الرقاق والأخلاق والآداب
أخلاق عامة
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-تعريف الضحك وأنه من مخلوقات الله تعالى وأن الله تعالى يضحك كما يليق بجلاله
2-أسباب الضحك 3- ضحك الغرب الكافر على غيره من شعوب العالم الثالث ضحك
استهزاء وسخرية بهم 4- مواقف ضَحِك فيها النبي صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
الضحك صفة في الانسان، والضحك من مخلوقات الله جل جلاله، الذي أوجده في الإنسان وجمعه مع ضده، فكما أنه خلق الموت والحياة، وخلق الذكر والانثى فكذلك جل شأنه: وأنه هو أضحك وأبكى بل إن الضحك صفة من صفات الباري جل جلاله فمن مسند الإمام أحمد رحمه الله، عند ابي رزين قال قال النبي: (( ضحك ربنا عز وجل من قنوط عباده وقرب غيره. فقال أبو رزين: أو يضحك الرب عز وجل؟ قال نعم، فقال لن نعدم من رب يضحك خيرا ) ).
فعند أهل السنة والجماعة أن الضحك صفة حقيقية لله جل جلاله، يضحك ربنا لكن ليس كضحك المخلوقات، على حد قوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ومما ورد أيضا في ضحك الله جل وتعالى الحديث المتفق عليه: (( يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما في الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله عز وجل فيستشهد ثم يتوب الله على القاتل، فيسلم فيقاتل في سبيل الله عز وجل فيستشهد ) ).
الضحك أيها الأحبة، هو انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، ومبادئ الضحك هو التبسم، وإذا كان مع الضحك صوت يسمع فهو القهقهة، والنبي كان ضحكه التبسم، بل كله التبسم وكان نهاية ضحكه أن تبدوا نواجذه، أخرج الترمذي كما في حديث عبدالله بن الحارث وفي الله عنه أنه قال: (ما رأيت أحدًا أكثر تبسما من رسول الله ) . كيف لا ومن ضمن وصاياه للناس حتى انه رفع قدر البسمة الى مستوى الصدقة عندما قال: (( وتبسمك في وجه اخيك صدقة ) )رواه الترمذي: (( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط ) )رواه الإمام أحمد فهلاّ تعلمنا هذا الخلق النبوي، الذي به لو احسن المرء استخدامه لتمكن من فتح مغاليق قلوب طالما اقفلت.
الابتسامة: مفتاح مؤكد النتيجة، ودواء أكيد المفعول، يقرّب البعيد، ويهدّء الغضبان من خلاله، يدخل المرء إلى قلب صديقه ومن طريقه تدخل المرأة الى شفاف قلب زوجها، من نعم الله تعالى على الإنسان إذا رزقه وجها مبتسما دائما، لايعرف الحزن والهم والغم، يبتسم لكل موقف، لأنه يرضى بقضاء الله وقدره، إن الرجل المبتسم يكون دائما في حالة ارتياح نفسي، وهذا أقدر من المنفعل والمتشنج على التفكير، واختيار الكلمات المناسبة، التي يتعامل بها مع الناس.
أيها المسلمون: للضحك أسباب:
منها ما يكون بسبب التعجب، فاذا تعجب الشخص من أمر ما، فقد يضحك قال الله تعالى: ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث ان جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا الى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب قالت ياويلتا أإلد وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخًا إن هذا لشيء عجيب فضحكها كان للتعجب - ان هذا الشيئ عجيب.
وقد يكون الضحك بسبب الفرح والسرور قال الله تعالى: فاذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة. فالمؤمن اذا رأى يوم القيامة ما وعده الله من النعيم. سر لذلك واستبشر، وضحك وهذا والله الموقف الذي يستحق الضحك، وهو يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة.
وقد يكون الضحك بسبب التهكم والسخرية، والازدراء، قال الله تعالى: وإن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون أين يكون هذا؟ إنه في الدنيا، لقد كان كفار قريش يضحكون على ضعف المؤمنين في أول الإسلام، وقبل أن تقوم لهم دولة. كانوا يضحكون عليهم، وعلى مقرهم وقلتهم وأيضا واذا مروا بهم يتغامزون. ولا يزال المجرمون يضحكون حتى في وقتنا هذا على المسلمين، لكن بصور وأشكال أخرى، إن الغرب الكافر، وفي مقدمتها الذين يسمون أنفسهم بالدول العظمى لا يعدّون دول العالم الثالث شيء. لذا فهم يضحكون عليهم علانية، ويسخرون ويتغامزون عليهم جهارًا نهارًا وعبر إعلامهم بل وعبر إعلام دول العالم الثالث نفسه، إنهم يضحون على شعوبهم أولا بأن سلطوا عليهم قيادات صنعها الغرب بيده، وغذّاه من فكره وتصوراته، وأقنعه بارادته ومبادئه، ثم صار بعد ذلك يلعب على رقعة الشطرنج، إنهم يضحون على شعوب وقيادات هذه الدول في أنهم جعلوهم حقول تجارب في أشياء كثيرة، فمثلا سلع تصنع لأول مرة، تجرب مدى نجاحها في شعوب هذا الدول، أدوية تصنع لأول مرة، يتم اختبارها على هذه الشعوب الفقيرة المستضعفة، وماذا يضير الغرب لو مات مائة أو ألف من المسلمين من جراء هذه التجارب والاختبارات. إنهم يضحون علينا كما في بعض الاحصائيات أن مصانعهم التي تنتج في الساعة آلاف السلع والأجهزة والمصنوعات المختلفة: لاشك من حصول بعض القصور والخلل في بعض الاجهزة، فإنها لا تخرج 100 لكن قد يصل جودة التصنيع الى 70 أو 80 ، هذا الخلل والقصور في بعض الانتاج، الأصل أنه يتمم أو يتلف هذا الجهاز ويصنع بدله. لكن هل هذه الأمانة تتوقعها من الكفار، الذين لا يبالون في ابادة شعب بأكمله بنسائه وأطفاله وشيوخه هل يتورع من إرسال كذا ألف سيارة أو ثلاجة أو غيرها، تصنيعها لم يتم كما هو مطلوب. إن دول العالم الثالث سوق عريض لترويج أمثال هذه السلع لهذا لا تستغرب إذا اشتريت سلعة جديدة ثم تعطلبت بعد أيام. نشرت إحدى الجرائد قبل شهر تقريبا أن هناك 45 طن من لحوم الهمبرجر التي تنتجها إحدى الدول وتصدرها إلى غيرها، قد انتهت مدة صلاحيته، وأنهم يعملون ترتيبات لإتلافه، لقد أصبح الواحد يشك في مصداقياتهم إنه فعلا سيتم التخلص من هذه الكمية من اللحوم. وما يدريك أنها أُكلت في الشهر نفسه وذهبت في بطون إحدى شعوب دول العالم الثالث.
ايها المسلمون: إن ماذكرت عبارة عن نماذج فقط من ضحك الغرب على المسلمين وإلا فضحكهم في مجال السياسات والاتفاقيات أمر لا يخفى في هذا الوقت على الصغير قبل الكبير.
أيها الأحبة في الله:
في مقابل هذا النوع من الضحك، هناك ضحك آخر: لكنه في هذه المرة يضحك المؤمنون على الكافرين، ويضحكه مؤمنون ومخلصون المسلمين على جبابرة وصناديد وزعماء الغرب الكافر، هذا الضحك يكون في موقفين: موقف في الدنيا، وموقف في الآخرة، أما موقف الدنيا، فهو ضحك المؤمن المبنى على الثقة بالله جل جلاله في خضم هذا الواقع المر، وفي وسط تسلط الأعداء على كل شيء وفي أثناء هذه المرارات التي يتجولها المسلمون في كل مكان، فإن المؤمن يبتسم ثقة بالله تعالى، بأنه هذه الغمامة لابد لها أن تنقشع، وأن هذا التسلط لابد ان يقف عند حد، وكل ليل لابد وأن يعقبه نور الصباح.
إن المؤمن يبتسم ثقة بربه من خلال ماتراه من نصوص الكتاب والسنة، إن النصر لهذه الامة وإن المستقبل لهذا الدين وإن وعد الله لا بد وأن يتحقق وعد الله الذين امنوا منهم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا تعبدونني لا يشركون بي شيئًا وقد أخبر النبي في غير ما حديث أنه ستبقى طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله.
وأما الموقف الثاني فهو في الآخرة: وهناك سيكون الضحك الحقيقي الذي يضحكه المؤمنون، على كل الكفار الذين كانوا يضحكون عليهم في الدنيا بأي نوع من الضحك، سيضحك المؤمنون فرحين بما أنعم الله عليهم، وذلك إذا تلاقوا على الارائك في الجنة فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون وعندها سيندم المجرمون ويتحسر العلمانيون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
أيها الأحبة: بقيت نقطة أحب التعليق عليه قبل أن أختم، وهي ما عبرت عنه، والتعبير من عندي وهو الضحك على الذقون، يظن بعض السذج من الشهوانيين، ومن أصحاب الأخلاقيات المنحرفة، بل ومن العلمانيين، أنهم ببعض أحيلهم في نشر الفساد، وببعض تخطيطاتهم في الحيلولة دون التمدد الخيري في المجتمع. أقول إنهم يظنون أنهم ببعض طرقهم الملتوية يضحكون على المذقون، ويضحكون على أصحاب اللحى، فيقال: إن حيلكم مفضوحة، وإن أوراقكم مكشوفة، وإن رائحة نتنكم يشمها البعيد قبل القريب، لكنها أيام يداولها الله بين الناس والعبرة في النهايات، لا في البدايات، والنهاية الحقيقة عندنا فاليوم الذين امنوا من الكفار يضحكون على الارائك ينظرون.
أما بعد:
إتمامًا لموضوع الضحك، فهذه بعض مواقف ضحك منها النبي ففي البخاري: أن عمر رضي الله عنه استأذن في الدخول على النبي وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر تبادرن بالحجاب، فأذن له النبي فدخل، والنبي يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فقال: (( عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب ) )، فقال: أنت أحق أن يهبن يا رسول الله، ثم أقبل عليهن فقال: يا عدوّات أنفسهن أتهبنني ولم تهبن رسول الله ، قال رسول الله: (( إيه ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ) ).
ومن المواقف أيضا التي ضحك فيها رسول الله ما جاء في البخاري أيضًا من حديث أنس بن مالك قال: (( كنت أمشي مع رسول الله وعليه بردّ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت الى صفحة عاتقه النبي وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه، فضحك ثم أمر له بعطاء ) ). موقف عجيب من النبي أنه ليس شخصا عاديا، ولا مدير ولا مسئولا، ولا وزيرًا بل ولا واليا، إنه رسول الله يستوقفه أعرابي في الطريق، وبغير أدب: يا محمد، ولا يقول: يا رسول الله، ثم بصيغة الأمر، مُر لي من مال الله. ومع هذا يلتفت إليه النبي وبكل هدوء ولا يغضب لنفسه، بل يضحك ثم يأمر له بعطاء، والله لا نتحمل نصف هذا التعامل من أولادنا، فكيف من غيرهم، فهل يأخذ الدعاة وطلاب العلم كيفية التعامل مع الناس من هذا الموقف النبوي.
وأخيرًا من المواقف التي ضحك منها رسول الله في سنن ابن ماجة عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: خرج أبو بكر في تجارة الى بصرى قبل موت النبي بعام ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكانا شهدا بدرا، وكان نعيمان على الزاد وكان سويبط رجلا مزاحا، فقال النعيمان: أطعمني قال: حتى يجئ أبو بكر. قال: فلأغيظنك، قال فمروا بقوم فقال لهم سويبط: تشترون مني عبدا لي؟ قالوا نعم، قال: إنه عبد له كلام، وهو قائل لكم اني حر، فإن كنتم إذا قال: لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا علي عبدي، قالوا: لا بل نشتريه منك. فاشتروه منه بعشرة نواق، ثم أتوه فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلا، فقال نعيمان: إن هذا يستهزء بكم وإني حر، لست بعبد، فقالوا: قد أخبرنا خبرك، فانطلقوا به، فجاء أبو بكر، فأخبروه بذلك، قال فاتبع القوم ورد عليهم النوق، وأخذ نعيمان، قال فلما قدموا على النبي وأخبروه قال: فضحك النبي وأصحابه منه حولا.