الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
المسجد الحرام
1-سعادة المجتمع واستقراره منوط بالاهتداء بوحي الله ودينه. 2- الإسلام هو الدين الذي يضمن سعادة الدارين بشموله وسموه. 3- يبعث الله للأمة دومًا من يجدد لها دينها. 4- دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية. 5- الحملة الإعلامية الظالمة على المملكة. 6- دعوة للتعقل والإنصاف.
أما بعد:
فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله فاتقوه، والزموا مراقبته واعلموا أنكم ملاقوه، واستيقظوا من الغفلة، فلا زلتم في دار المهلة، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، وإنكم قادمون على ما قدّمتم، ومجزيون على ما أسلفتم، فرحم الله امرأً تأهّب للقدوم على مولاه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاه.
أيها المسلمون، الإنسان له همّةٌ وطموح، يتطلّع بهمّته نحو الأفضل، ويسعى بطموحه إلى الأكمل، أودع الله في فطرته أن ينشد السعادة، ويتطلب الطمأنينة، وقد حاول في دوراته الحضارية المتعاقبة تحقيق ذلك، معتمدًا على خبراته الذاتية، وفلسفاته العقلية، واجتهاداته البشرية، وقد باءت هذه المحاولات بالفشل على درجات متفاوتات.
وسبب الفشل بيّنٌ واضح، إن السبب كل السبب عجزُ الإنسان في قدراته الذاتية، وقصوره في عقله المجرد، لا بد للإنسان في تحقيق النجاح المنشود، وتحقيق السعادة المبتغاة من الاتصال بالله عز شأنه، والتعلّق به، واستمداد عونه، لا بد من الوحي يتنزّل عليه من ربه، تأتي به رسل الله، وتحفظه كتب الله.
فإذا ما ارتبط العقل بالوحي، والخبرة بالهدى حصل الاستقرار، واستقام الطريق، وانضبطت الموازين، لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِ?لْبَيّنَـ?تِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْمِيزَانَ لِيَقُومَ ?لنَّاسُ بِ?لْقِسْطِ [الحديد:25] ، قَالَ ?هْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَنِ ?تَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى? وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ أَعْمَى? [طه:123، 124] .
والإسلام هو دين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، إِنَّ الدّينَ عِندَ ?للَّهِ ?لإِسْلَـ?مُ [آل عمران:19] ، وختم بالرسل محمدًا صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين، وختم بالكتب القرآن العظيم، محفوظًا من التحريف والتبديل، وَإِنَّهُ لَكِتَـ?بٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ ?لْبَـ?طِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:41، 42] .
دين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء، في كل زمان وفي كل مكان، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ?لإسْلَـ?مِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ?لآخِرَةِ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [آل عمران:85] .
الإسلام هو دين الكمال والشمول والدوام، ?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لأسْلاَمَ دِينًا [المائدة:3] .
وكلمة الإسلام الكبرى:"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، والتوحيد قضية الدين الأولى، ومن أكبر معالم التوحيد أن لا نبتغي غيره ربًا، قُلْ أَغَيْرَ ?للَّهِ أَبْغِى رَبّا وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء [الأنعام:164] ، وأن لا نتخذ من دونه أولياء، أَغَيْرَ ?للَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ [الأنعام:14] ، ولا نجعل غيره حكمًا، أَفَغَيْرَ ?للَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ?لَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ?لْكِتَـ?بَ مُفَصَّلًا [الأنعام:114] .
ومحمد رسول الله نبي مرسلٌ معصوم فيما يبلّغ عن ربه، وكل ما جاء به حق واجب التصديق والاتباع، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] . وينضوي تحت ذلك وينطوي بقية أركان الإيمان، وفرائض الإسلام، ومطلوبات العبادات في فرائضها ونوافلها، صلاةً وصيامًا، وزكاة وحجًا، وما يتبع ذلك من نظم الأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع في البيعة والشورى، والعدل والحكم، وحفظ الحقوق، وإقامة الحدود، وبناء الحياة كلها على شرع الله ودينه، قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162، 163] .
على هذا بناء الإسلام، وبهذا قامت أمة الإسلام، وعليه عاشت أجيالها، ولم تخل أمة في تاريخها من مدّ وجزر، وقوة وضعف، وفي كل فترة يبعث الله لها من يجدد لها دينها، ويبعث فيها قوّتها وحيويتها، فيظهر المصلحون والمجددون، ليعودوا بالأمة سيرتها الأولى، فيصلحون ما كتب الله لهم إصلاحه، في محيطهم القريب والبعيد، في أنفسهم، وفي تلامذتهم، وأتباعهم، ومن حولهم، ومن بعدهم، في دوائر تضيق وتتسع.
وإن من أبرز المصلحين الذين كتب الله لهم التوفيق والانتشار والتأثير شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد كان إمامًا من أئمة الإسلام، أعطاه الله بصيرة في الدين ومنهجًا في الدعوة، وشمولية في فهم الشرع، وإن كان الشيخ قد أعطى مرتكز العقيدة، وتجريد التوحيد عناية ظاهرة معالجة منه لأوضاع في المجتمع ظاهرة، وإن من أعظم ما تميزت به دعوته رحمه الله ما قيّض الله له من قوة سياسية احتضنت الدعوة وتبنّتها، ليقوم عليها نظامها السياسي، إن هذه القوة السياسية اندمجت في الدعوة، فهي لم تحمل الدعوة أو تنتصر لها لمصلحة سياسية كما تفعل بعض الدول أو الاتجاهات، حين تستعين بفكر لمقاومة فكرٍ آخر، ولم يكن شعارًا مجردًا يرفعه سياسي لكسب الجماهير. لقد تعاهد الإمامان، وتعاقد المحمدان: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود رحمهما الله لتبدأ فصول حركة تاريخية امتدت زمانًا ومكانًا، وما زالت مسيرةً ظافرة، غير متعثرة ليستقيم منهج الإصلاح، ويعلو دين الله مرتكزًا على التوحيد، وعلى العلم، وعلى الدولة.
توحيد الله بأفعاله، وتوحيد الله بأفعال العباد، وتوحيد الله بأسمائه وصفاته، والكفر بما يُعبد من دون الله، والحساسية المفرطة نحو نواقض الإسلام، ولا سيما في تحقيق الإخلاص لله، والبعد عن الشرك ووسائله وذرائعه.
والعلم بالدين والحياة، مصوغًا ذلك بكلمات أربع: العلم بدين الله، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه.
أما الدولة فذلكم هو منهج الحكم، وهو حمل الحياة لتكون على وفق شرع الله، في نشر العلم، ورفع منار الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، ورعاية المصالح الشرعية.
وعت الدولة مسؤوليتها، وقامت بوظائفها، وعلا أمرها، وتوحّدت بها الكلمة، والتقت عليها الأمة، فشاع الأمن في الربوع، وتوثقت أخوة الإسلام، وقامت شعائر الدين، الإسلام شعارها في رايتها، والشريعة نظامها في حياتها، حملت مهمة الدعوة، وأخذت بالجديد المفيد، والترقي الراقي، بثقة ووعي ووضوح، التديّن سمةٌ عامة للمجتمع، ويتجلّى ذلك في الحفاظ على فرائض الإسلام، وشعائره، والإعلان به، وفشوا الصالحين، ومحبتهم، والنفرة من أهل الفسق، والشعور بمخاطر الفساد والإلحاد، والحرص على الثقافة الشرعية، والسؤال عن أحكام الدين، وسيادة الحياء والحشمة، وحفاظ المرأة على عفافها وحجابها، والمشاعر النافرة من المستخبثات الشرعية، وشيوع الآداب في حركة الناس وتعاملهم، في أكلهم ولباسهم وتحيّتهم، وتوقير الكبير، واحترام أهل العلم.
المنهج السلفي يمثل قاعدة الوجود والحركة في هذه الدولة والبلاد، به حاكمت تاريخها، وبه تفاعلت مع حاضرها، بكل معطياته، وبه كذلك تحركت خطواتها نحو مستقبل نهضة واثق بإذن الله، لم تستسلم الواقع بمخلفات عصور الضعف، أمام ثورة الحضارة المعاصرة، ولم ترفض تراثها، ولم تزعم أن لا تقدم إلا بقطيعته ومقاطعته.
دولةٌ ذات شعور تام بمسؤوليتها الدولية، في الدفاع عن الإسلام، وبيان منهجه، في المحافل الدولية، والتحسُّب على كل ما يعارضه، وخدمة المسلمين، والدفاع عن حقوقهم، وبذل المستطاع في عونهم، ومساعدتهم، وإغاثتهم، والتعاون المطلق مع دول الإسلام وشعوبه، ودعم الجهود في الدعوة إلى الله، في الداخل والخارج ماديًا ومعنويًا، والتعاون مع دول العالم لتحقيق مبادئ العدل، وترسيخ قواعد الصلاح، وما فيه خير الإنسانية.
لقد استطاعت بتوفيق الله وعونه هاتان القوتان: قوة الدعوة وقوة الدولة أن تجدد أمر الإسلام، وتضبط مسير الحياة، لتستقيم على أمر الله، وبهذا الضبط والانضباط برزت قيمة الجزيرة العربية، مجتمعًا ودولةً، وتميز حضورها، وسمعت كلمتها، حتى أصبح ما حملته وتحمله رسالةً مرتبطة بها ارتباطًا عضويًا، مما يعني أن علو مقامها مرهون بحمل هذه الرسالة أو تخليها عنها.
أيها المسلمون، هذه حقائق جلية ظاهرة، ومع وضوح ذلك فلا أحد يدعي الكمال لهذه الدولة، ولا العصمة لهذه البلاد، فكل البشر خطاء، والمؤثرات والمتغيرات لها أثرها وتأثيرها، ولكن من المؤكد أن هذه البلاد صاحبة رسالة، ومسؤولية، فهي عمق عميق لأمة الإسلام، يحمل همّ قضاياها المختلفة، فهي منبع الرسالة، ومتنزل الوحي، حاضنة الحرمين الشريفين، وحاميتهما، وخادمتهما، والأمينة على مقدسات المسلمين.
وسوف يعلم كل متابع أن الصوت القادم من البقاع المقدسة، والموقف المسجل في الديار الطاهرة هو الحامي بإذن الله لهذه الأمة من الأخطار، يحفظ لها كيانها، ويفرض احترامها.
ومن أجل هذا فهي لا تقبل المساومة على دينها وأمتها ووطنها، مهما بلغت الضغوط، واحتدمت الأزمات، وتلاطمت الفتن.
أيها المسلمون، إن القوة في الحق، والوضوح في الهدف، والاستعصاء على الذوبان، والإيمان بالقضية، وعدم الخنوع والخضوع هو الذي استعدى بعض الأبواق، وأثار حفائظ بعض وسائل الإعلام الأجنبية، لتنال من الإسلام والمسلمين بعامة، ومن هذه البلاد المملكة العربية السعودية بخاصة وأهلها.
وإن من الجلي البيّن أن الجهل بالإسلام أو العداء له، ثم سيطرة الصهيونية على كثير من مصادر الإعلام ومنابعه، ماديًا وفكريا، هو الذي بعث هذا التطاول المكشوف بالكتابات والتصريحات على الإسلام وأهله.
نعم، حينما يستعصي المسلم على الذوبان ويتربى على الإسلام، ويلتزم به، يقف ضد إغراءات التفلّت، توجّه إليه سهام الاتهام بالتحجر والانغلاق وزرع الإرهاب ودعم الإرهاب.
إنها حملة إعلامية تفوح منها رائحة العنصرية، وتوزيع الاتهامات، ونصر العداوات، إنه أسلوب عدواني متحايز، بعيدٌ عن تلمّس الحق، وتحرّي المصداقية. إعلامٌ أحادي المصدر، وأحادي الثقافة، يغلّفه استعلاء واستكبار واستهانة بمصادر الأمم الأخرى، واحترام ثقافاتها، في رؤية ضيّقة، وفهم ملتبس، ومحاكمة جائرة. إعلام - مع الأسف - تحوَّل إلى صورة ممقوتة، يأخذ بمجتمعه إلى مزيد من الضيق والظلامية، والانعزال والأحادية، مما قد كان يعيبه على الآخرين من قبل. إعلام يستكثر على الأمم أن تعيش باستقلالية، وينكر عليها أن تفكر بحرية، لها رؤيتها ومنهجها، بل لها عقيدتها وديانتها.
أيها العقلاء، يجب الابتعاد عن أسلوب المزايدات والتحريض وتأجيج العوام والطغام، يجب أن يسود صوت الحكمة، والبعد عن الانجرار في استكثار الأعداء، لا بد من لزوم التعقل والتخفيف من غلواء المتشنجين والمحرضين مما ينذر بأمور لا تحمد عقباها.
حذار أن تعلو أصوات الدعوات العنصرية، وتتحول إلى وحش ينهش الاستقرار في الأوطان والمدنيات، حذار أن يُسمح له بالتنفس والتحرك، واستكثار المناصرين، مما يتولد عادة في حالة التعصب والاضطراب والتيهان والعمى الاستراتيجي والتحجر الفكري والسياسي والعنصري.
وبعد أيها العقلاء، فإن الأمر لا يحتاج إلى مزيد من المعلومات والتعليقات، ولكنه يحتاج إلى رأي رشيد، وعقل سديد، ومشورة صادقة.
فبالرأي الرشيد تحيا الأمم وتتجاوز الأزمات، وتوأد الفتن، ولِلَّهِ ?لأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ [الروم:4] ، وَكَفَى? بِرَبّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:31] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأَنِ ?حْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ?للَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَ?حْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ?للَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَ?عْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ?للَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مّنَ ?لنَّاسِ لَفَـ?سِقُونَ أَفَحُكْمَ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ?للَّهِ حُكْمًا لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:49-50] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله أعطى فأجزل، ومنّ فأفضل، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، في كشف الشدائد هو المؤمّل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الظاهر والباطن والآخر والأول، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، صاحب الشرف الأسمى، والخلق الأكمل، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهج الصدر الأول.
أما بعد:
فالإسلام بحمد الله قوةٌ ذاتية، فهو دين الحق، والإنسان مفطور على معرفة الحق وتمييزه، كما هو مفطور على الأخذ به وتفضيله.
ومن المعلوم بفضل الله أن الإسلام في هذا العصر أكثر الأديان انتشارًا في كل أصقاع الدنيا، بما فيها ديار الحضارة المعاصرة، على الرغم من إغراءاتها المادية، وضعف أحوال المسلمين وقصور الوسائل، وكثرة العوائق.
وتبرز هذه الدولة ـ حفظها الله ـ قوة إٍسلامية، ومنارًا للدين ظاهرًا، أساس قوتها وضوح هويتها، فالإسلام هو هوية الدولة، وقاعدة الانتماء إليها، وأساس الولاء لها. وإن الإسلام ليس وظيفة من وظائفها، ولا نشاطًا من نشاطاتها، ولكنه روحها وحياتها وغايتها، والذي يخضع له كل نشاط، وتستند إليه كل وظيفة، وأي غفلة عن مقومات الهوية للدولة، أو إخلال بها، أو تهاون في المحافظة عليها هو عامل هدم، يتحقق أثره بقدر حجمه وقوته. وإن ما تحمله وسائل الإعلام الأجنبية من تحامل على الإسلام وأهله ودياره نابع من هذه الهوية الثابتة وهذا التوجه الصافي، وإن المتاجرين بدماء البشر وبمآسي الإنسانية لا يتورعون عن استغلال هذه الأزمات استغلالًا سيئًا ماكرًا، يتمثل في تقديم الرأي المضلل، والخبر الكاذب، والمعلومات المزورة، والتحليل المنحرف.
وإن أهل التعقل والحكمة ليعلمون ويدركون أن منهج العقل وأسلوب الحكمة لا يحتاج إلى مزيد كلام ومهاترات، ولكنه يحتاج إلى رأي وأناة، كما أنه يحتاج إلى تكوين إرادة دولية جماعية، قوامها التواضع لا الاستعلاء، والتشاور وليس الاستبداد، والمساواة وليس العنصرية، والإحساس بالمسؤولية تجاه دول العالم وشعوبه وليس الاستهتار والازدراء والتنقص.
أيها الإخوة، وإن كان من تذكير في هذه الأزمات والمدلهمات، فكل الناس يغدو في أهداف وأعمال، ورغبات وأماني، ولكن أين الحازمون؟ وأين الكيسون؟ في النفوس نوازع شهوة وهوى، وفي الصدور دوافع غضب وانتقام، وفي دروب العمر خطوب ومشاق، ولا يتحمل ذلك إلا بصدق منهج، وحسن مراقبة.
وإن بين أيديكم مناسبة عظيمة، وموسمًا كريما أزف قدومه، فيه تتجلى القوى الإيمانية لأهل الإيمان، وعزائم العبادة للعباد، يدعون ما يشتهون، ويصبرون على ما لا يشتهون، إنه شهر الصوم وشهر الصبر، شهر رمضان المعظم، شهر العزة والكرامة، شهر الفتح والنصر، إنه آت بعد أيام، فكيف حال الناس ؟ وكيف حال الأمة؟ من انهزم بينه وبين نفسه، فلم يطق الصوم ساعات من نهار، فلسوف يكون أشد انهزامًا أمام أعداء الجهاد والمجاهدة.
المنهزمون في الميدان الصغير مع أنفسهم ليسوا أهلًا لأن يحرزوا النصر لأمتهم في ميدانها الكبير، لا يعرف معنى الدين، ولا يدرك سر الصيام إلا من صدق إيمانه، وصح لله تعبده، وأخذ الأحكام بعزم، واستمسك من الدين بقوة.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأعدوا أنفسكم، واستعدوا لاستقبال شهركم، بلّغنا الله وإياكم هذا الشهر الكريم، ووفقنا لصيامه وقيامه إيمانًا واحتسابًا، إنه سميع مجيب.
ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم...