الرقاق والأخلاق والآداب
اغتنام الأوقات
عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي
المجمعة
الجامع القديم
1-نعمة الوقت من أعظم نعم الله. 2- مغبون مضيع الأوقات والأعمار. 3- حرص السلف على أوقاتهم. 4- الدعوة لاغتنام الأوقات.
أما بعد:
فاتقوا الله الذي خلقكم وسواكم، ومن الخير زادكم، ومن الشر وقاكم، وتذكروا نعمه الغزار التي لا حد لها ولا حصر وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] ، فجددوا له سبحانه الشكر وأكثروا له من الحمد، فهو وحده المستحق لذلك جل في علاه.
ومن تلك النعم التي نتقلب فيها صباح مساء، وقد غفل الكثيرون عنها، وقل المتنبهون لها المستغلون لها بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، نعمة الوقت. يقول سبحانه مذكرًا بهذه النعمة: وَسَخَّر لَكُمُ ?لشَّمْسَ وَ?لْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ?لَّيْلَ وَ?لنَّهَارَ وَاتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم:33، 34] ، وفي آية أخرى وَسَخَّرَ لَكُمُ ?لَّيْلَ وَ?لْنَّهَارَ وَ?لشَّمْسَ وَ?لْقَمَرَ وَ?لْنُّجُومُ مُسَخَّر?تٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـ?تٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل:12] ، وقال سبحانه: وَجَعَلْنَا ?لَّيْلَ وَ?لنَّهَارَ ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ ?لَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءايَةَ ?لنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مّن رَّبّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ?لسِّنِينَ وَ?لْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12] ، فهذا الوقت الذي نعيش فيه من أجل النعم والمنن، ومن غفل عنه سيندم كما يندم الكفار إذا عاينوا النار ووقعوا فيها وَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى? عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـ?لِحًا غَيْرَ ?لَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ـ فيجابون ـ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ ?لنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـ?لِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [فاطر:36، 37] ، فجعل سبحانه التعمير وطول العمر موجبًا للتذكر والاستبصار، وأقام العمر الذي يحياه الإنسان حجة عليه، قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أي أوَ ما عشتم في الدنيا أعمارًا؟ لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم.
ولذا كان طول العمر حجة على ابن آدم ففي الحديث: (( أعذر الله عز وجل إلى امرئ أخر عمره حتى بلغه ستين سنة ) )البخاري.
أي أزال عذره ولم يبق له موضعًا للاعتذار، إذ أمهله طول هذه المدة المديدة من العمر. فالزمن نعمة جلى ومنحة كبرى لا يستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون، كما أشار إلى ذلك قوله: (( نعمتان مغبون فيها كثير من الناس الصحة والفراغ ) )البخاري.
قال ابن القيم:"فالوقت منصرم بنفسه منقض بذاته ـ أي لا يحتاج إلى من يديره ويحركه ـ ولذا فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته وعظمت حسراته واشتد فواته، والواردات سريعة الزوال تمر أسرع من السحاب وينقضي الوقت بما فيه فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه، فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك، فإنه عائد عليك لا محالة، لهذا يقال للسعداء في الجنة كُلُواْ وَ?شْرَبُواْ هَنِيئًَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى ?لأَيَّامِ ?لْخَالِيَةِ [الحاقة:24] ، ويقال للأشقياء المعذبين في النار ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ?لأرْضِ بِغَيْرِ ?لْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر:75] "ا.هـ
ولذا كان حرص سلفنا الصالح على أوقاتهم شديدًا، يقول ابن مسعود: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي) .
وهذا ابن الجوزي يقول:"وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعًا عجيبًا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق".ا.هـ.
وما ظنكم بما سيقوله ابن الجوزي لو رأى ما يقضي فيه كثيرون من المسلمين أوقاتهم في هذا الزمان الذي كثرت فيه الصوارف واسترخص فيه أقوام أوقاتهم، فبذلوها فيما حرم الله عليهم فإلى الله المشتكى وهو المستعان والمسؤول جل وعلا أن يمن علينا باستغلال أوقاتنا فيما ينفعنا عنده يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أما بعد:
فيا عباد الله اعلموا أن الدنيا سريعة الانقضاء فقد سماها الله تعالى متاعًا إِنَّمَا هَـ?ذِهِ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا مَتَـ?عٌ وَإِنَّ ?لاْخِرَةَ هِىَ دَارُ ?لْقَرَارِ [غافر:39] ، فخذوا من العاجل للآجل، وتزودا من الخير ما دمتم قادرين على اكتسابه، وتذكروا واحذروا أن تكونوا ممن يقول في يوم القيامة رَبّ ?رْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَـ?لِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99، 100] ، واستحضروا هذا المشهد العصيب والموقف العظيم كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ?لأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَ?لْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ?لإِنسَـ?نُ وَأَنَّى? لَهُ ?لذّكْرَى? يَقُولُ ي?لَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى [الفجر:21-24] ، فالسعيد حقًا من اغتنم أيامه، وحرص على تقديم ما ينفعه عند ربه، والبائس المغبون هو ذاك الذي لا تزيده الأيام من الله إلا بعدًا، يرى الأيام تمضي تباعًا فيفرح لقرب ترقية أو حصول علاوة أو تحقق أمنية وهو غافل عن طاعة الله مرتكب لما نهى الله، وما علم المسكين أن كل يوم يمر به يدنيه من قبره ويباعده عن دنياه. وما أجمل أن يعتني المسلم بوقته، فيعمره بالخير وعمل البر، ويعطي كل ذي حق حقه، ويعتني برأس ماله وهو أداء الواجبات والانتهاء عن المحرمات، ثم يسابق إلى الأرباح بفعل المستحبات والتزود بالأعمال الصالحات، فما ربح إلا المتقون، ولا خسر إلا المفرطون المتقاعسون. والحمد لله رب العالمين.