الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن, قضايا المجتمع
عبد المحسن بن محمد السميح
الرياض
جامع العزيزية مول
1-الدين شامل ومنظم لجميع شؤون الحياة. 2- استثمار الأموال في الشريعة. 3- الحذر من الدنيا. 4- حال المجتمع عند الإعلان عن الاكتتاب. 5- استثمار المال الضروري. 6- الاقتراض بالطرق الشرعية أو المحرمة. 7- الاستثمار بالأسهم المحرمة أو المختلطة وعواقب ذلك. 8- حالهم عند الربح والخسارة. 9- الانشغال عن الواجبات والمسؤوليات. 10- تأخير الصلاة عن وقتها. 11- نقص البركة من الرواتب. 12- انتشار الكذب والغش والاحتكار. 13- ظاهرة تقسيط الرواتب. 14- آثار سلبية بسبب الأسهم. 15- وفيات نتيجة هبوط الأسهم.
أما بعد: أيها المسلمون، لقد جاء الدين الحنيف شاملًا ومنظمًا لجميع شؤون الحياة، فما من جانب إلا وللدين فيه توجيهات وحدود ومعالم وتعليمات، وهذا من كمال الدين ولله الحمد والمنة.
ومن الجوانب التي جاءت الشريعة بتنظيمها ما يتعلّق بالأموال وتنميتها واستثمارها، والناظر في حال مجتمعنا هذه الأيام ليرى العجب العجاب، كيف يتحدث الصغار قبل الكبار في الاستثمار، وانشغلوا بثقافات اقتصادية لم يسبق لها مثيل على مستوى جميع الفئات العمرية.
عباد الله، حثّنا الدين الحنيف على أن نجمل في طلب الرزق الحلال، ولا نتجاوزه إلى الحرام فنقع في الخسارة والنكال، ولأن الدنيا حلوة خضرة تلهي طالبها وتنسيه التحري فيها فإن رسولنا قد حذّرنا منها فقال: (( فوالله، ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم ) )، وقال: (( من يأخذ مالًا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقه فمثله مثل الذي يأكل ولا يشبع ) )، وقال: (( ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال؛ أمن حلال أم من حرام ) ).
فما حال المجتمع مع هذه الطفرة المالية لا سيما في الأسهم المحلية؟! فعند الاكتتاب في بعض الشركات يتسارع الناس جميعا إلى تحريم ما لم يحرمه الله أو تحليل ما حرمه الله عز وجل، وهذا أمر لا يجوز لأنّ التحريم والتحليل لله تعالى وحده، قال سبحانه: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. والتحليل والتحريم جزء من التشريع للأمة، فهل ترضى أن تكون مشرِّعًا مع الله تعالى؟! فالتحليل والتحريم مردّه إلى أهل العلم المختصّين الخبيرين بالأمور المالية شرعًا وواقعًا؛ لأن المعاملات تعددت وتنوَّعت وتفرَّعت، وأصبح من الصعب على الفقيه أن يستوعب كل أنواع المعاملات. وهذا ليس لنقص الفقه عياذًا بالله، ولا نقصًا في العلماء، ولكن هذه الأمور تحتاج إلى خبرة خاصة في كيفية فهمها ومعرفة أنظمتها. والأولى في ذلك اعتماد قرارات المجامع الفقهية واللجان الشرعية، فإنها أقرب إلى الصواب من غيرها. وإذا وُجِد قولٌ لغيرهم من الفقهاء فهو رحمةٌ من الله؛ لأن في اختلافهم سعةً على الأمة، فبعد وفاة النبي أصبح اختلاف العلماء رحمةً للخلق وفسحةً في الحق وطريقًا بيِّنًا إلى الرفق، وهذا لا يعني جواز التشهي في الأخذ بما يروق للمسلم من أقوال أهل العلم، بل الواجب اتّباع الأقرب إلى الصواب من غيره لمعرفة الناس بسعةِ علمه وشدّة ورعه وتقواه.
فالواجب على الناس عندما يعلن عن الاكتتاب في شركة ما، الواجب عليهم أن تتَّسع صدورهم لاختلاف المفتين، وعدم تنقيص أحد العلماء سواء قال بالجواز أو الحلال أو الحرام، وما يشاهد من اختلاف وتنازع لا ينبغي أن يتطوّر ويورث البغضاء بين المسلمين.
أيها المسلمون، ومن أحوال بعض الناس مع الأسهم اليوم استثمار أو استقمار المال الضروري في الأسهم، المال الضروريّ كبيع ما يملك من مسكن أو مركب وما يدّخره لمستقبله ليستثمر أو يستقمر في هذه الأسهم، وينسى أو يتناسى أن التجارة كما أن فيها ربحًا ففيها خسارة، ناهيك عمّن أخذ قروضا بنكية بطريقة شرعية أو محرّمة، جعل كل ما يملك وما يدّخره في الأسهم، فبخل على نفسه وأهل بيته ولم يقم بواجباته. واستهان بعض الناس بالمضاربة في الأسهم المحرّمة، فما بالك بالمختلطة؟! والبعض الآخر لا يرى وجودا لأسهم تتعامل بالحرام في سوقنا المالية، فكلها حلال، وكأن مجتمعنا سلم من كلّ العيوب والذنوب.
تذكر ـ يا عبد الله ـ عواقب أكل الحرام، ففي الدنيا الاكتئاب والقلق والضيق والأمراض النفسية والاجتماعية، وفي الآخرة قال: (( لا يدخل الجنة لحم ولا دم نبت من سحت، النار أولى به ) ). فعلى المؤمن أن يتّقي الله، ولا يعرّض نفسه وأهله لأكل الحرام والشبهة، فإنّ استجابة الله للدعاء مقرونة بأكل الحلال، قال: (( يا سعد، أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة ) ).
واعلموا ـ يا عباد الله ـ أن الصدقة تطهّر المال من الشبهات، قال سبحانه في قصة أصحاب البستان: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم:17-20] ؛ وذلك بسبب أنهم تعهّدوا أن لا يدخلنها عليهم مسكين، فمنعوا الصدقة، فاحترقت المزرعة. وقال: (( ما نقص مال من صدقة ) )، وقال: (( يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشُوبوه بالصدقة ) ). فالبركة تلتمس بالصدقة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الحمد لله موزع أرزاق العالمين، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ، والحمد لله الذي كتب الأرزاق وقدرها في السماء، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي كان يدعو الله تعالى ويطلب منه السعةَ في الرزق، فكان يقول: (( اللهم ارزقني واهدني ) )، وكان يقول: (( اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني وانقطاع عمري ) )، وكان يقول: (( اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك ) ).
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وتعلقوا بخالقكم لعلكم تفلحون.
أيها المسلمون، إن الناظر في حال بعضنا مع الأسهم؛ إذا ربح في سهم ما وسّع الله عليه في رزقه ذلك اليوم نسي نفسه، ونسي قول الله: لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ، وينسى قول الله: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةْ فَمِنَ اللهِ ، أما إذا خسر فتراه يولوِل ويهدّد ويزمجر ويطالب المسؤولين بالتدخّل لحمايته وتعويض خسارته، وينسى أن هذه الخسارة هي من ربحه في الاستثمار أو الاستقمار، وليست من رأس المال، ولا يحمد الله على ذلك أبدا.
تذكروا حديث الأبرص والأقرع والأعمى الذين ابتلاهم الله تعالى بكثرة المال، فجحَد الأبرص والأقرع نعمة الله، وأقرّ بها الأعمى، فقال له الملك: إنما هو ابتلاء، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.
عباد الله، أشغلت المتاجرة بالأسهم البعض عن ذكر الله وعن أعمالهم ومسؤولياتهم وواجباتهم اليومية، في حين أثنى الله على فئة من الناس بقوله: رجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار. انتشرت ظاهرة تأخير صلاة المغرب عن وقتها أو التخلّف عن صلاة الجماعة في فرض المغرب أو جمعها مع العشاء أحيانا، انتشرت ظاهرة الخروج من العمل وزيارة صالات الأسهم بالبنوك، ألا ترى أن الرواتب قد نقصت فيها البركة أو ربما محقت بركتها تماما؟! ألم تضيّع الأمانة فمحقت بركة الرواتب؟! الجميع يتحدّث عن الأسهم، الرجال والنساء، الكبار والصغار، يتفنّنون في التحليل الاقتصادي صعودًا وهبوطا، الجميع وبقدرة قادر أصبح خبيرا اقتصاديّا ومحلِّلا ماليّا، ساعد في انتشار ذلك وسائل تقنيّة فاختلط الحابل بالنابل، فانتشرت الإشاعات والأقاويل والكذبات عن أسهم وشركات، وربما أكِّدَت بالأيمان المغلَّظة، والرسول يقول: (( من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله وهو عليه غضبان ) ). وهل تخلو هذه الأسهم من الاحتكار أو من الغش أو من النجش؟! ظواهر عديدة خرجت لنا وبقوّة مع ارتفاع شأن الأسهم؛ انتشرت ظاهرة الأقساط الشهرية فأصبح الإنسان رهنها، فما يستلم من راتبه إلا الشيء القليل؛ لأنه موزّع على من أقرضه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن حال المجتمع وهذا الوضع ينذر بخطر عظيم، فانتشار مثل ظاهرة الاستثمار أو الاستقمار وبهذا الحجم له آثار سلبيّة كبيرة، آثار سياسية واقتصادية واجتماعية لم يظهر منها على السطح إلا القليل. وراجعوا واقرؤوا التأريخ، واسألوا من حولنا من الدول المجاورة: كيف فعلت بهم الأسهم وبمجتمعاتهم صعودا وهبوطا؟ وخذوا العبرة والعظة.
ومما يؤسف له ما يحدث للبعض من وفيات نتيجةَ هبوط الأسعار، وصحيح أنه بقضاء الله وقدره وأنه مقدَّر عليهم، ولكن الأمر استفحَل، وظاهرة قد انتشرت، وما لم ينبر عقلاء ووجهاء المجتمع للمعالجة فإن الأمر ينبئ عن خطر عظيم وآثار سلبية كبيرة.
اللهم ارزقنا واهدنا، اللهم اجعل أوسع رزقك علينا عند كبر سننا وانقطاع عمرنا، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك، اللهم أطب مطعمنا واجعلنا مجابي الدعوة، اللهم اجعلنا ممن يأخذ مالًا بحقّه فيبارك له فيه، اللهم لا تجعلنا ممن يأخذ مالًا بغير حقه فنكون مثل الذي يأكل ولا يشبع، اللهم لا تجعلنا من الذين لا يبالون بما أخذوا المال أمن حلال أم من حرام، اللهم أصلح أحوال المسلمين...