فهرس الكتاب

الصفحة 3967 من 5777

أسباب شرعية للرزق

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال, قضايا المجتمع

عبيد بن عساف الطوياوي

حائل

جامع الخلف

1-الأسباب الشرعية الجالبة للرزق: الاستغفار، التقوى، التوكل، الحج والعمرة، صلة الرحم، الإنفاق في سبيل الله. 2- الذنوب والمعاصي تحرم الرزق.

الحمد لله القائل: وَفِى ?لسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبّ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات:22، 23] ، أحمده حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا ) )، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها المسلمون، عليكم بوصية ربكم لكم، فقد قال عز وجل من قائل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـ?كُمْ أَنِ ?تَّقُواْ ?للَّهَ [النساء:131] ، فاتقوا الله يا عباد الله، فإن خير الدنيا والآخرة بتقوى الله عز وجل.

أيها الإخوة المؤمنون، كثير من الناس يشتكي قلة الرزق وقلة ما في اليد وتراكم الديون وكثرتها، كثير من الناس يشتكي عدم كفاية الدخل ويعاني من ضنك العيش، فتجده يتضجر في المجالس ويشتكي إلى فلان وعلان من الذين لا يملكون له رزقًا، ويغفل هذا وأمثاله عن أسباب الرزق الشرعية التي جاء بها الدين، وذكرها الله في كتابه المبين، وبينها النبي في سنته المطهرة.

أيها الإخوة المؤمنون، إليكم هذه الأسباب الهامة التي تكون سببًا ـ بإذن الله تعالى ـ لسعة الرزق ووفرته، وعدم الحاجة والنظر إلى ما في أيدي الناس. إنها أسباب شرعية متى عملها الإنسان ووافقت إخلاصًا وصدقًا منه فإنها تكون سببًا لسعة رزقه وكثرة ماله.

في مقدمتها ـ أيها الإخوة ـ الاستغفار والتوبة، قول: أستغفر الله وأتوب إليه، الاستغفار والتوبة من الأمور العظيمة التي حثّ عليها الدين، يقول الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام: فَقُلْتُ ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ ?لسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْو?لٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـ?تٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12] ، وفي الحديث ـ وفي إسناده ضعف ـ عنه قال: (( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب ) ).

ولكثرة الاستغفار ـ يا عباد الله ـ شأن عظيم، ولذلك لما جاء رجل إلى الحسن البصري رحمه الله يشكو من الجدب والقحط قال له: استغفر الله، ثم جاءه آخر يشكو الفقر والحاجة فقال له: استغفر الله، وجاء ثالث لا يولد له ويطلب منه الدعاء عسى الله أن يرزقه بمولود قال له أيضا: استغفر الله. ثلاثة شكواهم متنوعة، ولكنه يقول لكل واحد منهم: استغفر الله، فيصف له الاستغفار علاجًا لما حلّ به، فقيل له في ذلك فقال رحمه الله: ما قلت من عندي شيئًا ـ أي: لم آتِ بشيء من عندي ـ إن الله يقول في سورة نوح: ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ ?لسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْو?لٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـ?تٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12] .

فأكثروا ـ يا عباد الله ـ من الاستغفار، الزموا التوبة، فإنهما من أسباب الرزق.

ومن الأسباب ـ أيها الإخوة ـ تقوى الله عز وجل، وهي امتثال أمر الله ونهيه والوقاية من عذابه وسخطه، يقول تبارك وتعالى: وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب [الطلاق:2، 3] ، ويقول سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ?لْقُرَى? ءامَنُواْ وَ?تَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـ?تٍ مّنَ ?لسَّمَاء وَ?لأرْضِ وَلَـ?كِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـ?هُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] .

فتقوى الله عز وجل سبب في الرزق ووسيلة لزيادته، ولكن أين المتّقون؟! أين المتقون؟! تجد من يعصي الله ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، ينظر إلى ما حرم الله، ويأكل ما حرم الله، ويشرب ما حرم الله، ومع هذا يشتكي قلة الرزق، فليتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب.

أيها الإخوة المؤمنون، ومن الأسباب الشرعية لجلب الرزق التوكل على الله جل جلاله، يعني تتوكل على الله، تفوّض أمرك إلى الله، تعتمد على الله وحده، لا تعتمد على أي مخلوق كان. نعم أيها الأخ، تفرغ قلبك من التعلق بالخلق، وتتوكل على الخالق، ترجو فرَجَه، وتنتظر رحمته، مع بذل الأسباب والأخذ بها، يقول النبي: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا ) )، والله عز وجل يقول قبل ذلك: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ?للَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ?للَّهَ بَـ?لِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ?للَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْرًا [الطلاق:3] . ومعنى فَهُوَ حَسْبُهُ أي: يكفيه ويقضي دينه ويسد جوعته.

ومن الأسباب أيضا المتابعة بين الحج والعمرة، نعم المتابعة بين الحج والعمرة، تجعل أحدهما تابعًا للآخر، إذا حججت اعتمرت، وإذا اعتمرت حججت، وهكذا، يقول النبي: (( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ) ).

ومنها صلة الرحم، يقول: (( من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) )، وقال: (( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في العمر ) ). فلصلة الرحم شأن عظيم، حتى لو كان الأرحام فجَرَة نسأل الله العافية، يقول النبي: (( إن أعجل الطاعة ثوابًا صلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة، فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا ) ). فتأملوا أيها الإخوة، هم فجرة، ولكن فيهم صلة لأرحامهم، ولذلك بسبب هذه الصلة كثر عددهم ونمت أموالهم.

ومن أسباب الرزق الإنفاق في سبيل الله تعالى، ضعيف الإيمان الجاهل بكتاب الله، يقول: كيف يكون الإنفاق سببًا للرزق؟! نقول: اسمع لقول الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ?لرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ?لرَّازِقِينَ [سبأ:39] ، ويقول تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (( يا ابن آدم أنفق يُنفق عليك ) ). هذا وعد من الله، ولكنه يحتاج إلى مزيد من التصديق واليقين، نسأل الله ذلك.

فالإنفاق سبب في جلب الرزق، يقول النبي: (( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهم: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا ) )، وقد أوصى النبي بلالا فقال: (( يا بلال، أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالًا ) )، وفي الحديث قال: (( ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلِم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ) ).

هذه ـ يا عباد الله ـ بعض أسباب الرزق، اعملوا بها وابتغوا عند الله الرزق، وإياكم واستعجال النتائج، فإن الله عز وجل إذا وعد وفَى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدّلِ لِكَلِمَـ?تِهِ وَهُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْعَلِيمُ [الأنعام:115] .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: أيها المسلمون، فاعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ بأن الله تعالى هو الرزاق، وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ?لأرْضِ إِلاَّ عَلَى ?للَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود:6] ، كتب سبحانه الرزق قبل أن يخلق السماوات والأرض، وقدر أرزاق العباد، ولن تموت نفس حتى تدرك رزقها الذي قدر عز وجل لها.

فاتقوا الله يا عباد الله، وابتغوا الرزق من عند الله، واحذروا الذنوب والمعاصي، فإن العبد يحرم الرزق بسبب ذنب يصيبه، ومن كبائر الذنوب الربا، يقول عز وجل: يَمْحَقُ ?للَّهُ ?لْرّبَو?اْ وَيُرْبِى ?لصَّدَقَـ?تِ وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276] ، يقول ابن سعدي في تفسيره:"أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين، ويربى صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره".

أيها الإخوة المؤمنون، فلنحذر الربا، ولنحذر جميع المكاسب المحرمة، كالرشوة والغش والاحتيال، ولنحذر بيع وترويج ما حرم الله، كالدخان والخمر والمخدرات والمجلات الهابطة وغير ذلك.

أسأل الله عز وجل أن يطيب مكاسبنا، وأن يجعل رزقنا حلالًا، إنه سميع مجيب.

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت