فهرس الكتاب

الصفحة 3545 من 5777

طهارة المريض وصلاته

فقه

الصلاة, المرضى والطب

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-أهمية المحافظة على الصلاة في أوقاتها. 2- ظاهرة التهاون بالصلاة. 3- سنة الابتلاء. 4- سؤال الله العافية. 5- اشتراط الطهارة للصلاة. 6- طهارة المريض. 7- صلاة المريض. 8- استقبال القبلة. 9- كلمة للأطباء ومن يقوم على المرضى.

أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوَى.

عبادَ الله، يقولُ الله جلّ جلاله: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] .

يخبرنا جلّ جلاله عن أهمِّيّة الصلاةِ وعظيمِ شأنها، وأنها مَكتوبةٌ على المؤمِنينَ في أوقاتٍ معيَّنة: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا: مفروضة في أوقاتٍ محدَّدة بيَّنهَا الله جل وعلا ووضَّحها رسوله.

أيّها المسلم، مِن خُلُق المؤمِن الاهتمامُ بالصلاة، من خُلق المؤمِن العنايةُ بالصلاة، مِن خلُق المؤمِن إدامَتُه لأدائِها ومحافظته عليها، والله يقول: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] ، ويقول: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج:34، 35] .

إذًا فالصلاة شأنها في قلبِ المؤمن شأن عظيم؛ يحافِظ عليها، ويلازمها، ولا ينفصِل عنها ما دامَ عقله حاضرًا، فما دامَ يشعر ويعقِل ما يقول فإنّه مطالَب بأداءِ الصلاة. قال الله جلّ وعلا عن عيسى ابن مريم: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31] . فما دام العبد حيًّا عاقلًا فإنّه مطالَبٌ بهذه الصّلاة، وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ، فما دام المسلِم في حال حياته يعقِل هذه الصلاةَ فهو مطالَب بأدائها على أيِّ حالٍ كان.

أيّها المسلم، إنَّ البعضَ من المسلمين قد يفرِّطون في الصلاة، لا كسَلًا عنها، ولا تهاوُنًا بها، ولكن قد يعرِض لهم شُبهٌ تجعَلهم يترُكون الصّلاةَ عن أوقاتها، لا سيّما من ابتُلِي بمرضٍ ما من الأمراض. فمَن ابتُلي بالمرَض بعضُهم قد يحمِله ذلك المرضُ على تأخير الصلاة عن أوقاتها وتأجيلِها إلى وقتٍ ما من الأوقات، حتّى يشفَى من ذلك المرَض الذي حلَّ به، ويَرَى أنّ هذا المرضَ يعيقُه عن أداءِ الصّلاةِ وعن استِكمالِ شروطِها وواجبَاتها، فترَاه يتساهَل بالصّلاة جهلًا منه لا تَكاسلًا ولا تهاونًا بها.

أيّها المسلم، اعلَم ـ وفّقني الله وإيّاك لكلِّ خير ـ أنَّ الله جلّ وعلا حكيم عليم في ابتلائه عبادَه بما يبتليهم به، فهو يبتليهم بالسّرّاء تارة وبالضراء تارة، كلُّ هذا الابتلاءِ والامتحان ليظهرَ شُكر الشاكر وصَبر الصابر، يقول الله جلّ وعلا: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] . فيبتليهِم بالسّرّاء والضّرّاء، يقول: (( عجبًا لأمرِ المؤمِن، إنَّ أمرَه كلَّه لعجبٌ؛ إن أصابَته ضرّاء صبر فكان خيرًا له، أو أصابَته سرّاءُ شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلاّ للمؤمن ) ) [1] . إذًا فالمؤمن عند البلاءِ يصبر ويرضى ويرجو ما وَعَد الله به الصابرين: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ، وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157] ، وفي الحديث يقول: (( ما يصيبُ المؤمنَ من نصَبٍ ولا وصَبٍ ولا أذًى ولا همٍّ ولا حزن ولا غمّ حتى الشوكة يُشاكها إلاّ كفَّر الله بها سيّئاته ) ) [2] .

أيّها المسلم، والمسلم لا يتمنَّى البلاء، ولا يتطلَّع إلى البلاء؛ لأنه لا يدرِي أيصبر أم يتسخّط، ولذا لمّا سأل العباسُ عمُّ النبي النبيَّ دعاءً قال له: (( يا عمِّ، سلِ اللهَ العافيةَ ) )، فكرَّر عليه مرارًا فقال: (( يا عمَّ رسول الله، سلِ الله العافية ) ) [3] ، وفي حديثِ الصدِّيق أنّ النبيَّ قال: (( سلُوا الله العفوَ والعافية، فما أعطِيَ ابنُ آدم بعد اليقين خيرًا من العافيَة ) ) [4] . فهو يسأل الله العَفوَ والعافية في أحوالِهِ كلِّها، لكن ابن ابتُليَ صبر ورضِيَ ورَجا من الله المثوبَة.

أيّها المسلم، واعلم أنّك في زمنِ صحَّتِك وقوّتك، تقرَّبْ إلى الله بما تستطيع من الطّاعة، فإنّك إذا عمِلتَ ذلك ثمّ عجزت كتبَ الله لك أجرَ ما كنتَ تعمله في صحّتك، يقول: (( إذا مرِض العبد أو سافرَ كتب الله له ما كان يَعمله صحِيحًا مقيمًا ) ) [5] .

أيها المسلم، من المعلوم أنَّ الطهارةَ من الأنجاس، من الأحداث والخبَث ومن النّجاسة في الثوب والبدَن والمكانِ الذي يصلِّي عليه الإنسانُ شرطٌ لصحَّةِ الصلاة؛ لأنّ الله يقول: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] ، والنبيّ يقول في الرّجلين اللذين يعذَّبان في قبورهما: (( أمّا أحدُهما فكان لا يستنزِه من البول ) ) [6] ، وقال: (( عامّة عذاب القبر من البول ) ) [7] ، ويقول: (( لا يقبَل الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدَثَ حتى يتوضَّأ ) ) [8] . فدلَّنا على شرطيّة الطهارةِ للبدَن والثوبِ والمكان الذي يصلِّي عليه الإنسان، فهذا أمرٌ مطلوب شرعًا، لكن المريضُ أحيانًا قد يتخلَّف عن هذه الأشياء، فقد يكون مرضُه يحول بينه وبين الاستنجاءِ بالماء، وبين غسلِ أعضاءِ وضوئه بالماء، فإنّه إن تمكَّن من ذلك أو هُيِّئ له من يُعينُه على وضوئِه فتلك نعمةٌ من الله. لكن إن تعذَّر الأمرُ عليه ولم يستطع الوضوءَ بالماء: إمّا لعدَمه أو لعجزِه عن استعمالِه أو لكونِ استعمالِ الماءِ يزيد في المرضِ أو يؤخِّر البرءَ فإنَّ الله جلّ وعلا قد جعَل له عِوَضًا من ذلك: التيمّم، فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] . وإذا قُدِّر أنه لا يستطيع الوضوءَ بالماء وليس عنده ما يتيمَّم به وتعذَّر الأمر عليه فإنه يصلِّي على حاله، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] . والحمد لله على كلِّ حال.

أيّها المسلم، ويسأل المسلم أحيانًا: قد يُصاب بمرَضٍ في أحَدِ أعضاءِ الوضوء لا يستطيع إمرارَ الماءِ عليه، فهذا على حالين: إمّا أن يكونَ هذا العضو مغطًّى بغطاءٍ يمكن أن يمسَحَ عليه من الخارج، فهذا يمسَح على ذلك العضوِ الذي وضِع عليه تلك اللفائِف، يمسحها عند الوضوءِ ويكفيه ذلك المسحُ عن غيره؛ لأنَّ هذا المسحَ قائم مقام الغسلِ عند تعذُّره، وإمّا أن لا يمكنَ غسلُ ذلك العضوِ بالماء وأنَّ وجودَ الماء ولو قلَّ يؤثِّر على الجرح فإنّه يتيمَّم لذلك الجرح الذي لا يمكِن استعمال الماء [معه] .

في عهدِ النبيِّ بعَث النبيّ سريّةً، فأجنب أحدُهم وسأَل أصحابَه: أله رخصةٌ أن يتيمَّم؟ قالوا: لا نجِد لك رخصةً؛ لأنّه أصابه جروح، فاغتسَل فماتَ، فقال النبيّ: (( قتلوه قتَلَهم الله، ألا سأَلوا إذ لم يعلَموا إنما شِفاء العِيّ السؤال، إنما كان يكفِيهِ أن يعصِبَ على جرحه خِرقة فيمسح عليها ) ) [9] . إذًا فإذا تعذَّر الأمرُ عليه مسَح ذلك الحائلَ بالماء، وإن تعذَّر الأمرُ تيمَّم لذلك العضو، والحمد لله ربِّ العالمين.

أمّا صلاةُ المريض فإنه يجِب أن يتصوَّر كلُّ مسلم أنه مطالَب بفرائضِ الإسلام ما دام عقلُه حاضرًا، ما دام يعي ويدرِك فهو مطالَب بهذه الصّلاة على قدرِ استطاعتِه، ولا تسقط الفريضةُ عنه ما دام يعقل؛ لأنّ هذه الفريضةَ ركن أساسيّ من أركان الإسلام، برهانٌ صادِق على ما في القلب من إسلام وإيمانٍ، دالّة على الالتزام بالإسلامِ حقًّا، فهي من أعظم الفرائِض وأكبرها بعد التّوحيد، فإنّ المسلم مطالَب بها في سفَرِه وإقامَته، مطالَب بها في خوفِه كأمنِه، مطالَب بها في مرضِه كصحَّته، لا يمكن أن تسقطَ هذه الصلاة عنه أبدًا، وحال سلَفِنا الصالح كانوا كذلك. محمّدٌ سيّد الأوّلين والآخرين قدوتُنا وإمامنا صلوات الله وسلامه عليه كان يؤدِّي الصلاة في حالِ مرضه ولو كان جالسًا، يصلِّي جالسًا لما عجِزَ عن القيام. أخبر أنس رضي الله عنه أنه سقَط مِن فرَسٍ فجُحِش، فكان يصلِّي جالسًا، فصلّى أصحابُه وراءه قيامًا فأشار إليهم أنِ اجلِسوا وقال: (( إنما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ به ) )إلى أن قال: (( وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعين ) ) [10] .

فيا أخي، إذا ابتُلِيتَ بمرضٍ ما فاعلَم أنّ الصلاةَ لا بدَّ منها، ولا بدَّ أن تؤدَّى في وقتها، ولا بدَّ من العناية بها، وربّنا جل وعلا لم يكلِّف العبادَ ما لا يطيقون، بل الأمرُ فيه يُسرٌ وتسهيل، يقول الله في حقِّ نبيه: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] . فصلِّ قائمًا فإنّ القيامَ ركن من أركان الصلاة، فإن عجزتَ عن القيام وشقَّ عليك القيامُ وكان القيامُ يتعِبك ويعييك ولا تستطيع ويعلَم الله ذلك مِنك فصلِّ جالسًا، فإن عجزتَ عن الجلوس فصلِّ ولو علَى جنبِك، فإن عجزتَ فصلِّ ولو مستلقيًا، يقول النبيُّ وقد دخل على رجلٍ من أصحابِه وضَعَ وسادةً ليسجدَ عليها، فرمى بها النبي وقال له: (( صلِّ قائمًا، فإن لم تستطِع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنبٍ، فإن لم تستَطِع فمستلقيًا ) ) [11] ، يعني لا بدَّ من الصلاة في وقتِها ولو كنتَ مستلقيًا؛ لأنّ الأمرَ المهمّ وعيُ القلبِ وإدراكه لما يقول.

أيّها المسلم، وقد يُشكِل على بعضِ المرضى أحيانًا أنهم لا يجِدون من يعينُهم على الوضوءِ، أو قد تتلوَّث الملابس والفُرُش بالنّجاسات لا يستطيعون إزالَتَها ولا تغييرَها، وقد يكون ذلك المرضُ يؤدِّي إلى هذا الأمر، فتمرُّ أوقاتُ الصلاة والثّوبُ ملوَّث والفراش ملوَّث والطهارة يعجِز عنها، فهذا يصلِّي على حاله، والله يعلم حاله ومآلَه.

أيّها المسلم، فتصلِّي قائمًا، وإن قدرتَ على الرّكوع فاركَع قائمًا، وإن شقَّ عليك الركوعُ مِن قِيام فاجلِس وأومئ بالرّكوع ثم أومِئ بالسجود، يعني انوِ أنّك الآن تركَع في هذه الهيئةِ وأنّك تسجُد، وتجعَل رأسَك في السجود أخفضَ من الرّكوع، ليتميَّزَ الركوع عن السّجود.

أيّها المسلم، القبلةُ شرطٌ لصحّة الصلاة، هذا لا إشكالَ فيه، ولكن حِيل بين المريض وبين استقبالِ القِبلة أو قدِّر أن سريرَه وفراشه لم يكن لجهةِ القبلة وتعذَّر التغيير فإنّك تصلِّي على حالِك ولا يمنَعُك ذلك، حتى ولو كانتِ الجروح يظهَر منها صديدٌ ودم فصلِّ على حالك، قال ابن عباس رضي الله عنهما: طُعِن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فاحتملتُه أنا ورجالٌ منَ الأنصار وقد غُشِي عليه من أثرِ الطعن، فلما أدخلناه منزلَه قال رجل: لن تفزعوه إلاّ إن ذكَّرتموه الصلاة، فلما قال له ابنُ عباس: الصلاة، قال: ففتح عينَيه وقال: أصلَّى الناس؟ قلنا: نعَم, فصلّى وجرحُه يثعب دمًا، وقال: لا حظَّ في الإسلام لمن ترَكَ الصلاة [12] . هكذا القلوبُ الواعِيَة، هكذا القلوبُ المؤمِنَة الموقِنة، ما كان ذلك المرضُ العظيم مانعًا من ذكر الصلاة والعنايةِ والاهتمام بها.

إنّ الله أوجَبَ على المسلِمين الصلاةَ حين احتِدامِ المعارِك وتقارُع السّيوف، أوجب الله عليهم الصّلاة وهم يجابهون عدوَّهم ويقاوِمون عدوهم، فكيف بالمؤمن المطمئنِّ الهادئ؟!

أيّها المسلم، اعتنِ بهذه الصلاة، وحافظ عليها، ولازِمها، واعلم أنّه لا انفصامَ لك عنها إلى أن توافيَ الله وأنت محافِظٌ عليها وأنت ملازِم لها وأنت مُديم لفعلِها؛ لتكونَ ممن يرِث الفردوسَ الأعلى فضلًا من الله وكرمًا، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9-11] .

والله جلّ وعلا يقول: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239] ، قال العلماء: هذا دليلٌ أنّ العجزَ عن أركان الصلاة تسقط عنه إذا كانَ يخاف من عدوٍّ أو تحاوِل إدراكَ عدوّ يصلِّي على حالِه ولو بالإيماءِ، مستقبِلَ القبلة أو غيرَ مستقبِلها. بعَث النبيّ رجلًا من أصحابِه لقتلِ أحدِ زُعَماء المشركين، فخافَ من فَوَات الوقتِ، فكان يصلِّي بالإيماء على أيِّ جِهةٍ كانت، وأقرّه النبيّ على ذلك. المهِمُّ أنّ العنايةَ بالصلاة واهتمامَ المسلم بها وتعظيمها في قلبه دليلٌ على ما في القلبِ من الإيمان والعمل الصالح.

أسأل الله أن يجعلَنا الله وإيّاكم من المحافظين عليها والمعتنِين بها والملازِمين لها، إنّه على كل شيء قدير.

بارك الله لي ولَكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، أقول قولي هذَا، وأستغفِر الله العظيمَ الجَليل لي ولكم ولسائِر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفِروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرّحيم.

[1] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير (2999) من حديث صهيب رضي الله عنه بنحوه.

[2] أخرجه البخاري في المرضى (5642) ، ومسلم في البر (2573) عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما نحوه.

[3] أخرجه أحمد (1/209) ، والبخاري في الأدب المفرد (726) ، والترمذي في الدعوات (3514) عن العباس رضي الله عنه نحوه، وقال الترمذي:"هذا حديث صحيح"، وصححه الضياء في المختارة (8/378-380) ، والألباني في صحيح سنن الترمذي (2790) .

[4] أخرجه الطيالسي (5) ، وأحمد (1/3، 5، 7، 8) ، والبخاري في الأدب المفرد (724) ، والترمذي في الدعوات، باب: في دعاء النبي (3558) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة (882) ، وابن ماجه في الدعاء، باب: الدعاء بالعفو والعافية (3849) ، والبزار (75) ، والحميدي (7) ، وأبو يعلى (121) ، وقال الترمذي:"حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وصححه الحاكم (1938) ، والضياء المقدسي في المختارة (1/156) ، وهو في صحيح سنن ابن ماجه (3104) .

[5] أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (2996) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري في الوضوء (216) ، ومسلم في الطهارة (292) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا لفظ مسلم.

[7] أخرجه الدارقطني (459، 464، 465، 466) من حديث أنس ومن حديث أبي هريرة ةمن حديث ابن عباس رضي الله عنهم، وحسنه النووي في المجموع (3/132) ، وصححه الألباني في الإرواء (280) .

[8] أخرجه البخاري في الوضوء (135) ، ومسلم في الطهارة (225) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[9] أخرجه أبو داود في الطهارة (336) ، والدارقطني (729) ، والبيهقي في الكبرى (1/227، 228) عن جابر رضي الله عنه بنحوه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (325) دون الجملة الأخيرة التي فيها المسح.

[10] أخرجه البخاري في الأذان (689) ، ومسلم في الصلاة (411) ، لكن فيه أنهم صلّوا خلفه جلوسًا. أما صلاتهم خلفه قياما وإشارته لهم بالجلوس ففي حديث آخر.

[11] أخرجه البخاري في الجمعة (1117) عن عمران بن حصين رضي الله عنه، وليس فيه: (( فإن لم تستطع فمستلقيا ) ).

[12] أخرجه مالك في الموطأ (1/39) ، ومن طريقه البيهقي في السنن (1/357) ، وابن أبي شيبة في المصنف (7/439) والإيمان (ص34) ، والطبراني في الأوسط (8/130) ، وقال الهيثمي في المجمع (1/295) :"رجاله رجال الصحيح". وقال الألباني:"صحيح الإسناد على شرط الشيخين".

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنّ محمدًا عبده ورَسوله، صلّى الله عليه وعلَى آلهِ وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدّين.

أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، على المسلِمِ الذي يرعَى المريضَ في بيتِه أو يلازِمه في المستشفَى وغيرِه أن يتّقيَ الله ويعينَ ذلك المريضَ على هذه الصلوات، ويذكِّره بها إذا حضَر وقتها، ويعينه على أدائها. فعلى المسلمين أن يعينوا على هذه الفريضةِ، لا سيما إن يكن عندك الأبوان: الأب أو الأم، فعليك تقوَى الله فيهما وإعانتُهما على هذا العمَل الصالح ودعوتهما إلى الصلاة وتذليلُ الصعابِ أمامهما وخدمَتُهما بما يعينُهما على أداءِ هذه الفريضة، فإنّ الله يقول: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] .

وعلى الأطبّاء المسلمين ومن يرَعونَ المرضى في المستشفيات أن يتّقوا الله في مرضَى المسلمين؛ يذكِّرونهم وقتَ الصلاة، ويبيِّنون لها وقتَها، ويهتمّون بهذا الأمر الاهتمامَ العظيم، ويوضِحون علامةَ القبلة لهم، ويعينونهم على ما يُسهِّل أمرَ صلاتهم من وضوءٍ أو تيمّم؛ لأنّ هذا أمر مطلوب، وهو من التعاوُن على البرّ والتقوى، والله يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] .

إنّ الطبيبَ قد يهتمّ بالعلاج ومراعاةِ ساعاتِ أخذِ العلاج في ساعاتٍ معيّنة في الصباح والمساء، وهذا سَبب طيّب، ولكن لا نهمل هذه الصلاة، ولا ننسى أنها من أهمِّ الأمور، فلنعتنِ بها وبشأنها؛ فإنها غذاءُ الروح، فلا ينبغِي التساهلُ والتهاون بها، إذا كان الطبيبُ يهتمّ بالعلاج وبمواقيتِ العلاج وساعاته فليكن الاهتمام للمريض بهذه الصلاة، نذكِّرُه الوقتَ إن حضر، نبيِّن له ونعينه، ونبذل السببَ الذي الذي يعينُه على هذه الصلاةِ؛ لأن هذا أمرٌ مهمّ جدًا.

والمريضُ لو استطاعَ الوضوءَ في أحدِ الوقتين ولا يستطيع الوضوءَ في كلّ وقت أو يشقّ عليه النزول لأداءِ الصلاتين في وقتَين جاز له أن يجمَعَ بين الظهرِ والعصر وبين المغربِ والعشاء على أن يصلّيَ الظهرَ أربعًا والعصر أربعًا والعشاءَ أربعًا، إنما يباح له الجمعُ دون القصرِ؛ لأن في هذا رفقًا به وتيسيرًا عليه، إذا شقَّ عليه استكمال الطهارة في كلّ وقت وشقَّ عليه النزول لأداء هذه الصلاةِ جاز الجمعُ بينهما للعذرِ الشرعيّ، المهمُّ العناية بهذه الفريضة والاهتمام بها وتذكّرُها والعناية بها والمحافظة عليها، فإنها عُنوان الإسلام.

جعلني الله وإيّاكم من المحافظين عليها إلى أن نلقاه بفضله وكرمه.

واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديثِ كِتاب الله، وخيرَ الهديِ هدي محمّدٍ ، وشرّ الأمورِ محدثاتها، وَكلّ بدعةٍ ضَلالة، وعَليكم بجماعةِ المسلِمين، فإنّ يدَ الله علَى الجماعة، ومَن شذَّ شذَّ في النّارِ.

وصَلّوا ـ رحمكم الله ـ عَلَى نبيّكم محَمّد امتثالا لأمر ربّكم القائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبَارِك على سيد الأولين والآخرين محمّد بن عبد الله، وارضَ اللهمّ عن خلَفائه الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت