الرقاق والأخلاق والآداب
اغتنام الأوقات
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
1-التحذير من الاغترار بالدنيا 2- ترغيب وترهيب 3- الترغيب بعبادات يَستدرك بها
المؤمن ما بقي من عمره كاتقاء الشبهات وفعل النوافل وكثرة الصدقات 4- ذم الغيبة والنميمة
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله ـ تعالى ـ في جميع أوقاتكم، وأطيعوه فيما أمركم، ولا تشغلنكم دنياكم عن آخرتكم، ولا تؤثروا أهواءكم على طاعة ربكم، ولا تجعلوا أيمانكم ونعم الله عليكم ذريعة إلى معاصيكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومهدوا لها قبل أن تعذبوا، وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا. أما رأيتم المأخوذين على غرة، المزعجين بعد الطمأنينة؛ الذين أقاموا على الشبهات، وجنحوا إلى الشهوات، حتى أتتهم رسل ربهم؛ فلا ما كانوا أمَّلوا أدركوا ولا إلى ما فاتهم رجعوا، بل قَدِموا على ما عملوا وندموا على ما تركوا، ولم يغنِ الندم وقد جف القلم، فرحم الله امرءًا قدم خيرًا وأنفق قصدًا وقال صدقًا، وملك دواعي شهوته ولم تملكه، وعصى إمرة نفسه فلم تهلكه.
عباد الله، إن العاقل يدرك أن ما مضى من أيامه نقص من عمره، وقرب من أجله، ودنا من انقطاع عمله، وأنه في أي لحظة من زمنه يوشك أن يلقى ربه بما كان عليه من عمله، وكم يؤتى الحذر من مأمنه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي قال: (( يبعث كل عبد على ما مات عليه ) ) [1] وفيه أيضا عنه قال: (( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك ) ) [2] ، فخذوا الأهبة لآزف النقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، ألا وإن خير الزاد ما صحبه التقوى، وأعلى الناس عند الله منزلة أخوفهم منه.
معشر المسلمين، من أمارات العقل الراجح وبشائر التوفيق للعمل الصالح أن يستدرك المرء بقية عمره ويتحلى في سيره للقاء ربه بأمور:
الأول: أداء ما افترض الله عليه، وتكميل كل فريضة بما شرع الله من نافلتها؛ تحببًا إلى الله وتقربا إليه، ففي الحديث القدسي الصحيح يقول الله تعالى: (( وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه ) ) [3] فالتقرب إلى الله بالفرائض وتكميلها بالنوافل يحبب العبد إلى المولى، ومن أسباب حفظ الحواس والجوارح عما يضر في الدنيا والآخرة والفوز بجزيل العطاء والأجر.
الثاني: ترك المخالفات واتقاء الشبهات؛ فإن مباشرة المعاصي تقسي القلوب، وتغضب علام الغيوب، وتعسر المطلوب، وهي أيضا تعمي البصيرة، وتسبب الحيرة، وتنقص الأرزاق، وتذهب المودة والوفاق، وتقصم الأعمار باتفاق، (( فإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) )، وما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، وكم يحرم الناس الفقه في الدين بسبب المعاصي؛ فإن العلم نور [ونور الله لا يؤتاه عاصي] . وناهيكم بما توعد الله به المصرين على الذنوب من أنواع العقوبات التي قد تعجل في الحياة وقد تؤجل إلى ما بعد الممات.
وفي صحيح البخاري عن النبي قال: (( من يرد الله به خيرا يصب منه ) ) [4] . وفي الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله: (( إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ) ) [5] .
معشر المسلمين، أما الثالث من هذه الأمور فهو كثرة الصدقات والإحسان إلى عموم البريات؛ فإن الصدقة تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء، ويصرف الله بها أنواعا من البلاء، وهي أيضا من أسباب تنفيس الكروب، وتحصيل جليل المطلوب، وتكفير الكثير من الذنوب، مع أنها ظل لصاحبها في موقف القيامة ووقاية له من النار، فليكثِّف الوقاية.
وأما الإحسان إلى عموم البريات فيكفي في بيان فضله أن الله يجزي على الإحسان به، وأنه ـ سبحانه ـ يحب المحسنين ومع المحسنين، ولا يضيع أجر المحسنين لا في الدنيا ولا يوم الدين، وخص المحسنين بأعلى درجات الجنان.
عباد الله، وأما الأمر الرابع الذي ينبغي أن يراعيه المسلم في سيره إلى الله فهو اعتزال فضول المجالس التي يكثر فيها القيل والقال، وتنهش فيها أعراض الرجال، ويقوم المرء منها وقد خسر من الحسنات أمثال الجبال؛ بسبب ما يجري فيها من الغيبة والبهت، والشماتة والنميمة والافتراء والجدل والمراء، وقد قال: (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره ) )، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال (( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ) ) [6] ، وقال: (( كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وعرضه وماله ) ) [7] .
ولما عُرج به مر بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدروهم فسأل عنهم، فقيل له: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم [8] ؛ ولما مر بقبرين قال: (( إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) ) [9] ، وقال: (( لا يدخل الجنة نمام ) ) [10] .
وقال: (( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء منه فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) )، رواه البخاري [11] ، وقال: (( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة؛ ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) ) [رواه مسلم] [12] .
عباد الله: اتقوا الله فإنها خير لباس، ودعوا ظلم الناس تأمنوا الإفلاس، واجتهدوا في صالح العمل قبل مفاجأة الأجل: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْو?لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُكُمْ عَن ذِكْرِ ?للَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـ?ئِكَ هُمُ ?لْخَـ?سِرُونَ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـ?كُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ?لْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ?لصَّـ?لِحِينَ وَلَن يُؤَخّرَ ?للَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَ?للَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون [سورة المنافقون:9-11] .
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم ح (2878) .
[2] أخرجه البخاري ح (6488) .
[3] أخرجه البخاري ح (6502) .
[4] صحيح البخاري ح (5645) .
[5] صحيح ، سنن الترمذي ح (2396) .
[6] أخرجه مسلم ح (2589) ، و (( بهّتهُ ) )أي ظلمته.
[7] أخرجه مسلم ح (2564) .
[8] صحيح ، أخرجه أحمد (3/224) ، وأبو داود ح (4878) .
[9] أخرجه البخاري ح (216) ، ومسلم ح (292) .
[10] أخرجه مسلم ح (105) ولفظ البخاري ح (6056) : (( لا يدخل الجنة قتاتٍ ) )وهو النمام ، لسان العرب مادة [قتت] .
[11] صحيح البخاري ح (6534) .
[12] صحيح مسلم ح (2581) .
لم ترد.