الرقاق والأخلاق والآداب
فضائل الأزمنة والأمكنة, فضائل الأعمال
محمد بن سليمان المهوس
الدمام
جامع الحمادي
1-فضل عشر ذي الحجة. 2- الأعمال الصالحة التي تشرع في هذه الأيام. 3- فضل يوم عرفة. 4- فضل يوم النحر. 5- فضل أيام التشريق. 6- كيف تستقبل هذه الأيام المباركة.
أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم في هذه الدنيا في دار ممر، وما زلتم في سفر، وأن إلى ربكم المستقر، وأنها تمر بكم مواسمُ عظيمة تضاعف فيها الحسناتُ وتكفَّر فيها السيئات. ومن هذه المواسم والتي تطل علينا بعد أيام قليلةٍ أيامُ عشرِ ذي الحجة، هي أفضل أيام الدنيا كما صح عنه: (( أفضل أيام الدنيا أيام العشر ) ). جمع الله فيه من الفضائل ونوَّع فيه من الطاعات ما لا يخفى إلا على أهل الغفلة والإعراض.
ففي أوله العشر المباركة التي نوه الله بها في كتابه الكريم، وقد أقسم الله بها تعظيما لشأنها وتنبيها على فضلها، إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم حيث قال سبحانه: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ [الفجر:1، 2] . فإن المراد بها عشر ُذي الحجة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ) )، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله: (( ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) )رواه البخاري في صحيحه. فدل الحديث على أن العمل في هذه الأيام العشر أحبُّ إلى الله من العمل في أيام الدنيا كلِّها من غير استثناء، وأنه أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا جهادًا واحدًا، وهو جهاد من خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء.
ومن أجلِّ الأعمال الصالحة التي تشرع في هذه الأيام أداءُ مناسك الحج الذي أوجبه الله تعالى على كل مسلم قادر تحققت فيه شروط وجوبه. والحج أحد أركان الإسلام، شرعه الله تعالى وأوجبه لما فيه من خير العباد ومصلحتهم، يجتمع المسلمون فيه على اختلاف شعوبهم وطبقاتهم وتنوع بلدانهم ولغاتهم، فتتوحد وجهاتُهم وأفعالُهم في زمان واحد ومكان محدد، لا يتميز فيه قوم عن قوم، ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199] ، فتلتقي القلوب وتزداد المحبة ويوجد الائتلاف، ولو اغتنم هذا الجمع في تحقيق المقاصد العظيمة من مشروعية الحج لرأى المسلمون عجبًا.
عباد الله، قد شرع الله لعباده صيام هذه الأيام ما عدا اليوم العاشر، وهو يوم النحر. ومما شرع في هذه الأيام الإكثار من ذكر الله، لا سيما التكبير، كما قال الله تعالى: وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ [الحج:27] ، وهي أيام العشر عند جمهور العلماء، فيستحب الإكثار من ذكر الله في هذه العشر المباركة، من التهليل والتكبير والتحميد وأن يجهر بذلك، فقد ذكر البخاري في الصحيح عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما كانا يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
وهذا من رحمة الله بعباده، فإنه لما كان ليس كل واحد يقدِرُ على الحج جعل موسمَ العشر مشتركًا بين الحجاج وغيرِهم، فمن لم يقدر على الحج فإنه يقدر على أن يعمل في العشر عملًا يفضلُ على الجهاد.
وفي هذه العشر المباركة يومُ عرفة الذي هو أفضلُ الأيام، فعن جابر عن النبي قال: (( أفضلُ الأيام يومُ عرفة ) )رواه ابن حبان. وورد أن صومه يكفر الله به السنة الماضية والباقية، والمراد بذلك تكفير صغائر الذنوب، فقد روى أبو قتادة قال: سُئِلَ رسول الله عن صوم يوم عرفة فقال: (( صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ) )رواه مسلم. فيستحب صيامه لغير الحاج، أما الحاج فلا ينبغي أن يصومه حتى يتقوى على الوقوف وذكر الله تعالى. وهو يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف، كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال: (( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء ) ). وروى ابن حبان من حديث جابر عن النبي قال: (( ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ) )، وفي رواية: (( إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته, فيقول: يا ملائكتي, انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثا غبرا ضاحين ) ). وروى مالك في الموطأ أن النبي قال: (( ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ) )؛ وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام. وروى الترمذي: (( خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) ).
وفي هذا الشهر المبارك يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، يكمل المسلمون حجهم الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام بعدما وقفوا بعرفة، وأدوا الركن الأعظم من أركان الحج، وحصلوا على العتق من النار، فصار هذا اليوم الذي يلي يوم عرفة عيدا لأهل الإسلام جميعا لاشتراكهم في رحمة الله تعالى، وشرع لهم فيه ذبح القرابين من هدي وأضاح. سئل النبي: أي الأعمال أفضل؟ قال: (( العج والثج ) )، والعج هو رفع الصوت في التلبية، والثج هو سيلان دم الهدي والأضاحي.
والحجاج يستكملون مناسك حجهم في هذا اليوم المبارك من الرمي والحلق أو التقصير والطواف بالبيت الحرام والسعي بين الصفا والمروة، وأهل الأمصار في هذا اليوم يؤدون صلاة العيد لإقامة ذكر الله.
وفي هذا الشهر المبارك أيام التشريق التي هي أيام منى، روى مسلم في صحيحه من حديث نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله: (( أيام التشريق أيام أكل وشرب ) ). وهي الأيام المعدودات التي قال الله تعالى فيها: وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ [الحج:27] . وهي ثلاثةُ أيامٍ بعد يومِ النحر، وقد أمر الله بذكره في هذه الأيام المعدودات، من تكبير وتحميد.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل من كل ذب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
أما بعد: عباد الله، شهر ذي الحجة شهر قد تنوعت فيه الفضائل والخيرات، فحري بالمسلم أن يستقبل هذه الأيام بما ينفعه، ومن ذلك:
1-التوبةُ الصادقة والرجوعُ إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] .
2-العزمُ الجاد على اغتنام هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله ُعليه وهيأ له الأسبابَ التي تعينه على إكمال العمل، ومن صدق الله صدقه الله، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .
3-البعد عن المعاصي، فكما أن الطاعات أسباب للقرب من الله فالمعاصي أسباب للبعد عن الله والطرد من رحمته، وقد يحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه، فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فاحذر الوقوع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.
فاغتنموا ـ عباد الله ـ هذه الفرص قبل أن تفوت فتندموا ولات ساعة مندم، واستبقوا الخيرات يا عباد الله، وسارعوا إلى مغفرة من الله وجنة عرضها السماوات والأرض، وإياكم والتواني والدعة َوالكسل، فقد صح عنه أنه قال: (( التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة ) )رواه أبو داود والحاكم.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...