الإيمان
حقيقة الإيمان
أسامة بن عبد الله خياط
مكة المكرمة
المسجد الحرام
1-من صفات المؤمن حرصه على الحقّ والتّسليم له. 2- ذمّ الكبر. 3- عاقبة الرادّين للحقّ. 4- الحقّ ضالّة المؤمن. 5- أدب المؤمن في المناقشة والمناظرة. 6- معيّة الله تعالى للمتّقين المحسنين.
أمّا بعد: فيا عبادَ الله، اتقوا الله حقَّ تقاته، واعمَلوا على كلِّ ما تكون به النّجاة غدًا، يومَ لا ينفَع مال ولا بنون إلاّ من أتَى اللهَ بقلبٍ سليم، يومَ يتذكّر الإنسان ما سَعى، يومئذٍ يتذكّر الإنسان وأنّى له الذّكرى.
أيّها المسلمون، إنّ مِن كريمِ سجَايا المسلِم وجميلِ خصالِه ورفيع خلالِه وشريفِ صِفاته كمالَ سعيه في طلبِ الحق، وشدّةَ حرصِه على الإذعانِ له والنُّفرةِ مِن ردِّه، ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأعلى، وأمَلًا في بلوغِ رضوانِه، وازدِلافًا إليه رَغبًا ورهَبًا، محبّة وشَوقًا، تعبُّدًا ورِقًّا، وحذَرًا مِن التّردِّي في وهدَةِ الكِبر المُهلكِ الذي بيَّن واقعَه وأوضح حقيقتَه رسولُ الهدَى بقولِه في الحديثِ الذي أخرجَه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مَسعود رضيَ الله عنه، عن النبيّ أنّه قال: (( لا يدخُل الجنّةَ من كان في قلبِه مثقالُ ذرّة من كِبر ) )، فقال رجل: إنّ الرّجل يحِبّ أن يكونَ ثوبُه حسنًا ونعلُه حسنةً! فقال النبيّ: (( إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمالَ، الكِبر بَطَر الحقِّ وغَمطُ النّاس ) ) [1] .
وبَطَر الحقِّ ـ يا عبادَ الله ـ هو ردُّه ودفعُه وعدَم القبولِ به، وغَمط الناسِ هو احتقارُهم والترفُّع عليهم بكلِّ لونٍ مِن ألوان الترفُّع القوليّة والعمليّة. وقد كان ردُّ الحقّ تكذيبًا به وكراهةً له وإعراضًا عنه ديدنَ الأممِ السّابقة التي حاقَ بها العذاب، وجاءهم بأسُ الله ونزَل بساحتِهم، فكَان مَا أصابَهم عِبرةً للمعتبِرين وذِكرَى للذّاكرين، كما قال سبحانه: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [الأنعام:4-6] ، وقال عزَّ اسمُه: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:78] .
أمّا أهلُ الإيمانِ والتّقوى فإنّ مِن أظهرِ صفاتِهم القبولَ بالحقّ والاحتفاءَ به والانقيادَ له والدّعوةَ إليه، ولذا فهم أعقلُ الخلق وأحكمُ النّاس وأبصَر العِباد بأسبابِ السّعادةِ وأبوابِ الظّفَر وأسرارِ التّوفيق؛ لأنّ الحكمةَ ضالّة المؤمن، أينَما وجدَها التقَطَها، ولأنّ في التّجافي عن ردِّ الحقِّ والنّأيِ عنه سلامةً مِن مشاركةِ الضّالين المكذِّبين بآياتِ الله عزّ وجلّ ورسُله، عَن مشارَكتِهم في أوزارِ ضلالِهم وأوضارِ تكذيبِهم وعاقبةِ استِكبارهم وعلوِّهم في الأرض بغيرِ الحقّ، وتراهم مِن أجلِ ذلك قد وطَّنوا أنفسَهم على قَبول الحقِّ ممّن أُجرِي على لسانه، لا يستثنون صبيًّا أو جاهلًا أو عَدوًّا، كما قرّره أهلُ العِلم كالقاضي عياض وكغيرِه من أهلِ العِلم، بل إنّ مِن كريمِ مناقبِهم وحُلوِ شمائلهم أنّ أحدَهم إذا ناظَر غيرَه أو ناقشَه دعَا له بظَهر الغَيب أن يثبَّتَ ويُسدَّدَ ويوفَّق للصّواب، وأن يظهِر الله الحقَّ على لسانِه، ومِن ذلك قولُ الإمام الشافعيّ رحمه الله:"ما ناظرتُ أحدًا إلاّ أحببتُ أن يظهِرَ الله الحقَّ على لسانه" [2] . ثمّ هو يترفَّق بأخيه غايةَ الترفُّق، ويغضّ مِن صوتِه ويحفَظ لسانَه ويدَه، فلا يستطيل في عِرضه، ولا يؤذِيه بأيّ جارحةٍ من جوارحه، مستحضِرًا في ذلك قولَ نبيِّ الرحمة والهُدى في الحديثِ الذي أخرجَه الإمام أحمد في مسنده بإسنادٍ صحيح عن عبد الله بن مَسعود رضيَ الله عنه أنّه صلوات الله وسلامه عليه قال: (( ليسَ المؤمن بالطّعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحِش ولا البَذيء ) ) [3] ، ومستحضرًا قولَه عليه الصلاة والسلام: (( المسلمُ من سلِم المسلمون من لسانِه ويدِه، والمهاجِر من هجَر ما نَهى الله عنه ) )أخرجه الشيخان في صحيحيهما [4] . ثمّ هو يكفُّ عن المناقشةِ ويمسِك عن الجِدال إذا لَم تُرجَ منه فائدة، بل خُشِي الضّررُ بثورةِ الخصومة المفضِيةِ إلى البَغضاء، مستحضِرًا قولَ رسول الله: (( أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَض الجنّة لمَن ترك المراءَ ـ أي: الجدال ـ وإن كان مُحِقًّا ) )أخرجه أبو داود في سننه بإسنادٍ صحيح [5] ، ومستحضِرًا أيضًا قولَه صلوات الله وسلامه عليه: (( ما ضلَّ قومٌ بعد هدًى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل ) )، وفي رواية: (( وسُلِبوا العمل ) )أخرجه الإمام أحمد والترمذيّ بإسناد حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه [6] .
وبالجملةِ فإنّ إخلاصَ النيةِ وسلامةَ القصد في كون الوصولِ إلى الحق هو الغاية، وإنّ الحذَر من الانتصار للنّفس وطلبِ العلوّ وإظهار الفَضل والتقدُّم، مع الحِرص على كمالِ الشّفقَة على الخلقِ وتمامِ الرّحمةِ بهم وإرادةِ الخير لهم، كلُّ أولئك ممّا لا غناءَ عنه لطلاّبِ الحقّ ودُعاة الهُدى والسُّعاةِ إلى الخير المبتغِين الوسيلةَ إلى ربِّهم بتوحيدِه وذِكره وشُكره وحُسنِ عبادتِه والنزولِ على حكمه، وصدَقَ سبحانه إذ يقول: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] .
نفعني الله وإيّاكم بهديِ كتابِه وبسنّةِ نبيِّه ، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين مِن كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه كان غفّارًا.
[1] صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه (91) .
[2] رواه ابن حبان في صحيحه (5/498) ، وأبو نعيم في الحلية (9/118) ، وانظر: المدخل للسنن الكبرى (ص172) ، وتهذيب الأسماء واللغات (1/53) .
[3] سنن الترمذي: كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في اللعنة (1977) وقال:"حسن غريب"، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (6/62) ، وأحمد (1/404) ، والبخاري في الأدب المفرد (312) ، وأبو يعلى (5088) ، والبيهقي في الكبرى (10/193) ، وصححه ابن حبان (192) ، والحاكم (29) ، ورجح الدارقطني في العلل (5/92) وقفه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (320) .
[4] أخرجه البخاري في الإيمان (10) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وأخرج جزءه الأول مسلم في الإيمان (41) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
[5] سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب: في حسن الخلق (4800) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا الروياني في مسنده (1200) ، والطبراني في الكبير (8/98، 186) ، والبيهقي في الكبرى (10/249) ، وصححه النووي في رياض الصالحين (264) ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2648) .
[6] أخرجه أحمد (5/252، 256) ، والترمذي في التفسير (3253) ، وابن ماجه في المقدمة (48) ، وليس فيه الزيادة المذكورة، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم (3674) ، وحسنه الألباني في تخريج شرح الطحاوية (175) .
الحمد لله وَليِّ الصالحين، أحمده سبحانه جعَل معيّتَه للمتّقين المحسِنين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله الصادقُ الأمين، اللهمَّ صلّ وسلِّم على عبدِك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبِه الغُرِّ الميامين.
أمّا بعد: فيا عبادَ الله، كتَب بعضُ السّلف رضوان الله عليهم إلى أخٍ له يستنصِحه ويستشِيره في أمرٍ نزَل به، فكتب إليه قائلًا:"أمّا بعد: فإذا كان الله مَعك فممّن تخاف؟! وإذا كان عليك فمن ترجو؟! والسلام" [1] .
وإنّها ـ يا عباد الله ـ لموعظةٌ بليغة ونصيحةٌ عظيمة وتذكيرٌ نابِض وبَيانٌ صادِق وكلامٌ مُضيء، فمعيّة الله لعبدِه هي المعيّة التي لا تَعدِلها معيّة، ولا حاجةَ به إلى معيّةٍ سواها، غيرَ أنّ هذه المعيّةَ الخاصّة بالرّعاية والحِفظ والتّأييد والنّصرِ قد بيّن الله سبحانه مستحِقَّها في قوله عزّ اسمه: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] .
جعَلني الله وإيّاكم مِن المتّقين المحسِنين، وسلَك بنا سبيلَ عِباده المخبِتين، وجنَّبنا جميعًا أسبابَ سخطِه وأليمَ عذابه، آمين آمين.
ألا فاتّقوا اللهَ عبادَ الله، واذكروا أنّ الربَّ الكريمَ الرحمن الرّحيم قد أمَركم بالصّلاة والتّسليم على خاتَم النّبيّين وإمامِ المتّقين ورحمةِ الله للعالَمين، فقال في الكتابِ المبين: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائِه الأربعة...
[1] انظر: جامع العلوم والحكم (ص188) .