فهرس الكتاب

الصفحة 2593 من 5777

وقفات في وفاة الشيخ ابن باز

العلم والدعوة والجهاد

العلم الشرعي

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

المجمعة

الجامع القديم

1-حزن وألم لوفاة الشيخ. 2- منزلة العلماء في الدين. 3- لماذا أحب المسلمون ابن باز؟

أما بعد: فيا معشر المؤمنين اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

عباد الله، إن ترابط أفراد المجتمع المسلم، علامة خير ورشد، فالمسلم يفرح لفرح أخيه، ويسعد لسروره، ويتمنى الخير له، كما يشاركه في حزنه إن ألمت به مصيبة، أو حلت به نازلة، فالمسلمون كالجسد الواحد، والجسد يتألم كله لألم أحد أعضائه، فضلًا عن فقدانه (( المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله ) )مسلم.

ألا وإن مما يحمد لمجتمعنا المسلم حَبه للعلماء الراسخين والدعاة الصادقين، والصدور عن فتياهم، والأخذ بأقوالهم الموافقة للكتاب والسنة، فما تنزل بالمسلمين نازلة إلا ويسارع الكثيرون إلى سؤال العلماء والاستنارة برأيهم.

أما إن حل بأحد العلماء أجله المقدر وانطوت صحيفته وانتقل عن هذه الدنيا، فإن الجموع تحزن والعيون تدمع، وكأنها فقدت أبًا أو أمًا أو قريبًا لصيقًا، ومما يؤكد هذا ما لمسه الجميع من الحزن الذي حل بهذه الأمة بفقد عالمها وإمامها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى رحمة واسعة، اللهم اغفر له وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه.

عباد الله، إن محبة العلماء عبادة، لما يحملونه من كلام الله تعالى وكلام نبيه وقد قال النبي: (( إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ) )حديث حسن رواه أبو داود.

وللعلماء في الدين منزلة لا تخفى، فهم الذين رفعهم الله فقال: يَرْفَعِ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْعِلْمَ دَرَجَـ?تٍ [المجادلة:11] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن العلماء:"هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الآباء والأمهات بنص الكتاب، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء:59] ."

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:"الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يحتاج إليه في كل وقت"اهـ.

وأثر العلماء لا يخفى في البلد والمجتمع، قال ميمون بن مهران:"إن مثل العالم في البلد كمثل عين عذبة في البلد".

ولذا كان فقد العالم مصيبة في المجتمع، قال الحسن:"موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار".

وقال أيوب:"إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي".

لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير

ولكن الرزية فقد فذ يموت لموته خلق كثير

كيف لا يقال ذلك، والنبي يقول: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ) )متفق عليه.

إخوة الإيمان، ما زال الألم بفقد الشيخ موجعًا، وقد تجاوبت أرجاء العالم بالتعزية فيه، وذكر مآثره وتعداد مناقبه، وقد أفضى الشيخ إلى ربه، وهو سبحانه أعلم بعبده وما قدمه في سبيل دينه، ورحمة الله واسعة، وما عند الله خير وأبقى.

ولكن الحاجة الآن ماسة إلى أخذ العبرة من سيرة الشيخ والبحث في سر هذا الحب الذي ملأ القلوب وعطر الأفواه، مما تكنه جموع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف طبقاتها وتباعد أقطارها.

بل إن الشيخ وسيرته مدرسة حافلة بالعطاء والبذل في شتى الميادين. فقد تمكنت محبة الشيخ في قلوب الجميع، وهذه منحة إلهية تذكرنا بالحديث المتفق على صحته: (( إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ) )فمحبة الناس لا تشترى بالمال، ولا بالتزين الأجوف الذي لا ينطلق من مبادئ راسخة وقيم ثابتة.

والحديث عن الشيخ يدعونا إلى تلمس العظات والفوائد التي ينبغي الوقوف عندها من الجميع لا سيما العلماء والدعاة وطلبة العلم وأهل المال والجاه، وإليكموها في هذه الوقفات المختصرة:

الأولى: تميز الفقيد رحمه الله تعالى بالمنهج العلمي الراسخ في الوقوف مع الدليل الصحيح من الكتاب والسنة وفق قواعد الاستدلال والترجيح المعتبرة، دون اللجوء إلى التقليد لمن سبق من العلماء والاكتفاء بذلك لا سيما في المسائل المشكلة والنوازل المعضلة، وهذه سمة عظيمة يعرف طلاب العلم أثرها ومسيس الحاجة إليها.

الثانية: تميز الشيخ رحمه الله تعالى بالحرص الشديد على العلم وقضاء الأوقات الكثيرة فيه، وترتيب الأوقات المناسبة له، والحرص على استقطاب طلاب العلم وإعانتهم وترغيبهم والإنفاق عليهم وتفقد أحوالهم وتشجيع النابهين منهم وتعاهدهم.

ولما أعطى الشيخ العلم وقته أو غالب وقته أكرمه الله تعالى بسعة العلم والتبحر فيه، فمنذ تولى الشيخ القضاء وعمره سبعة وعشرون عامًا إلى أن توفي وعمره تسعون عامًا أو تنقص قليلًا ودروس العلم مستمرة لم تنقطع طيلة ثلاث وستين عامًا، وفي ذلك عبرة لطلاب العلم، فالعلم لا يؤخذ جملة واحدة.

اليوم علم وغدًا مثله من نخب العلم التي تلتقط

يحصل المرء بها حكمة وإنما السيل اجتماع النقط

فما أحوج طلبة العلم إلى التأسي بالشيخ في طلب العلم وبذل الوقت فيه، ثم التصدي لنشره، وتعليم الناس ما يهمهم، ويقيم حياتهم، والصبر على ذلك. والأمة لا تزال بخير ما دام العلم مبسوطًا للجميع، والنبي يقول: (( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا ) )رواه الترمذي وحسنه.

وقد ضرب الشيخ مثلًا رائعًا في كيفية استغلال الوقت وتنظيمه ما بين حاجة النفس من الراحة والعبادة، وحاجة المجتمع وطلاب العلم وعامة الناس، والحاجة إلى التزود من العلم والاطلاع في كتب العلماء ونشر العلم. وإن ضاق وقته وازدحمت المهام عليه ضحى براحته وصحته في سبيل نفع المسلمين، والشواهد على هذا كثيرة من سيرته رحمه الله تعالى.

الثالثة: عرف الشيخ رحمه الله تعالى ببذل جاهه في حاجات المسلمين في داخل البلاد وخارجها، وكم من المشاريع الإسلامية والمساجد وصروح العلم التي ساهم فيها برأيه وجاهه لدى أرباب الأموال والمسؤلين، وكان رحمه الله تعالى أبًا للمحتاجين والفقراء يواسيهم بماله قدر استطاعته، وربما استدان لإغاثة ملهوف، فضلًا عن الشفاعة لدى المحسنين ودلالتهم على ذوي الفقر والحاجة، وهذا يذكرنا بالدور الذي يجب على ذوي الجاه والمكانة من بذل الخير ومد يد الإحسان نحو عباد الله، والمساهمة في رفع الضر والفاقة عن المعوزين.

الرابعة: ومما يشهد به لسماحة الفقيد تفقد أحوال المسلمين ومتابعة أخبارهم، والتألم لآلامهم في شتى بقاع العالم، وكم صدر له من البيانات والفتاوى فيما يهم المسلمين ويمس حاجتهم، فقد كان رحمه الله عالميًا في متابعة هموم إخوانه وإن بعدت ديارهم وتناءت أقطارهم، ولم تشغله مهامه الضخمة وارتباطاته ودروسه العلمية عن معرفة قضايا المسلمين والمساهمة في حل مشكلاتهم. وهذا هو الواجب الذي يجب القيام به، فالمسلمون كالجسد الواحد، ولعل تأثر المسلمين في شتى بقاع العالم بوفاته صدى لجهوده وعلامةً على وصول أثره إليهم رحمه الله تعالى.

الخامسة: كما تميز رحمه الله بالرفق بالناس وتحمل جاهلهم، والصفح عن المتجاهل، والصبر على المفتري والمتطاول، ومعالجة أمره بالرفق واللين، حتى وإن كبرت خطيئته، ولا يسأم من كثرة المناصحة والكتابة عند الحاجة إليها، كما كان رحمه الله قائمًا بالحسبة وإنكار المنكرات، ومتابعة ذلك، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.

ولا ريب أن الاحتساب وإنكار المنكرات واجب على كل مسلم بحسب قدرته، والعلماء أولى من تصدى لذلك وأقدر لما حباهم الله من الفقه والحكمة.

السادسة: أن المتابع لسيرة الفقيد وبرنامجه اليومي يرى عجبًا، فوقته رحمه الله مملوء بدروس العلم والإفتاء وخدمة المسلمين، والسعي في مصالحهم من بعد صلاة الفجر إلى الهزيع الأول من الليل، وهذا دأبه طيلة ثلاث وستين عامًا كما ذكره القريبون منه، ولم يعرف عنه أنه أخذ إجازة من عمله الوظيفي، أو تخلى عن جدوله اليومي لأجل راحة أو نزهة، وهذا علامة على الجدية وأخذ الأمور بالعزم، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. وفي ذلك عبرة للمعتبرين، وهي شهادة على أن هذا الدين محفوظ بإذن الله تعالى، وأن الله سبحانه يقيض لدينه من يبذل له مهجته ويفرغ له وقته.

السابعة: ضرب الفقيد رحمه الله أروع الأمثلة في الكرم الحقيقي، فمائدته منصوبة لمدة ثلاث وستين عامًا، غداءً وعشاءً بلا إسراف ولا مخيلة، أو تمييز هذا عن ذاك، وربما اجتمع في مأدبته الأمير والفقير، والنسيب والغريب، بل كان ملجأ للمساكين الذين لا يجدون من يؤويهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا راد لفضله.

الثامنة: عرف الشيخ رحمه الله تعالى للحكام والولاة حقهم، ولم يمنعه ذلك من المناصحة والرفع عن كل ما يبلغه من القضايا والمنكرات إلى ولاة الأمر، براءة للذمة وقيامًا بالواجب المناط بالعلماء. ولقد كان لكلمته الأثر البالغ، في بلاد تعرف للعلماء قدرهم، ولله الحمد والمنة سبحانه.

التاسعة: أن العلم المقترن بالعمل، إذا زانه تواضع، وحلاه زهد في الدنيا وزخرفها وصحبه ورع عما في أيدي الناس، يكسب صاحبه هيبة ومحبة في القلوب، وهذا ما كان عليه الشيخ رحمه الله، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.

قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ?لَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ?لَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ?لاْلْبَـ?بِ [الزمر:9] .

الحمد لله رب العالمين...

وبعد: يا عباد الله، هذه بعض الوقفات التي نحتاج إلى تذكرها في هذه المناسبة، وما أحرانا أن نتعظ ونعتبر، وأن يعرف كل واحد منا دوره ومسؤوليته نحو دين الله تعالى، أما الشيخ فقد أفضى إلى ربه، ولا ينفعه منا الآن إلا الدعاء له، وما خلفه من الولد الصالح والصدقة الجارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت