فهرس الكتاب

الصفحة 4080 من 5777

المؤمن كخامة الزرع

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة, الفتن

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-شرح قول: (( المؤمن كخامة الزرع ) ). 2- تكفير ذنوب المؤمن بالبلاء والمصائب. 3- فوائد مستخرجة من الحديث. 4- الدعاء سبب عظيم في تخفيف المصائب ورفع الكروب.

أما بعد: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة عن النبي قال: (( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفّأ بالبلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة، حتى يقصمها الله إذا شاء ) )واللفظ للبخاري (5644) .

أيها المسلمون، لقد صدق رسول الله في قوله: (( أوتيت جوامع الكلم ) ). كلمات قليلة يقولها عليه الصلاة والسلام تحمل من المعاني والفوائد الشيء الكثير. وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام: (( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفّأ بالبلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة، حتى يقصمها الله إذا شاء ) ).

عباد الله، إن النبي ضرب مثل الريح في هذا الحديث العظيم بالبلاء الذي يصيب الناس، المصائب والمحن والشدائد التي تواجه كل إنسان، المؤمن والكافر والبار والفاجر.

وشبه الرسول عليه الصلاة والسلام المؤمن في هذا الحديث بخامة الزرع، وهي الرطبة من النبات الذي يكون لينًا تحركه وتهزه أدنى ريح، فهو يتحرك معها يمنة ويسرة، ومثل المنافق والفاجر بالأرزة، وهي الشجرة العظيمة التي لا تحركها الرياح ولا تزعزعها، حتى يرسل الله عليها ريحًا عاصفًا فتقلعها من الأرض دفعة واحدة.

هل أدركتم ـ أيها الإخوة ـ مراد الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث؟ يبين عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث فضيلة عظيمة للمؤمن بابتلائه في الدنيا، وأن المحن والشدائد والمصائب تصيب المسلمين والمؤمنين أكثر من الفجرة والكافرين، فالمؤمن تعرض له في هذه الدنيا أنواع من البلاء، في جسده وفي أهله، وفي ماله وفي دينه، وشبه الرسول كثرة ما يتعرض له المؤمن من البلاء بهذه الرياح التي تلعب بالزرع الصغير (( خامة الزرع ) )يمنة ويسره، أما الفاجر والمنافق والكافر فلا يصيبه البلاء حتى يموت، ولذا فهو كالأرزة، وهي الشجرة العظيمة، وهذا تمثيل بعدم تعرض الكفار عمومًا للبلاء حتى الموت، فيلقون الله عز وجل بذنوبهم كلها، فيستحقون العقوبة عليها، بخلاف المؤمن الذي تكون هذه المحن في حقه بمثابة المطهر والمزيل لذنوبه.

(( مثل المؤمن كمثل خامة الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت كفأتها بالبلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة، حتى يقصمها الله إذا شاء ) ).

أيها المسلمون، وردت نصوص كثيرة في تكفير ذنوب المؤمن بالبلاء والمصائب، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال: (( ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفرّ الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها ) )، وفيهما أيضًا عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي قال: (( ما يصيب المؤمن بلاء ولا نصب ولا وصب ولا هم ولا حزنٌ ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) )، وفيهما أيضًا عن ابن مسعود عن النبي قال: (( ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حت عنه خطاياه كما يحت ورق الشجر ) )، وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي قال: (( ما يزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) )، وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي قال: (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ) )، وفي سنن أبي داود عن عامر قال: جلست إلى النبي نذكر الأسقام فقال: (( إن المؤمن إذا أصابه السّقم ثم أعفاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفى كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه، فلم يدر لِمَ عقلوه ولِمَ أرسلوه ) )، فقال رجل ممن حوله: يا رسول الله، ما الأسقام؟ والله ما مرضت قط، قال: (( قم عنا فلستَ منا ) )، وهذا كما قال للذي سأله عن الحمى فلم يعرفها، فقال عليه الصلاة والسلام: (( من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) )، فجعل عليه الصلاة والسلام الفرق بين أهل الجنة وأهل النار في الحديث السابق إصابة البلاء والمصائب، كما جعل ذلك فرقًا بين المؤمنين وبين الفجار المنافقين.

فهذه الأسقام والبلايا كلها ـ يا عباد الله ـ كفارات للذنوب الماضية ومواعظ للمؤمنين، حتى يتعظوا ويرجعوا إلى الله، كما قال الفضيل رحمه الله تعالى:"إنما جعلت العلل ليؤدب بها العباد، وليس كل من مرض مات"، ويقول الحسن رحمه الله:"إنما أنتم بمنزلة الغرض يرمى به كل يوم، ليس من مرضه إلا أصابتكم فيه رمية، عقل من عقل، وجهل من جهل، حتى يجيء الرمية التي لا تخطئ".

أيها المسلمون، إن تمثيل الرسول المؤمن بخامة الزرع وتمثيل المنافق والفاجر بالشجر العظام يشتمل على فوائد جليلة، فنذكر منها ونقف مع بعضها:

أن الزرع ضعيف مستضعف، والشجر قوي مستكبر متعاظم، فنلاحظ بأن الشجر لا يتأثر من حر ولا برد، والزرع بخلاف ذلك، وهذا هو الفرق بين المؤمنين والكافرين، وبين أهل الجنة وأهل النار. ورد في الصحيحين عن حارثة بن وهب عن النبي قال: (( ألا أخبركم بأهل الجنة وأهل النار؟ أهل الجنة كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ ) )، قالوا: بلى، قال: (( كل شديد جعظري، هم الذين لا يألمون رؤوسهم ) )، وعن أبي هريرة عن النبي قال: (( تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟! وقالت النار: ما لي لا يدخلني إلا الجبارون المتكبرون؟! ) ).

وقد وصف الله المنافقين في كتابه بالخشب المسندة، فقال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4] ، أما المؤمنون فبعكس هذه الصفات، حالهم مستضعفون في ظاهر أجسامهم وكلامهم؛ لأنهم اشتغلوا بعمارة قلوبهم وأرواحهم عن عمارة أجسامهم، وبواطنهم قوية ثابتة عامرة، فيكابدون بها الأعمال الشاقة في طاعة الله من الجهاد والعبادات وتعلم العلم مما لا يستطيع المنافق مكابدته لضعف قلبه، فالإيمان الذي في قلبه مثله كمثل شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، فيعيش على الإيمان، ويموت ويبعث عليه، وإنما الرياح ـ وهي بلايا الدنيا ـ تقلب جسمه يمنة ويسرة، أما قلبه فلا تصل إليه الرياح؛ لأنه محروس بالإيمان، أما الكافر والمنافق والفاجر فبعكس ذلك، جسمه قوي، لا تقلبه رياح الدنيا، وأما قلبه فإنه ضعيف تتلاعب به الأهواء المضلة فتقلبه يمنة ويسرة، فكذلك كان مثل قلبه كشجرة خبيثة، اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

ومن فوائد هذا الحديث أيضًا أن المؤمن يمشي مع البلاء كيفما مشى به فليكن له، فيقلبه يمنة ويسرة، فكلما أداره استدار معه، فتكون عاقبته العافية من البلاء وحسن الخاتمة، ويوقى ميتة السوء، وفي هذا لفتة للمؤمنين الذين يقاومون رياح الفساد والعلمنة أن لا يتصلبوا في كل مواقفهم فربما يُقتلعوا وهم لا يشعرون، وقد تضرهم بعض لفحات هذه الرياح، لذا لا بد من التلاين مع هذه الرياح دون تنازل في محرّم في بعض الفترات، وهذه من كياسة وفطنة المؤمن. أما الفاجر فلقوته وتعاظمه يتقاوى على الأقدار، ويستعصي عليها كالشجرة القوية التي تستعصي على الرياح ولا تتطامن معها، فيسلط عليه ريح عاصف لا يقوى عليها فتقلعه من أصله بعروقه، كما حكى الله عن عاد في قوله تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:15، 16] . فمن تواضع لعظمة الله وصبر على بلائه كانت عاقبته الجنة، وسلم في الدنيا والآخرة من البلاء، ومن تقاوى على أقدار الله عجل الله عقوبته، وسلط عليه بلاء يستأصله ولا يقدر عليه، كالشجر العظام التي تقلعها الرياح بعروقها.

وصدق الشاعر إذ يقول:

إن الرياح إذا عصفن فإنما تولي الأذية شامخ الأغصان

وقال آخر:

من أخمل النفس أحياها وروحها ولم يبت طاويًا منها على ضجر

إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترمي سوى العالي من الشجر

الوقفة الثالثة: ومن فوائد الحديث أيضًا أن الزرع يُنتفع به حصاده بخلاف الشجر؛ فإن خامة الزرع يحصده أربابه ثم يبقى منه بعد حصاده ما يلتقطه المساكين وترعاه البهائم، وهكذا مثل المؤمن، يموت ويخلف ما ينتفع به من علم نافع أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له، وأما الفاجر فإذا اقتلع من الأرض لم يبق فيه نفع، ربما أثر ضررًا فهو كالشجرة المنجعفة، لا تصلح إلا لوقيد النار، نسأل الله السلامة والعافية.

فحاول ـ أخي المؤمن ـ أن تكون كخامة الزرع تنفع في كل حال، وتنفع في كل وقت، ويكون نفعك لأغلب فئات المجتمع ولكل الناس؛ ليبقى لك أثر حتى بعد وفاتك.

نسأل الله عز وجل أن يحسن خاتمتنا.

أما بعد: الوقفة الرابعة: ومن فوائد هذا الحديث أيضًا وهذه فائدة لا بد من تدبرها أيها الإخوة، هو أن الزرع وإن كان له طاقة ضعيفة إلا أنه يتقوى بما يخرج معه وحوله، يعتضد به، بخلاف الشجر العظام، فإن بعضها لا يشد بعضا.

وقد ضرب الله تعالى مثل النبي وأصحابه بالزرع لهذا المعنى، فقال تعالى: وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [الفتح:29] ، فقوله تعالى: أَخْرَجَ شَطْأَهُ أي: فراخه، فَآزَرَهُ أي: ساواه وصار مثل الأم وقوي به، فَاسْتَغْلَظَ أي: غلظ وقوي، فالزرع مثل النبي إذا خرج وحده، فأمده الله بأصحابه وهم شطأ الزرع كما قويت الطاقة من الزرع بما نبت فيها، حتى غلظت واستحكمت، فاستوى على سوقه. فهذا يدل ـ أيها الإخوة ـ أن المؤمن وإن كان ضعيفًا بنفسه في بعض الأحيان أو في بعض الأماكن أو المواقف فهو قوي بإخوانه، كخامة الزرع التي تتقوى بما يخرج حولها من زرع آخر، ولهذا قال الله تعالى في حقهم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] ، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] . بينما قال الله تعالى في المقابل في حق المنافقين: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67] أي: أن بعضهم من جنس بعض في الكفر والنفاق، وقال تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14] . ويوضح هذا المعنى ما ورد في الصحيحين عن النبي أنه قال: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) )وشبك بين أصابعه، وفيهما أيضًا عن النبي: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالحمى والسهر ) ).

أيها المسلمون، إن المؤمن يصيبه من الشرور والمحن والأذى أكثر مما يصيب الكفار، والواقع شاهد بذلك، ولكن مصائب المؤمن مقابَلَة بالرضا والاحتساب، وذلك يخفف عليه ثقل البلاء، أما الكافر فلا رضا عنده ولا احتساب، وإن صبر على الأذى فكصبر البهائم، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] .

وأيضًا ـ أيها الإخوة ـ فإن ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر، وهذا ـ لا شك ـ فيه خير للمؤمن، يقول عليه الصلاة والسلام: (( عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن ) ).

عباد الله، إن المؤمن معرض في هذه الدنيا الزائلة أن يصيبه أي شيء، وقد تأتيه البلية من حيث لا يشعر، ولكن ـ أيها الإخوة ـ هناك سلاح عند المؤمن لو أحسن استخدامه لخفف عنه كثيرًا من الأذى والشرور، ألا وهو سلاح الدعاء الذي غفل عنه كثير من الناس، يعتمد أغلب الناس على أمور مادية في دفع المصائب، وما علموا أن الدعاء أنفع وأقوى.

فاتقوا الله أيها المسلمون، وتنبهوا لمثل هذه الأمور التي تعينكم في دنياكم وأخراكم، وصدق من يقول وهو يصف نفسه في حال بلاء وكيف أنه هُدي إلى هذا السلاح فتوجه إلى ربه قائلًا:

لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وقمت أشكو إلى مولاي ما أجِد

وقلت: يا أملي فِي كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد

أشكو إليك أمورًا أنت تعلمها ما لي على حَملها صبر ولا جلد

وقد مددت يدي بالذل مبتهلًا إليك يا خير من مُدَّت إليه يد

فلا تردنها يا رب خائبة ونَهر جودك يروي كل من يرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت