الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, اليوم الآخر
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
1-عبرة من الاختبارات المدرسية وظهور النتائج. 2- كلمة عن سؤال القبر وإجابة المؤمن.
3-الأمور التي سيسأل عنها الإنسان يوم القيامة. 4- النجاح والفوز الحقيقي.
أيها الإخوة: يسعى الطلاب في جميع المراحل هذه الأيام للحصول على الحصاد بعد جهد من الدراسة والتحصيل والمذاكرة، وكل بحسبه، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، ولكل مجتهد نصيب.
والآن تشرئب الأعناق وتتلهف القلوب بسماع النتائج والنظر إلى أسماء الناجحين، عند ذلك ترتفع الأصوات من الطرفين، من الذين نجحوا وفازوا ولسان حالهم يقول: انظروا أيها الناس إلينا لقد تعبنا ودرسنا وتعلمنا وسهرنا الليل في طلب العلم فوفقنا الله ونجحنا.. فتأتيهم التهاني بهذا النجاح، أما أصوات الطرف الثاني من الذين أخفقوا في الاختبارات فتسمعها خافتة حزينة متأسفة على ما ضاع عليهم من الوقت في اللعب والهزل، ولاة ساعة ندم، فيأتيهم من يوبخهم أو من يهون عليهم ويقول لهم: أمامكم فرصة الدور الثاني لتدركوا ما فات ولتصححوا المسار وتجتهدوا وتثابروا حتى تحققوا النجاح والفلاح والفوز.
أيها الإخوة: ما أشبه هذه المواقف بموقف الناس يوم القيامة حينما تطاير الصحف فآخذ كتابه بيمينه فينطلق فرحًا أمام الجموع الحاشدة، في ذلك الموقف ويقول: هاؤم اقرؤوا كتابية إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية.
وأما الطرف الثاني الذين يأخذون كتبهم من وراء ظهورهم وبشمائلهم والعياذ بالله فكل واحد منهم يندب حظه ويقول: يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغني عني مالية هلك عني سلطانيه.
ومن العجيب أيها الإخوة: أن الأسئلة في اختبارات المدارس والجامعات غير معلومة ولا يدري الطالب من أي باب سيأتيه السؤال... ورغم ذلك يستعد المجد المجتهد ويذاكر ويضع لكل احتمال حسابه. أما الأسئلة التي تكون في الدار الآخرة، في الاختبار النهائي عند الانتقال من الحياة الدنيا الزائلة إلى الحياة الآخرة الباقية فهي معلومة، أخبرنا بها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. فأول مراحل هذا الاختبار هو فتنة القبر.
الأسئلة الثلاثة التي يسألها كل ميت، من ربك؟ من دينك؟ من نبيك؟ فمن آمن بالله وعرف الله عز وجل بأسمائه وصفاته وآمن بها كما وردت في القرآن والسنة الصحيحة دون تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ووحد الله عز وجل وتوكل عليه وأطاع أوامره واجتنب نواهيه وجعل كل محبوباته ورغباته في كل ما يحبه الله عز وجل، وخشيه في السر والعلن، فإنه سيجيب بقوله: ربي الله، ومن أسلم وعرف أن الدين عند الله الإسلام وأن من لم يسلم فهو كافر، سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا أو أي ملة أخرى واعتقد أن من ابتغى غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وليس هناك شيء يسمى تقاربًا بين الأديان، وليس هناك موالاة ولا محبة للكفار، وأن كل من لم يسلم فهو كافر عدو لله وللرسول وللمؤمنين وأن الإسلام عنده هو الانقياد والطاعة لشرع الله عز وجل. والاستسلام استسلامًا كاملًا بالقلب والجوارح، ولا يجد في نفسه حرجًا أو شكًا من تطبيق الشرع وإقامة الحدود من رحم للزاني أو إقامة حد القصاص أو الحرابة أو قطع يد السارق أو الجلد أو حد الردة أو غير ذلك مما جاء في الشرع الحنيف ،عند ذلك يجيب المسلم: ديني الإسلام... ومن آمن بالنبي الأمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأطاعه فيما أمر واجتنب ما نهى عنه وزجر وأحبه أكثر من حبه لنفسه وماله وأهله واتبع سيرته وسنته وقدمها على كل ما تهواه نفسه وجعل هواه تبعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك يقول: نبيي محمد صلى الله عليه وسلم.
أما الكافر أو المنافق فإنه يقول: هاه هاه، لا أدري، لا أدري، سمعت الناس يقولون: كذا، فقلت مثل قولهم، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيضرب بمرزبة من حديد يسمعها كل شيء إلا الثقلان، الإنس والجن والعياذ بالله.
ويتمنى عندها العودة إلى الحياة الدنيا ولكن هيهات هيهات، فليس هناك دور ثان ٍ ، فقد أخذ كل إنسان فرصته في الحياة الدنيا سنوات من الحياة مرت ليراجع فيها الإنسان نفسه ويعود إلى الله عز وجل وخاصة في الوقت الحاضر التي انتشرت فيها الوسائل الإعلامية بجميع أنواعها ولا أظن أن هناك إنسان على وجه الأرض لم يسمع بالإسلام أو بخاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
أيها الإخوة: قال الله تعالى: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أما الأسئلة الأخرى التي سيسأل كل إنسان عنها، ما جاء في حديث عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربع ) )وفي رواية: (( عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به ) )فالسؤال عن المال من جهتين: من جهة اكتسابه ومن جهة إنفاقه، لذلك يمكن اعتبار الأسئلة خمس.
السؤال الأول عن العمر، عن هذه السنوات التي نقضيها في هذه الحياة الدنيا، هل كانت في طاعة الله؟ وفي ما يرضي الله عز وجل؟ ويكرر السؤال حيث يأتي مركزًا على مرحلة الشباب، مرحلة القوة أين وجهت هذه القوة؟ هل وجهت في ما يرضي الله وفي الطاعات والعبادات لرفع راية الجهاد والدعوة إلى الله؟ هل وجهت لقيام الليل ولفعل القربات؟ أم ضاعت الأوقات في لعب ولهو ورقص ومجون... فالوقت هو العمر، إنما الحياة دقائق وثوان، وليس لدى المسلم وقت فراغ يضيع سدى فالصحة والفراغ نعمتان عظيمتان لمن استثمرهما في خيري الدنيا والآخرة.
ثم يأتي السؤال عن المال: هل كان اكتسابه شرعيًا حلالًا، أم بالغش والخداع والاختلاس والرشوة والعياذ بالله.. ثم إذا كان الكسب حلالًا فهل أنفق في طرق صحيحة أم في غير ذلك.
ثم يأتي السؤال عن العلم والمقصود به العلم الشرعي: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه. هل إذا سمع العبد آية أو حديثًا عمل بهما، لأن السؤال عن العمل بما علم العبد لأن القصد من العلم هو العمل، هو عبادة الله بما شرع.
أيها الإخوة: هذه الأسئلة بين أيدينا فهل نحن على استعداد لها؟
إن الإجابة أيها الإخوة على هذه الأسئلة لا تكون إلا بالاعتقاد الصحيح والعمل في طاعة الله عز وجل واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لا تكون الإجابة بالحفظ باللسان فقط، ولو كان الأمر كذلك لاستطاع المنافقون الإجابة، لأن منهم من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم بل وجاهد معه، ولكن قلبه كان مبغضًا للشرع ومبغضًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فلأجل ذلك لا يستطيع الإجابة وسيرسب في الاختبار.
كذلك من ضيع حياته في لهو ولعب وفي التخبط في أموال الله بغير حق وعدم الانتفاع بما جاءه من العلم الشرعي من القرآن والسنة النبوية، فإنه على شفا جرف هار قد يهوي به في نار جهنم إن لم تدركه الرحمة ويعود إلى الجادة وإلى الصراط المستقيم.
أيها الإخوة: إن النجاح في الدراسة أمر يطلبه كل إنسان ويفرح به، وهذا لا بأس به، وأما النجاح في الدار الآخرة فهو مطلب كل مسلم، وهو النجاح والفوز الحقيقي قال الله تعالى: فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ولا يكون ذلك إلا بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم: ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا وقد جاء في أكثر من آية أن دخول الجنة هو الفوز العظيم، وهو الفوز الكبير، وهو الفوز المبين. وحينما يرى الناس أصحاب الجنة يتمنون أن لو كانوا معهم فيفوزون فوزًا عظيمًا لأن أصحاب الجنة هم الفائزون.
وأما الفريق الراسب الخاسر فهم أهل النار والعياذ بالله، اسأل الله أن يجيرنا منها قال تعالى: فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريًا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون.