فهرس الكتاب

الصفحة 4592 من 5777

الوقفات الخمس لاستثمار حملة الإساءة لرسول الله

الإيمان, موضوعات عامة

الإيمان بالرسل, جرائم وحوادث

عماد أبو الرُّب

كييف

المركز الثقافي الإسلامي

1-جريمة الاستهزاء بالنبي. 2- وقفة مع الغرب وعقلائه. 3- وقفة مع الإعلاميين. 4- وقفة مع الساسة والحكام. 5- وقفة مع العلماء والدعاة. 6- وقفة مع جميع المسلمين.

وبعد: عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته، وأحذركم من عصيانه ومخالفة أمره ونهيه، لقوله عز من قائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71] ، ولقوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

فيا أمة الإسلام، يا أمة الإيمان، يا أمة التوحيد، يا أمة لا إله إلا الله، يقول الحق تبارك في علاه في كتابه العزيز: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57] ، ويقول الحق تبارك وتعالى: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:95] .

هزّنا كما هزّ العالم أجمع هذه الحملات المشينة والتي تقصد إلى الإساءة لرسول الله محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وكم آلمتنا بما فيها من استهزاء وسخرية بمعتقدات أمتنا الإسلامية، بل بقيم الأمم ومثُلها التي لا زلنا ننادي بأهمية حفظها واحترامها وتجنب الإساءة لها.

وبنفس الوقت أقول: رب ضارة نافعة، فعلى رغم رفضنا لمثل هذه الحملات المسيئة لنا ولاعتقادنا إلا أنها أحيت فينا وفي الأمة جمعاء حبَّ نبينا وعزّتنا بديننا بعد أن ذاب البعض أو كاد أن يذوبَ في المجتمعات الغربية التي يعيش فيها.

وحتى لا نضيِّع فرصة التفاف الجهات الرسمية والشعبية في البلدان العربية والإسلامية في رد وصد هذه الحملة والتي تعتبر بداية خير إن شاء الله نأمل أن تدوم وتتعمّق في مختلف القضايا التي تتعرّض لها الأمّة أفرادًا وجماعات، وحتى نوظّف هبة الأمّة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها لنصرة الحبيب المصطفى عليه السلام، وحتى نفيد من وقفة بعض عقلاء الغرب وحكمائه في نصرتنا وتأييدنا أجد أهمّية أن نقف معًا خمس وقفات نضع فيها النقاط على الحروف:

الوقفة الأولى: مع الغرب وعقلائه:

كم عانينا من تصريحات بعض الغربيّين الذين لا يتكلمون إلا بلغة الفوقيّة والعنجهية، لغة الصدام والكراهية. فرغم ما نسمعه من دعاة الحوار بين الحضارات ومن الدينيِّين الذين ينادون بلغة السلام والتعايش إلا أننا نصدَم بغلة السياسيّين والعسكريين الغربيّين الذين يثيرون بتصريحاتهم هذه قلقَنا حيال مصداقية الغرب وأهله فيما يدعون إليه ويزيّنونه في شعاراتهم ولقاءاتهم التلفازية والصحفية.

وليس أدل على ذلك ما عبر عنه عسكريّو الغرب في حرب البوسنة:"نحن فرسان الصليب"، وحينما دخل القائد الإنجليزي اللنبي سنة 1917م مدينة القدس قال كلمته الشهيرة:"اليوم انتهت الحروب الصليبية"، وحينما دخل القائد الفرنسي غورو دمشق ووقف عند قبر صلاح الدين قال بشماتة:"ها قد عدنا يا صلاح الدين". وفي اليوم الحاضر شبّه بوش الابن في ردّة فعله على أحداث سبتمبر الأليمة بالحروب الصليبية!! وقبل أيام يقف وزير الإصلاح الإيطالي روبرتو كالديرولي بكل وقاحة وسخافة ليدعوَ إلى استخدام القوّة ضد المسلمين، وتدخّل البابا بنديكتوس السادس عشر لتنظيم ما يشبه حملة صليبية جديدة.

أقول لعقلاء الغرب ومسالميه: كُفّوا عنا مثل هذه الأصوات التي تحسَب عليكم، بل وربما تغطّي على أعمالكم البنّاءة التي تنادِي للتعايش والتعاون بين الحضارات والثقافات المختلفة. أسمعونا صوتكم وطمئِنونا ببذل كلّ جهد لإلجام تيك الأصوات المعادية لكل خير وأمن وسلم بين الشعوب. اعقدوا المؤتمرات والندوات وانشروا المقالات والدراسات بين ظهرانيكم لتثبتوا صدق مبادئكم ونظرياتكم. ولن تجدوا منا إلا المعاملة بالمثل بالحسنى، بل بما هو أحسن؛ لأننا نلتزم مبادئ ديننا الحنيف ونلزِم به غيرنا.

وأذكركم بمقولة شيخ الإسلام ابن تيمية:"وإنَّ الله منتقمٌ لرسوله ممن طعن عليه وسَبَّه، ومُظْهِرٌ لِدِينِهِ ولِكَذِبِ الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحدّ، ونظير هذا ما حَدَّثَنَاه أعدادٌ من المسلمين العُدُول، أهل الفقه والخبرة، عمَّا جربوه مراتٍ متعددةٍ في حَصْرِ الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نَحْصُرُ الحِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنعٌ علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهلُهُ لِسَبِّ رسولِ الله والوقيعةِ في عرضِه تَعَجَّلنا فتحه وتيَسَّر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لَنَتَبَاشَرُ بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه"اهـ من الصارم المسلول (ص116-117) .

الوقفة الثانية: مع الإعلاميين:

تأكدوا أنكم أول شرارة لإشعال الفتن والاضطرابات بين الناس، وأنكم بنفس الوقت صمام أمان لحفظ الأنفس وصون الممتلكات ونصر القيم. فأرونا ماذا أنتم صانعون، وعن أي المبادئ منافحون، وأيّ الأصوات تنشرون. الأمانة والموضوعية المهنيّة تقتضي منكم أن تكونوا يدًا بانية لا هادمة، وأن تكونوا سدًا منيعًا أمام مثل هذه الإساءات والمهاترات، لا مدفعًا مهاجمًا للمعتقدات والخصوصيات. وتذكّروا أنكم السلطة الرابعة في أي مجتمَع، وبيدكم وحدكم تستطيعون نشر القيَم والدعوة لها والذود عنها، أو نشر الرذيلة والدعوة لها والذود عنها. كونوا أتباع ضمائركم وأبناء عقلائكم وحملة لواء الحرية المسؤولة التي لا تعتدي على معتقدات الآخر ومقدساته، واجعلوا هذه الراية خفاقة تعلو على رايات البغض والكراهية والحقد والإساءة. دلّلوا على تجاوبكم بنشر صورة صحيحة عن الإسلام من أهله لا من غيرهم، وحينها وحينها فقط تكونون بحق أمناء على رسالتكم التي تحملون وحياديّتكم ونزاهتكم ومصداقيتكم التي توفّر مناخًا من الحب والود بين أبناء الثقافات المختلفة.

وأقول لكم كذلك: إن الله صرف عن نبيه إساءة الحاقدين اليوم كما صرفها الأمس، وذلك مصداقا لحديث رسول الله الذي ورد في لصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( ألا ترونَ كيف يَصْرِفُ الله عنِّي شَتْمَ قريشٍ ولعنَهم؟! يشتِمون مُذَمَّمًا، ويلعنون مُذَمَّمًا، وأنا مُحَمَّدٌ ) ).

الوقفة الثالثة: مع الساسة والحكام:

أقولها بداية لكم ـ يا حكام العرب والمسلمين ـ بكل أمانة وشفافية: كم سعدنا بوقفتكم مع نبيكم ورسولكم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وكم سرَّنا التفافكم مع شعوبكم لنصر الدين والعقيدة ونصر القيم والمثل الرفيعة، ورأيتم كم كان الأثر لوقفتكم هذه على المستوى الدولي والعالمي والتي تؤكّد مقولة عثمان بن عفان رضي الله عنه: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) . نأمل منكم أن تتواصلوا مع أمتكم في نصرها في الحق والأخذ على يدها إذا خرجت عن الحق. وما أعظمه من أجر تنالونه عندما تدافعون عن الحق وأهله، وتؤكدون على مبادئ هذا الدين الحنيف الذي جاء به سيد الأنبياء والمرسلين.

الوقفة الرابعة: مع العلماء والدعاة:

أشهدكم الله أنّا بفضل الله أولًا ثم بجهودكم وعلمكم وحكمتكم ومثابرتكم وصبركم نلنا الكثير من الخير الذي أرشدتمونا إليه ونصحتمونا به، وما أجملها من ثمار قطفناها نتيجة توجيهكم للأمة وإرشادكم لها كي تنهج نهج النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أوصيكم بتقوى الله أولًا فيما تحدثون وتقولون، وأوصيكم بتوجيه الناس إلى هذا الدين العظيم حكامًا ومحكومين، كونوا لهم الناصح الأمين والمعلم المتقن والأب الحنون والطبيب المعالج والصديق الوفي. بكم وبهمتكم تنهض الأمة من سباتها، وبسلوككم وأخلاقكم تقتدي الأمة، ومن علمكم وحكمتكم تنهل الأمة. الله الله في عوام المسلمين وحكامهم، إياكم أن تتملقوا لأحد أو تداهنوا على حساب الدين أحدا. اجعلوا آراءكم وأحاديثكم لهم فيها اليسر مع تجنب مخالفة الشريعة، وأدوا أمانة العلم الذي أنعم الله به عليكم من خلال عقلانية الطرح وموضوعية التفسير وأصالة الفعل. اعلموا أنكم رأس الأمة في أزماتها، أقيموا الإسلام في نفوسكم ليقيمه غيركم من المسلمين، وبذلك تكونون قد أسديتم للأمة وللدين الحنيف معروفًا لن يقدر أحد على إثابتكم عليه سوى الجبار الواحد الأحد والذي بيده مقادير كل شيء.

نفعنا الله بعلمكم، وجعلكم ذخرًا لنا وللإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان.

الوقفة الخامسة: مع المسلمين أجمعين:

أقول لكم: الزموا دين الله وسنة نبيّه المصطفى عليه الصلاة وأتم التسليم، كفاكم لهوًا وغفلة وتخاذلًا، سيروا مع علمائكم ودعاتكم للخير والزموه، قدموا أموالكم ووقتكم وأرواحكم فداء لهذا الدين العظيم، عيشوا بالإسلام وللإسلام، وإياكم أن تفضلوا الدنيا الفانية وزينتها على الآخرة الباقية ونعيمها الخالد، قاطعوا إذا دعاكم علماؤكم، راسلوا وابذلوا وقدّموا وأعينوا بكل ما تستطيعون، عوّضوا عن أيام سباتكم السابق بهمة ربما تحيي أمة، كونوا كسلفكم الصالح أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وصلاح الدين وقطز والسلطان عبد الحميد وأحمد ياسين وغيرهم من كوكبة عظماء الإسلام ورواده الصادقين، انظروا كيف ألزمتم العالم كله أن يقف معتذرا لكم عن الإساءة لنبيكم خوفًا على مصالحه ورغبة في تجنب استفزازكم.

تعلموا دينكم، وعلموا أبناءكم في المساجد والمراكز الإسلامية، أنشئوهم على تقوى الله وحب الله والعيش لله، كونوا معهم عبادًا لله منيبين مستغفرين طائعين ملبين، وستجدون كيف أن الدنيا كل الدنيا ستقف تحت أقدامكم خاضعة ذليلة. اقهروا شهواتكم بلذة الطاعة، أذيبوا الشحناء من قلوبكم ببركة الأخوة الإسلامية، أزيلوا الظلام بنور القرآن وهدي السنة بسلوككم الذي يتمثل بهما.

أسأل الله تعالى أن يكتب لنا وقفة صادقة مع نبيه ودينه، وأن يستخدمنا في نشر الخير والدعوة للخير والذود عن الخير، إنه ولي ذلك والقادر عليه...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت