فهرس الكتاب

الصفحة 4401 من 5777

فضل الإسلام وعموم رسالته

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

الإيمان بالرسل, محاسن الشريعة, مكارم الأخلاق

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-عموم رسالة محمّد. 2- دعوة النبيّ الناس إلى الإسلام. 3- قصة أبي سفيان مع هرقل. 4- عظم خُلُق النبيّ. 5- دلائل النبوّة من قصّة هرقل. 6- دروس للدعاة إلى الله تعالى. 7- أهمية الأخلاق في الدعوة إلى الله تعالى.

أمّا بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، إن ممّا اختصّت به رسالةُ محمد أنها رسالةٌ عامّة لجميع الثقلين: الإنس والجن، العرب والعجم، فهو سيّد المرسلين وأفضلهم على الإطلاق، وخاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين. أمّا رسالات الأنبياء قبله فهي رسالة إلى أقوامهم، كلّ رسولٍ فإنما هو مرسَلٌ إلى قومه خاصّة، وتنقضي رسالتُه بانقضاء قومه، قال الله جل وعلا عن نوحٍ عليه السلام: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ [نوح:1] ، وقال عن هود عليه السلام: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ [الأعراف:65] ، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [الأعراف:73] ، وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [الأعراف:80] ، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [الأعراف:85] ، وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ [العنكبوت:16] ، وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ الآية [الأنبياء:51، 52] ، وقال عن عيسى عليه السلام: وَرَسُولًا إِلَى? بَنِى إِسْر?ءيلَ [آل عمران:49] ، وعن موسى أنه أرسله إلى فرعون خاصة: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَـ?هِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى? فِرْعَوْنَ رَسُولًا الآية [المزمل:15] .

وأما رسالة محمّد ففيها الشمول والعموم للكلّ، قال جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـ?لَمِينَ [الأنبياء:107] ، وقال: تَبَارَكَ ?لَّذِى نَزَّلَ ?لْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـ?لَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1] ، وقال: قُلْ ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ?للَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] ، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سبأ:28] ، وقال جل جلاله آمرًا نبيه أن يقول: وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانُ لأنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام:19] ، وقال: نَذِيرًا لّلْبَشَرِ [المدثر:36] .

أيّها المسلمون، ولما كانت رسالته بهذه المنزلة عامّة لكلِّ الخلق ابتدأ دعوتَه أولًا في قومه، فدعا إلى الله سرًّا من يثِق به مِن قومه، ثم أمره الله بأن يصدَع بدعوته: فَ?صْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ?لْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] . ولما هاجر إلى المدينة وقوِيت شوكة الإسلام وانقاد معظمُ الجزيرة للإسلام وجّه رسائلَه وكُتبه إلى الملوك وزعماء العالم، يدعوهم إلى الله، ويأمرهم بتوحيدِ الله.

فمِن كتبه التي كتبها أنّه كتب للنّجاشي حاكمِ الحبشة يدعوه إلى الله، فاستجاب لله وأسلم، ولما مات نعاه النبيّ وصلى عليه صلاةَ الغائب، وأخبرهم أنّه مات، فصفَّ الصحابة وراءه ثلاثةَ صفوف، وصلى بهم على النجاشيّ الذي أسلم وهو لا يزال بالحبشة [1] . وبعث كتابًا إلى مقوقس مصر يدعوه إلى الله، فلم يستجِب، لكنه قبِل الكتابَ، وأهدى للنبيّ شيئًا من الهدايا، منها مارية القبطيّة أمّ إبراهيم عليه السلام [2] . وبعث إلى كسرى الفرس فمزّق كتابَ النبي، فقال: (( اللهمّ مزّق ملكه، كما مزّق كتابي ) ) [3] . وبعث إلى هرقلَ قيصرِ الروم يدعوه إلى الله وإلى دينه [4] .

وكان في هذه القصّة من العجائبِ والفوائد ما الله به عليم، ذلك أنّ رسالته مقِرٌّ بها أهلُ الكتاب معترِفون بها وبحقيقتها، لكنهم أنكروا ذلك ظلمًا وعدوانًا، قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146] ، وقال: ?لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ?لرَّسُولَ ?لنَّبِىَّ ?لأمّىَّ ?لَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ?لتَّوْرَاةِ وَ?لإِنجِيلِ [الأعراف:157] ، فصفاته وأخلاقُه موجودَة في الكتُب السابقة، إلاّ أنّ أعداءَ الله اليهود أنكروا ذلك وجحدوه، قال تعالى: وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ?لَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ?للَّهِ عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ [البقرة:89] .

في كتاب النبيّ إلى قيصر الروم أمورٌ عظيمة تدلّ على كمال هذا الدين، وعلى كمال أخلاق النبيّ ، واعتراف أعدائه بكمال نبوّته وكمال أخلاقِه وصدقه فيما دعا إليه.

حدّث عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما عن أبي سفيان صخر بن حرب، وذاك بعدما أسلم أبو سفيان، قال أبو سفيان: كنّا في ركبٍ من قريش تجّارًا بالشام، فدعانا هرقل إلى مجلسه، فأتيناه ونحنُ بإيليا، فلما دخلنا في مجلسه قال لنا: أيُّكم أقرب الناس نسبًا بهذا الرجل؟ يعني محمدًا ، فقال أبو سفيان: أنا أقربهم به نسبًا، فقال لترجمانه: أدنِه مني، واجعلوا أصحابَه وراءَ ظهره، وإني سائله عن هذا الرجلِ الذي يزعم أنه نبيّ، أسأله فإن كذَبني فكذِّبوه، قال أبو سفيان: فوالله، لولا أني أخشَى أن يأثروا عني كذبًا لكذبتُ. فسأله عن أسئلة منها قوله: ما نسبه فيكم؟ قال: قلت له: إنّه فينا ذو نسب، قال: هل قال أحدٌ قبلَه قطّ تلك المقالة؟ قلت: لا، قال: هل من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا، قال: أشرافُ الناس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقُصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: وهل يرتدّ أحدٌ منهم سخطًا لدينه بعد إذ دخَل فيه؟ قلت: لا، قال: هل جرّبتم عليه كذِبًا قبل اليوم؟ قلت: لا، قال: هل يغدِر؟ قلت: لا، ونحن معه في مدّة لا ندري ما هو فاعِل، قال أبو سفيان: وما أمكنني أن أقول إلاّ تلك الكلِمة، قال: ما يأمركم به؟ قال أبو سفيان وهو إذّاك لم يسلِم، قال: يقول لنا: اعبُدوا الله لا تشركوا به شيئًا، ودَعوا ما [يعبد] آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة والصِّدق والعفاف والصِّلة. قال هرقل له مجيبًا: سألتُك عن نسَبه فقلتَ: إنه فيكم ذو نسب، وهكذا الرسُل تُبعَث في نسب قومها، وسألتُك: هل قال هذا القولَ قطّ قبله أحد؟ فقلت: لا، فقلتُ: لو كان قبله من قائلٍ لقلتُ: تأسّى بقول قيل قبلَه، سألتك: هل من آبائه من ملِك؟ فقلت: لا، قال هرِقل: لو كان له من آبائه مَلِك لقلت: رجلٌ يطلب مُلكَ آبائه، وقال له: سألتُك: أشرافُ الناس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهكذا أتباع الرسل، وسألتُك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلت: يزيدون، وهكذا الإيمانُ حتى يظهَر، وسألتُك: هل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعدَ إذ دخل فيه؟ فقلت: لا، قال هرقل: وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشتُه القلوب، وسألتُك عمّا يأمركم به، فأخبرتَ أنه يأمركم بعبادةِ الله وترك ما يعبد آباؤكم وبالصلاة والصّدق والعفاف والصّلة، فإن كان ما قلتَ حقًّا فسيملِك موضعَ قدميّ هاتين، ولو أخلُص إليه لتجشّمتُ المشقّة إليه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدميه، قال أبو سفيان: فخرجتُ وقلت: لقد أَمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة، وإنه ليخافه ملك بني الأصفر [5] .

أيها المسلمون، هذه أخلاقُ نبيّنا وهذه سيرته الحميدة، وهذه أعماله الجليلة، وهذه دعوته الصادقةُ ورسالته العامّة، هذه أخلاقه التي اعترف بها أعداؤه، أقرّ بها خصومه وأعداؤه المنازعون له، المحاربون له، المظهرون العداءَ له، ولكنّ الله أنطق ألسنتَهم بأخلاقه وصفاته، وبيّنوا حقيقةَ دعوته، فالمعارضون لدعوته لم يعارضوها تكذيبًا له، فهم يعلمون أنه أصدقُ خلق الله، وكان بمكّة يعرَف قبل البعثة بالصادق الأمين، كان أشدَّهم صِدقًا، كان أصدقَهم حديثًا، وكان أعظمَهم أمانة، فيسمّونه الصادق، ويسمّونه الأمين، فلقبه عندهم الأمين والصادق، كان أعفَّ خلق الله، لم يتعاطَ مسكرًا، ولم يقترف إثمًا، بل جبله الله على مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، أدّبه فأحسن تأديبه، وعلّمه فأحسن تعليمَه، فكان المثل الأعلى في الأخلاق والقيَم والفضائل والأعمال النبيلة.

أجل، تلك صفاتُ محمّد ، تلك أخلاقه العالية، وصدق الله: وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] .

هذا الوثنيّ إذّاك وقرينه نصرانيّ، والوثنيّ والكتابيّ كلُّهم أقرّوا بأخلاق محمّد ، واعترفوا له بأنّ ما دعا إليه هي مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال التي ينادي لها. إنها لحكمةٌ إلهيّة، ولهذا قال أبو سفيان: فما زال الإيمان في قلبي، أُحِبُّ الإيمان، حتى شرح الله صدري للإيمان [6] .

لنأخذ مِن هذه القصّة عظات وعبرًا، فهذا عدوّهُ، وكلّهم إذ ذاك أعداء له أقرّوا بأخلاقه، نسبُه ما اتهموه فيه، فهو خير الخلق نسبًا، قولُه الذي دعا إليه إنما هو بعد وحي الله له، ولذا قال الله عنه: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس:16] ، فهو قبل الرسالة لم يقل شيئًا، وإنما قال وأمر بعدما بعثه الله. ليس ذا مُلكٍ يطلب مُلكَه، ولكنه جاء رحمةً للعالمين؛ لأنّ أهل الأرض إذّاك قد عمّهم الجهلُ والضلال والبُعد عن الهدَى، وتساوى الجميعُ في ضلالهم وجهلِهم وظلُماتهم، فجاء الله به لينقِذَ الناسَ من الجهلِ إلى العلم، ويهديَهم من الضلال إلى الهدى، ويخرجَهم من الظلمات إلى النور، كِتَابٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ?لنَّاسَ مِنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَى? صِرَاطِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَمِيدِ [إبراهيم:1] .

نظر الله إلى أهل الأرض فمقتَهم عربَهم وعجَمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب.

إنّه أتباعه هم الضعفاء، وذوو الجاه استكبروا وعاندوا، وأتباعه يزدادون، فالحقُّ واضح، كلّ من سمع قوله ورأى شخصَه علم أنه الصادق الأمين، فاستجاب له، ولذا قال عبد الله بن سلام: فاستبنتُ وجهَه، فرأيتُ أنّه ليس بوجهِ كذّاب [7] .

والغدر والخيانةُ مترفّع عنهما، فهو لا يغدِر أبدًا، بل يوصي سراياه بقوله: (( لا تغدروا ) ) [8] ، والله يقول له: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال:58] .

الكذبُ متنزِّه عنه، فما عرف الكذبَ على الخلق، فكيف يكذب على الله؟! ولذا قال هرقل لما قال: إنه لما لم يكذب على الخلق عرفتُ أنه لا يكذب على الله، فالكذب والغدر منزّه عنه.

أوامرُه التي أمَر بها عبادةُ الله وتركُ ما هم عليه مما كان عليه أسلافهم من عبادةِ الأوثان والأصنام، فإن العربَ قبل بعثته [كانوا] يعبدون أنواعًا من الآلهة، حتى إنَ بعضهم يعبد سبعة، ستة في الأرض وواحدًا في السماء. هذا حصين أبو عمران قال: (( كم تعبد يا حصين؟ ) )قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: (( من تُعِدّ لرغبتك ورهبتك؟ ) )قال: من في السماء، قال: (( إن أسلمتَ علّمتُك كلماتٍ ينفعك الله بهن ) )، فلما أسلَم قال: (( يا حصين قل: اللهمّ ألهمني رشدي، وقني شرَّ نفسي ) ) [9] .

وقريشٌ إنما خاصَموا رسول الله لما أمَرهم أن يقصُروا العبادةَ على الله ولا يعبدوا مع الله غيره، قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عُجاب؟! فهو يأمرهم بعبادة الله والتجرّد عن كلّ معبود سِوى الله؛ لأنّ عبادة ما سوى الله إنما هي باطل وضلال.

أمرهم بالصلاة ثاني أركان الإسلام المبرهِنة عمّا في القلب من الإسلام والفارقةِ بين المسلم والكافر، أمرهم بالصدق، والصدق خلقٌ كريم، والصدقُ أساس الخير والهدَى، يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ?لصَّـ?دِقِينَ [التوبة:119] ، والصدق فضيلة والكذِب منقَصة ورذيلة، و (( الصدق يهدي إلى البر، والبرّ يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدُق ويتحرّى الصدقَ حتى يكتَبَ عند الله صدِّيقًا، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي للنار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذبَ حتى يُكتب عند الله كذّابا ) ) [10] .

فهو صادق فيما أخبر عن الله، فهو الصادق المصدوق، وصادق في أموره كلِّها، والمسلم يقتدي به في صدقه وديانته، وأصحابُه الكرام الذين تربَّوا على يده لما صدقوا الله في إيمانهم كما قال جل وعلا: مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?للَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ [الأحزاب:23] ، صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، ولذا نشروا الإسلامَ وفتحوا القلوبَ والبلاد وأرسَوا دعائم الشريعة، بأيّ شيء؟ بصدقهم في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم، فإيمانهم ظاهرًا وباطنًا سواء، لا يختلف الظاهرُ عن الباطن، فلمّا كانوا أهل صدقٍ في إيمانهم قاوموا جيوشَ فارس والروم رغم كثرة العدَد والعدّة، لكن قابلوهم بقلوبٍ مؤمنة، بنفوس صادقة، لا تعرف النفاقَ والمجاملة، وإنما الصدق في الإيمان والصدق في الجهاد والصدقُ في المعاملةِ مع الله، والصدق ينفع حتى الكافر الصادقَ في باطله ينفعه صدقه؛ لأن صدقَه يدلّ على ثبوته على ما هو عليه، لكن المؤمن صدقُه ينفعه حيًّا وميتًا، صدقه في حياته وصدقه يوم لقاء ربّه، قال الله: هَـ?ذَا يَوْمُ يَنفَعُ ?لصَّـ?دِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّـ?تٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ [المائدة:119] .

وإذا نظرتم إلى المستضعفين من المسلمين الذين يقاومون اليومَ قوةً كبرى من أكبر قوى العالم في عتادها وكثرتها وقلّة أولئك وضعفِ عددهم، ومع هذا صبروا أمام ذلك الزّحف الكافر الملحِد، وصدقوا وقاوموا، وحقًّا إنهم صدقوا؛ لأن هذا الصدق برهن عنه ذلك الثباتُ والقوة العظيمة، ومقاومةُ ذلك العدو المعروف بشراسته وقوّته البشرية والعددية والعدّة، ولكنّ الصدق مع أولئك، فأرجو أن يوفَّقوا لعملٍ صالح، وأن يصدُقوا الله في أقوالهم وأعمالهم، فالصدقُ نجاة وعزّ وكرامة، والكذب رذيلة وخيانة.

ويأمرهم بالعفاف، إنها كلمة عظيمة، العفاف في الأقوال والأعمال، طهارةٌ في الأقوال، وبعدٌ عن الرذائل وما ينافي الدين والمروءة، هكذا يأمرهم محمد ، فإنّ الله حرم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن، ومحمّد يدعو إلى العفافِ في الأقوال والأعمال، ويدعو إلى صِلة الرحم، تلك أخلاقٌ كريمة وأعمال فاضلة، ولذا قال هرقل الروم: إن كان ما قلتَ حقًّا فليملكنّ موضعَ قدميّ هاتين، ولكنّ الخبيثَ ضنّ بملكه، ولم ينقَد للإسلام ولم يقبَله، ضنّ بملكه وقدّم ملكَه على آخرته، وذاك عدلُ الله في خلقه، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .

قرأ على الروم كتابَ رسول الله الذي أرسل إليه: (( من محمد بن عبد الله إلى هرقل الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فأسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين، وإن لم تسلم فإنّ عليك عذاب الأريسيين، قُلْ ي?أَهْلَ ?لْكِتَـ?بِ تَعَالَوْاْ إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ?للَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ?للَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ?شْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64] ) ) [11] .

فالدعاةُ إلى الله إن سلكوا هذا المنهجَ العظيم، وهو منهَج محمّد في الدعوة إلى الله والتمسّك بهذا الدين قولًا وعملًا وصدَقوا الله في معاملته؛ فإنّ دعوتهم تُقبَل ويكون لها أثرٌ فعّال، وإنما يؤتى الناس من قِبَل أنفسهم، أقوال وأعمالٌ ليس بينها اتفاق، فالقول حسَن والعمَل يخالفه، فعياذًا بالله من مخالفة الأعمال للأقوال.

فالدعاة إلى الإسلام إن صدَقوا الله في دعوتهم وكانت دعوتهم قائمةً على أسُسٍ صالحة من منهج الكتاب والسنة والاقتداء بذلك والتأسِّي بما عليه سلفُ هذه الأمة وخيارها، فإنّ دعوتهم يرجَى لها خير، وهذا الإسلام إذا عُرض على الملأ بأخلاقِه وسماته العُلى فإنّ النفوس تقبَله، وإنما المصيبة قصورُ الدعاة في عَرض محاسِن هذه الشريعة وبيان فضائلها، فالإسلام إذا عُرض العرضَ الصحيح فالفِطر السليمةُ تقبله، وإنما يصدّ عنه مَن حال الله بينه وبين الهداية عياذًا بالله، وربّك يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ?للَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ?لَّذِى لَهُ مُلْكُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَئَامِنُواْ بِ?للَّهِ وَرَسُولِهِ ?لنَّبِىّ ?لأمّىّ ?لَّذِى يُؤْمِنُ بِ?للَّهِ وَكَلِمَـ?تِهِ وَ?تَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] رواه البخاري في الجنائز (1245، 1318، 1328، 1333، 1317، 1334) ، ومسلم في الجنائز (951، 952) عن أبي هريرة وعن جابر رضي الله عنهما، وثبت عن غيرهما من الصحابة.

[2] انظر: الإصابة ابن حجر (6/375-377) .

[3] أخرجه البخاري في المغازي (4162) عن ابن عباس رضي الله عنهما بمعناه.

[4] إرسال الكتاب إلى هرقل زعيم الروم أخرجه البخاري في بدء الوحي (7) ، ومسلم في الجهاد (1773) عن أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري في بدء الوحي (7) ، ومسلم في الجهاد (1773) .

[6] أخرجه البخاري في الجهاد (2782) ، ومسلم في الجهاد (1773) بمعناه.

[7] أخرجه أحمد (5/451) ، والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (2485) ، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيهما، باب: ما جاء في قيام الليل (1334) ، وصححه الحاكم (3/14) ، والمقدسي في الأحاديث المختارة (6/431) ، وهو في صحيح سنن الترمذي (2019) .

[8] أخرجه مسلم في الجهاد (1731) من حديث بريدة رضي الله عنه بنحوه.

[9] أخرجه الترمذي في الدعوات (3550) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2355) ، والبزار (3580) ، والطبراني في الكبير (18/174) عن عمران بن حصين رضي الله عنه، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وفي سنده شبيب بن شيبة وهو ضعيف، وقد أورده الألباني في ضعيف سنن الترمذي (3483) .

[10] أخرجه مسلم في البر (2607) عن ابن مسعود رضي الله عنه.

[11] أخرجه البخاري في بدء الوحي (7) ، ومسلم في الجهاد (1773) عن أبي سفيان رضي الله عنه.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، يروى عنه أنه قال: (( إنما بعثت لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق ) ) [1] ، فالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة هو ما عليه محمّد ، فكلّ خلقٍ كريم جاء به محمّد ، كلّ صفات رذيلة وأعمالٍ مشينة نهى عنها ، فهو داعٍ إلى كلّ خير، لا خيرَ إلا دلّنا عليه، لا شرَّ إلا حذّرنا منه، فالاقتداءُ به والتأسّي به في أخلاقه وأعماله هو خلُق المسلم، والداعي إلى الله الذي يأخُذ من منهَج محمّد طريقًا يسير عليه وصراطًا يسلكه هو الداعي الذي يمكِن لدعوته أن تؤثِّر بتوفيقٍ من الله، وإنما المصيبَة أن نعرِض عن منهجه، وأن نبتغيَ منهجًا غير منهجه وطريقًا غير طريقه، ونسلكَ صراطًا غير صراطه، فإذا سلكنا غيرَ ذلك فلا بدّ من نقص، وإنما جاءت البِدع والضلالات من أقوام لم يسلكوا منهجَ النبي.

خطّ النبي خطًّا مستقيمًا وقال: (( هذا سبيل الله ) )، ثم خطّ خطوطًا عن يمين ذلك الخط ويساره وقال: (( وتلك السبل، على كلِّ سبيل شيطانٌ يدعو إليه ) ) [2] ، فأربابُ البدَع والسلوك وأنواعُ الضلالات إنما نشأت من قومٍ بعدوا عن منهج محمّد ، وإنما استقام مَن استقام مِن الأمّة الذين ساروا على منهجه، واقتفَوا أثره، وتأسّوا به في أقواله وأعماله، أُوْلَئِكَ حِزْبُ ?للَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ?للَّهِ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22] .

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد ، كما أمركم بذلك ربكم، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

[1] أخرجه أحمد (2/318) ، والبخاري في الأدب المفرد، باب: حُسن الخلق (273) ، وابن سعد في الطبقات (1/192) ، والبيهقي في الكبرى (10/ 191) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الحاكم (2/616) ، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد البر في التمهيد (24/333) :"حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره"، وخرجه الألباني في السلسلة الصحيحة (45) .

[2] أخرجه أحمد (1/435) ، والطيالسي (244) ، والنسائي في الكبرى (6/343) ، والدارمي (202) ، وابن نصر في السنة (ص5) ، والبزار (1694، 1718، 1865) ، والشاشي (535، 536، 537) ، وأبو نعيم في الحلية (6/263) عن ابن مسعود رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (6، 7) ، والحاكم (3241) ، وصححه الألباني في تخريج شرح الطحاوية (525) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت