فهرس الكتاب

الصفحة 3246 من 5777

إني رأيت البارحة عجبا

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

أحاديث مشروحة, الرؤى والمنامات, فضائل الأعمال

محمد بن أحمد حسين الزيداني

رجال ألمع

جامع الرصعة الجديد

1-غاية المؤمن. 2- رؤيا نبوية عظيمة. 3- أسباب النجاة. 4- دعوة للتوبة.

أما بعد: فيا أيها المسلمون، يسعى المسلم الحقّ سعيًا حثيثا متواصلا يطلب النجاة من عذاب الله، يؤمِّل الفوز برضوان الله، وإن هذه لغاية كلّ طالب، ومؤمَّل كل راغب، أوَليس طلب النجاة من عذاب الله ـ أيها المسلمون ـ غاية مطلبكم؟! بلى إنه المطلب الأساس والغاية الأسمى والأمل الأول. فيا إلهنا، ويا خالقنا، ويا من إليه يرجع الأمر كله، نسألك النجاة من العذاب، أرواحنا تحت أمرك، قلوبنا بين يديك، وكل أمرنا إليك، فبلِّغنا رضاك يا أكرم الأكرمين.

أيها الناس، والمؤمن حاله دائمًا كحال الغريب يسأل عن الدرب الذي يوصله إلى ما يريد، وهل للمؤمن مراد سوى الجنة؟! فإذا عرف المؤمن دربه لزمه، وثبت عليه، لا يحيد عنه، يسير فخورًا بسيره، مسرورًا بنهجه، لأنه الحق، ولأنه من الحق، ولأنه إلى الحق، ولو كان في ذلك حتفه وهلاكه.

ومما زادني شرفًا وفخرا وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرتَ أحمدَ لي نبيًّا

فإذا لقي ربه لقيه ناجيًا من الأهوال، لقيه محبًّا وافى الحبيب، لقيه على فاقة المشتاق، يتنفس الصعداء ليحطّ رحاله بإذن ربه في الجنة.

جزى الله الطريق إليك خيرًا وإن كنا تعبنا في الطريق

أيها المؤمنون، بين يديّ حديث قال عنه أحد الدعاة المعاصرين رحمه الله: إنه جليل القدر، عظيم الشأن، كثير الفوائد، ينبغي لكل مسلم حفظه وفهمه والعمل بما فيه من الخصال المنجية من عذاب الله.

إنه ـ يا عباد المولى الكريم ـ حديث رواه الحافظ أبو موسى المديني وقال:"حديث حسن جدًا"، وأخرجه الطبراني، وكان ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأنه، ويقول:"شواهد الصحة عليه".

عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله يومًا ونحن في صفّة المدينة فقام علينا فقال: (( إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلًا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه برّه بوالديه فردّ ملكَ الموت عنه، ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله عز وجل فطرد الشياطين عنه، ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلًا من أمتي يلتهب عطشا ـ وفي رواية: يلهث عطشا ـ كلما دنا من حوض منع وطرد، فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه، ورأيت رجلًا من أمتي ورأيت النبيين جلوسا حِلَقا حلقا كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاءه غلسه من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلًا من أمّتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلًا من أمتي يتّقي وهَج النار وشرَرها بيده، فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظلّلت على رأسه، ورأيت رجلًا من أمتي يكلّم المؤمنين ولا يكلّمونه، فجاءته صِلته لرحمه فقالت: يا معشر المؤمنين إنه كان وصولا لرحمه فكلّموه فكلّمه المؤمنون وصافحوه، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلًا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله عز وجل حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل، ورأيت رجلًا من أمتي ذهبت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلًا من أمتي خفّ ميزانه، فجاءه أفراطه فثقّلوا ميزانه، ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه من الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي قد هوى في النار، فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحيانًا ويتعلق أحيانًا، فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة ) ).

أيها المسلمون، سبع عشرة خصلة اشتمل عليها هذا الحديث، كلّ واحدة منها كانت سببًا في إسعاد صاحبها وإنقاذه من العذاب، فلنحمد الله عز وجل أن هيّأ لنا أسباب السعادة والنجاة من العذاب، ولنسر في حياتنا مقدّرين فضل الله علينا، طالبين منه العون للتوفيق عملًا بما يرضيه؛ صلاةً وصدقة وصيامًا وحجًا وعمرةً وذكرًا لله وبرًا بالوالدين وصلة للأرحام واغتسالًا من الجنابة وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر وحسنَ خلق وخوفًا من الله وصبرًا على موت الأولاد الصغار ورجاءً لرحمة الله وبكاءً من خشية الله وحسنَ ظن بالله سبحانه وصلاةً على النبي وشهادةَ أن لا إله إلا الله، إذ في الالتزام بهذه الأشياء فضلٌ عميم وأجر عظيم، فكونوا من أهل الفضل والأجر.

إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى تقلّب عريانًا وإن كان كاسيا

وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا

أيها المسلمون، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] .

اللهمّ إنا نسألك موجباتِ رحمتك، وعزائم مغفرتك، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

الحمد لله سهل لنا سبل الخيرات، وحذرنا دروب الزلات والسيئات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وتابعيه أجمعين.

أما بعد: فيا أيها الناس، علمنا متيّقنين بفضل الله بعضَ أسباب النجاة من العذاب، وإذا كان تأكّد لنا ذلك فلا تنسَوا ـ أيها المؤمنون ـ قول الحق عز وجل: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:14-16] . فإذا كذّب القلب بخبر الله ورسوله وأعرض البدن عن طاعة الله ورسوله فقد قامت أسباب العذاب، فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] .

والفرصة الوحيدة للمكذّبين والمعرضين متحقّقة في حياتهم الدنيوية، ألا وهي التوبة قبل أن تصل الروح الحلقوم. في الدنيا يصنع الإنسان مصيره الأخروي، إما سعيد وإما شقي، إما منعَّم وإما معذَّب، إما طليق وإما سجين، إما من أهل النجاة والفوز والرضوان والجنان وإما من أهل العذاب والرسوب والخسران والنيران.

أيها الناس، قبل أن يُقضى الأمر وقبل أن تُطوى الأوراق وقبل أن تسقط ورقة العمر من شجرة الحياة وقبل انتهاء مرحلة العمل قبل الموت أدركوا أنفسكم بالسير في دروب الفلاح، هذه حبال النجاة مشرعة بين أيديكم فاستمسكوا، عضّوا عليها بالنواجذ، صحّحوا الخطأ، وأزيلوا عن الدرب الأشواك، لا ترضوا ـ يا أهل الخير ـ لأنفسكم الشر، ولا تقنعوا ـ يا أهل المعالي ـ بالدون، اليوم اختبار والنتيجة في الغد، فاحذروا عار غدٍ، وإنّ غدًا لناظره قريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت