الإيمان
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
1-عظة في الموت وما بعده. 2- أهوال يوم القيامة. 3- حقيقة الدنيا. 4- المؤثرون الدنيا
على الآخرة.
أيها الإخوة: علينا بتقوى الله في السر والعلن وخشيته سبحانه وتعالى، واعلموا أن هذه الحياة الدنيا دار ممر وعبور، ودار عمل وكدح للعباد، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، فتذكروا ما أنتم عليه صائرون من الموت وما بعده يوم تحشرون، واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا.
تذكروا حالتكم عند حلول الآجال ومفارقة الأوطان والأهل والعيال، تذكروا حينما تشاهدون الآخرة أمامكم وأنتم مقبلون إليها، مدبرين عن الدنيا، تذكروا حينما ينقسم الناس إلى قسمين، فمنهم من توفاهم الملائكة طيبين يقولون لهم: سلام عليكم تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلًا من غفور رحيم. ومنهم من توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق. قال تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون.
تذكروا إذا حملتم على الرقاب إلى القبور فانفردتم بها عن الأهل والأولاد والأموال والقصور.. جليسكم الأعمال، فإما خير تسرون به إلى يوم القيامة وإما غير ذلك، نعوذ بالله من ذلك. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم.
تذكروا إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون يقومون من قبورهم لرب العالمين.. يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.
تذكروا هذا اليوم العظيم الذي يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، في هذا اليوم الذي تندك فيه الجبال وتعظم فيه الأهوال. يوم يجعل الولدان شيبًا السماء منفطر به كان وعده مفعولًا ، يوم ينزل الرحمن للقضاء بين العباد قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم.
تذكروا هذا اليوم الذي سماه الله يوم التغابن لأنه هو الذي فيه الغبن العظيم الغبن الحقيقي، لأن الناس يحشرون على حسب أعمالهم، فمنهم المتقون الذين يحشرون إلى الرحمن وفدًا، انعم الوفد ونعم الموفود إليه، الوفد عباد الرحمن والموفود إليه الملك الكريم المنان، ومنهم المجرمون أعاذنا الله من أن نكون منهم، المجرمون الذين يساقون إلى جهنم وردًا، أي عطاشًا فتمثل لهم النار كأنها السراب يساقون إليها ولكن لا ترويهم من ظمأ، وإنما يجدون النار والسعير والحر والزفير ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون.
فما أعظم هذا اليوم وما أشد هوله لقد قال الله تعالى في وصفه: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد مقداره خمسون ألف سنة تدنو فيه الشمس من الناس حتى تكون بقدر ميل فقط، ويبلغ العرق منهم كل بحسب عمله، إن التغابن والله في هذا اليوم وليس التغابن في نيل عرض الدنيا وزخارفها، فإنما هي لهو ولعب وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد تزدهر قليلًا ثم تزول سريعًا واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرًا.
فتنافسوا أيها الإخوة في أعمال الآخرة لتدركوا بذلك الدنيا والآخرة، وإياكم أن تؤثروا الدنيا عليها فتخسروا الدنيا والآخرة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة.. فمن زرع حصد ومن لم يزرع خسر فإذا جاءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى.
أيها الإخوة: لقد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا حتى أوجدكم الله من العدم وأسبغ عليكم النعم ودفع عنكم النقم ويسر لكم من أسباب البقاء وأسباب الهداية، وبين لكم ما ينفعكم وما يضركم، وبين لكم أن للإنسان دارين: دار ممر وزوال، ودار مقر وخلود.
أما الدار التي هي دار ممر وزوال فهي دار الدنيا التي كل ما فيها فهو ناقص إلا ما كان مقربًا إلى الله تعالى.. هذه هي الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوانٌ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
أما الحياة الآخرة فهي الحياة الحقيقية التي فيها جميع مقومات الحياة من البقاء والسرور والسلام والحبور، هي الحياة الحقيقية والتي ينطق الإنسان إذا شاهد حقائقها فيقول: يا ليتني قدمت لحياتي. قال تعالى: فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون.
أيها الإخوة: قارنوا بين الحياة الدنيا وحياة الآخرة لتعرفوا الفرق بين الدارين، ففي الدار الآخرة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهي دار السلام سالمة من كل نقص ومن كل بلاء، لا مرض فيها ولا موت ولا بؤس ولا هرم، وذلك للموحدين الطائعين.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) )هذا كلام الصادق المصدوق، إن موضع السوط في الجنة خير من الدنيا كلها من أولها لآخرها بكل ما فيها من زينة وأنهار وجنات وترف.. فكيف بمنزل أدنى منزلة فيها لمن يدخلها متأخرًا ولا يملك فيها إلا عشرة أضعاف أو خمسين ضعفًا لمُلك ملكٍ من أهل الدنيا كما جاءت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنه والله ملك عظيم.. ولكننا نسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلي أن يسكننا الفردوس الأعلى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
إن من العجب أن يؤثر أقوام الحياة الدنيا على الآخرة والآخرة خير وأبقى يؤثرونها على الآخرة فيعملون لها ويدعون عمل الآخرة، يحرصون على تحصيل الدنيا، وإن فوتوا ما أوجب الله عليهم.. ينغمسون في شهواتهم وينسون شكر المنعم عليهم، إنهم يتكاسلون عن الصلوات وفعل الطاعات ويخونون في الأمانات ويغشون في المعاملات ويكذبون في المقالات ولا يقومون بحق الرعاية لمن هم تحت رعايتهم ولا يوفون بالعهود، ولا يلتزمون بالوعود ولا يؤدون ما عليهم تجاه الأقارب والأرحام.
أيها الإخوة: إن من آثر الحياة الآخرة على الدنيا حصل له نعيم الدنيا والآخرة قال الله تعالى: من عمل صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وقال تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه.
أما من آثر الحياة الدنيا على الآخرة فإنه قد يؤتى من الدنيا ولكن ليس له في الآخرة من نصيب. قال تعالى: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون.