فهرس الكتاب

الصفحة 5090 من 5777

الرجل المبارك

الإيمان

فضائل الإيمان

مرسال بن عبد الله المحمادي

جدة

جامع ابن تيمية

1-مباركة الله تعالى لعيسى عليه السلام. 2- معنى البركة. 3- بركة الرسول. 4- من بركات عمر بن عبد العزيز. 5- عبد الله بن المبارك رجل مبارك. 6- سبب قلة البركة. 7- أسباب البركة.

أيها المسلمون، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم: 30، 31] ، فيخبر عيسى عن نفسه بأن الله تعالى قد جعله مباركًا، أي: باركه فزاده الله في كلّ شيء. وفي هذه الآيات دليل على أن الله واهب البركة ومصدرها، ومعنى وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ أي: معلمًا للخير، داعيًا إلى الله، مرغبًا في طاعته، فهذه من بركة الرجل، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة.

عباد الله، إن للوحيَين دورًا كبيرًا في توجيه سلوكنا، فمن اهتدى وامتثل الشرع فلا نشك أبدًا بأنه رجل سيباركه الله، وسيكون ممن ينفع الله به البلاد والعباد، والبركة هي هبة من الله يهبها لمن حقّق شروطها، وليست بابًا مفتوحًا لكل أحد، فإذا توفرت فيك الشروط فهنيئًا لك فأنت رجل مبارك، والبركة قد تعم كل شيء، وتكون في المال والولد والوقت والعمل والإنتاج والزوجة والعلم والدعوة والدار والعقل والجوارح، ولهذا كان البحث عن البركة ضروريًا، فكان النبي يدعو في قنوته: (( وبارك لي فيما أعطيت ) ).

وكما هو معروف أن عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره، ولذا كانت المعصية سببًا لمحق بركة الرزق والأجل، ولهذا شرع ذكر الله عند الأكل والشرب واللباس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسم الله من البركة، وذكر الله يطرد الشيطان فتحصل البركة، وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة، فإنّ الله وحده هو الذي يبارك، والبركة كلها منه سبحانه، وكلّ ما نسب إليه مبارك، فكلامه مبارك، ورسوله مبارك، والعبد المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك.

أنت ـ أيها المؤمن ـ لو تدبرت النصوص الشرعية لوجدتها داعية لك إلى بذل الخير للغير؛ ليباركك الله ويبارك لك فينتفع منك الآخرون. وأول المباركين هو رسولنا محمد ، فحينما أخذته حليمة السعدية لترضعه أصبحت دابتها أسرع الدواب بعد أن كانت هزيلة ضعيفة؛ لأنها كانت تحمل على ظهرها أفضل الخلق ، أما البهائم العجاف التي كانت تملكها حليمة السعدية فأصبحت تدر لبنًا كثيرًا ببركة محمد ، وحينما جاءت الرسالة بدأت بركاته تنهال على الناس، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يذهبون بصبيانهم إلى النبي ليباركهم ويدعو لهم ويمسح عليهم. ومن بركاته تكثير الماء وتكثير الطعام، فيأكل الصحابة الطعام ويخرجون والطعام كما هو، ومن بركته أنه كان يداوي مرضى الصحابة رضي الله عنهم، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما كان مع النبي في الغار فلدغته عقرب فتفل النبي على المكان الملدوغ فبرئ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا علي رضي الله عنه في يوم خيبر أصابه الرمد في عينيه فتفل النبي في عيني علي فقام وكأنه ليس به شيء، وهذا صحابي آخر يأتي إلى الرسول في إحدى الغزوات وقد خرجت عينه فذهب، يأتي وعينه في يده إلى الرسول ، فأخذها النبي بيده الشريفة ورد عينه في مكانها، فعادت أحسن مما كانت، فهذا هو نبينا الذي باركه الله، وقد مات وبقيت البركة في طاعته والتمسك بسنته ، وإننا لنرجو من الله أن يرزقنا شفاعة نبيه يوم القيامة.

أيها المسلمون، ومن المباركين الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فقد كان حكمه عدلًا وعلمه بحرًا وخلقه حسنًا وعقله كمالًا وسمته جيدًا وسياسته حكيمة ونفسه زكية ولربه قانتًا خاشعًا، ومن بركة عمر في حكمه أن المال فاض بأيدي الناس فاغتنى الناس حتى أن الغنيّ يبحث عن فقير ليعطيه المال ويتصدّق عليه فلا يجد فقيرًا، فلا يبرح أن يرجع بماله، فقد كان عمر بن عبد العزيز رجلًا مباركًا في كل شيء؛ في عدله وعلمه وعبادته وصيامه وقيامه وذكره لله تعالى، ثم تأتي ساعة الفراق فيموت وهو يتلو القرآن عند قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83] . ومن بركته أن فترة خلافته كانت سنتين وخمسة أشهر فقط، فعمّ العدل أنحاء الدولة الإسلامية، واغتنى الناس في فترة وجيزة.

ومن الناس المباركين عند الله ابن المبارك، بارك الله له فأحبه الجميع، فقد كان عالمًا مجاهدًا عابدًا صادعًا بالحق، وما من خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها الله في ابن المبارك. كان رجلًا مباركًا في ماله لأنه لم يكن يدخره لنفسه، بل كان يشكر الله على ما أعطاه فينفق على الناس، فكان إذا سافر مع مجموعة يطلب منهم أن يضعوا أموالهم معه، فيجمعونها عنده فيضعها في صندوق وينفق عليهم من أفضل أنواع الطعام ويلبسهم أفضل اللباس ويطلب منهم أن يشتروا لأهليهم، وبعد العودة يقيم لهم مأدبة ثم يخرج لكل واحد منهم ماله في منديله كما وضعه، لقد كان يتاجر ولكن للإنفاق على أهل العلم والعبادة، لقد كان مسخَّرًا لخدمة الناس ومساعدتهم، فكان يفك المحبوس على المال ويطلب من الدائن أن لا يخبره المحبوس ولا يعلم الناس بذلك إلا بعد موته رحمه الله.

أيها المسلمون، إن حياتنا اليوم قد ملأها التعقيد المادي لدرجة أنه أثّر على توحيدنا وطاعتنا ويقيننا بالله، فأصبح الناس يفعلون المعاصي بكثرة، فذهبت البركة من حياتنا، فترى المرء يقبض راتبه ثم لا يلبث أن يأتي منتصف الشهر إلا وليس عنده منه شيء، هل حاسبنا أنفسنا لماذا؟! ألا يمكن أن يكون تقصيرنا في علاقتنا بالله سببا لزوال هذه البركة؟! كان الفضيل يقول:"إني لأرى أثر معصيتي على خلق زوجتي ودابتي". فهذا الاعتقاد نتيجة لقوة إيمانهم، أما نحن فأمورنا كلها مادية، وليسأل كل منا نفسه عند حصول مشكلة لنا: ماذا ينقدح في أذهاننا ابتداءً؟ هل نربط بين المشكلة وبين تقصيرنا في حق الله؟ للأسف الواقع يخالف ذلك تمامًا.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه...

أيها المسلم، كيف تكون مباركًا؟ سؤال مهم، والجواب عنه يحتاج إلى أوقات طويلة، ولكن سأذكر بعض الأمور السريعة التي تجعلك مباركًا:

أولًا: دعاؤك الله بأن يباركك ودعاء الناس لبعضهم البعض، فقد كان الرسول يدعو للناس بالبركة، وعلمنا ذلك في مناسبات عديدة، فعندما يطعمك أخوك المسلم تقول له: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم، وعندما يتزوج المسلم تدعو له بالبركة: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير... وغير ذلك.

ثانيًا: البكور بأداء الأعمال وبخاصة صلاة الفجر، فتبدأ يومك بعبادة الله بصلاة مهمة، فعندها يبارك الله لك في كل شيء، ومن ذلك الرزق، قال: (( اللهم بارك لأمتي في بكورها ) ).

ثالثًا: البعد عن المال الحرام بشتى أشكاله وصوره؛ فإنه لا بركة فيه ولا بقاء.

رابعًا: المداومة على الاستغفار لقوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10-12] .

خامسًا: الإيمان الصادق بالله والبعد عن الذنوب الفردية والجماعية، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96] .

سادسًا: الشرب من ماء زمزم، فهو ماء مبارك، وماء زمزم لما شرب له، فكان ابن حجر يشربه ليكون من الحفاظ، فكان له ما أراد، فما هي دعوتك عندما تشرب من ماء زمزم؟

سابعًا: التقرب إلى الله تعالى بالعبادات.

ثامنًا: البعد عن الشحّ والشره في أخذ المال، فقد قال النبي: (( فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع ) ).

تاسعًا: الصدق في التعامل بيننا عندما نتبايع، قال: (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لها في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ) ).

أيها المسلمون:، هذا الذي سمح به الوقت، أسأل الله أن يبارك لنا جميعًا في أنفسنا وفي أعمارنا وفي أوقاتنا وفي أعمالنا وفي زوجاتنا وفي أبائنا وفي أولادنا وفي أمهاتنا، وأن يبارك لنا في أموالنا وبيوتنا وبلادنا وبلاد المسلمين وفي حياتنا كلها، وأن يبارك لنا في كل ما أعطانا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت