا تشهد جماعة ولا ترى مساجد يذكر فيها اسم الله تعالى، وإنما هو الكفر واللهو والغفلة والإعراض عن الله تعالى أهلها كما قال الله تعالى فيهم: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم [محمد:12] . يتمتعون بما أوتوا من زهرة الدنيا، فإذا ماتوا فالنار والعذاب يقال لهم إذا عرضوا عليها: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون [الأحقاف:20] .
أيها الشباب المسلم ألم تعلم أن هذه الحياة الدنيا التي تعيشها ليست هي الحياة سواء عشتها هنا أو هناك.
ألم تر ما فيها من تنغيص وكدر ومحن وفتن؟ ألم تر الموت يتخطف شبابا وكهولا وشيوخا صباحا ومساء؟
إنما الحياة يا أخي حياة الآخرة كما قال ربك عز وجل: يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي [الفجر:23-24] .
وكما قال نبيكم: (( لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) ).
أتدري ما مقدار السوط؟ إنه يبلغ حوالي متر واحد وهو في الجنة خير من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها بكل ما فيها من زهرة وترف وجاه ورئاسة وملك، لأن نعيم الجنة يبقى، وزهرة الحياة تفنى.
أيها الشاب المسلم: لقد سمعت وقرأت عن قادة الكفر ماذا يريدون لدينك من القضاء عليه ودينك إنما يتمثل بك أنت فأنت محله وأنت حامله، وسيحاولون أن ينزعوه من قلبك فتصبح خاليا من الدين خاويا من الحياة.
فهل تطيب نفسك أن تسلم إليهم قيادها ليوجهوك كيف شاؤا؟ لعلك تغتر بالأماني فتقول: أنا ولله الحمد مؤمن فلا يمكن أن تخدعني دعاياتهم. وهذا قول طيب لكن الإنسان يشعر بأنه قوي على التخلص من البلاء حين يكون في عافية منها بعيدا عن مواقعه، فإذا قرب منه وابتلي به تغيرت حاله وضعفت قوته ونفد صبره فلم يمكنه تخليص نفسه.
استمع إلى قول النبي: (( من سمع بالدجال فلينأ عنه( أي فليبعد عنه) فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه بما يبعث به من الشبهات )).
وهكذا نقول لك أيها الشاب بالنسبة لذهابك إلى بلاد الكفر تظن أنك تقوى على التخلص من البلاء بما في قلبك من الإيمان وأنت في بلاد الإسلام، ولكن إذا حللت في بلاد الكفر فقد تتغير الحال فابعد عن الشر تقرب من السلامة.
وانظر إلى من ذهب من الشباب إلى بلاد الكفر وهو مستقيم على دينه، فرجع من بلاد الكفر منحرفا عنه متغيرا في عقيدته منسلخا عن عبادته، ذهب إلى بلاد الكفر وهو يفخر بالإسلام ورجع وهو يسخر به، ذهب إلى بلاد الكفر وهو يقيم الصلاة ويقوم بشرائع الإسلام فرجع لا يقيم الصلاة ولا يقوم بشرائع الإسلام. أفلا تخشى إذا ذهبت إلى بلاد الكفر أن يصيبك مثل ما أصاب هذا فتخسر دنياك وآخرتك.
أيها الشاب المسلم: إن بقائك في بلادك وهجرك لبلاد الكفر لا يفقدك العلم ولا ينقصك الاستزادة منه، فهذه حكومتك وفقها الله تعالى وزادها رشدا وصلاحا وحماية وإصلاحا قد هيأت لك بما أنعم الله به عليها من مال يذلل لها المصاعب ويلبي لها المطالب، هيأت لك كليات في جامعات تغنيك عن السفر إلى بلاد الكفر وتبقيك في دار الإسلام قريبا من أهلك وأقاربك وأصدقائك في راحة تامة وطمأنينة وأمن على دينك، ولك فيمن تخرجوا منها واحتلوا المراكز اللائقة ولم يفتهم شيء مما قدر لهم من الدنيا، لك فيهم أسوة ولك فيمن ذهبوا إلى بلاد الكفر فتغيرت أديانهم عبرة.
ففكر أيها الشاب المسلم بهذا الأمر الخطير تفكيرا جديا بعيد المدى ولا تعدل بسلامة دينك شيئا فهو رأس مالك، بل هو حياتك وحكمة وجودك كما قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات:56] .
لم ترد.