فهرس الكتاب

الصفحة 2396 من 5777

أعظم سورة في القرآن

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير

أحمد حسن المعلم

المكلا

خالد بن الوليد

1-شيء من فضائل سورة الفاتحة. 2- شرح آيات السورة واستخلاص الدروس منها.

أما بعد, فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه وتعالى.

إخوة الإسلام, يقول الله عز وجل كما في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [الفاتحة:2] ، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ [الفاتحة:3] قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَـ?لِكِ يَوْمِ ?لدّينِ [الفاتحة:4] , قال الله: مجّدني عبدي، أو قال: فوض إليّ عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] , قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ [الفاتحة:6، 7] , قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) ).

إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم, نحن اليوم مع أعظم سورة في القرآن, إنها سورة الفاتحة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده, ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني ) ).

نعم, يا عباد الله, إنها فاتحة الكتاب وأم القرآن وأم الكتاب والقرآن العظيم، لأن معاني القرآن ترجع إلى ما تضمنته هذه السورة العظيمة، إنها شفاء من كل سم, كما أخبر الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم.

ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عندما أصيب سيد حي من أحياء العرب بلدغة عقرب فقرأ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه الفاتحة عليه برأ بإذن الله قال: كأنما نشط من عقال.

يقول أحد علماء الإسلام وهو ابن القيم رحمه الله:"ومكثت بمكة مدة يعتريني أدواء لا أجد لها طبيبًا ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا وكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا فكان كثير منهم يبرأ سريعًا".

معاشر المسلمين المؤمنين الموحدين, فسورة الفاتحة يحفظها الجميع صغارًا وكبارًا رجالًا ونساءً، ونكررها في اليوم والليلة مرات ومرات، ولكن أين من تأمل معانيها؟ وأين من يتدبر مراميها؟ أين من يعيش قضاياها العظيمة؟!

أين من يستحضر هذه المناجاة بين العبد وبين ربه وخالقه ومولاه، حين يقول العبد: ?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ يقول الله: حمدني عبدي, وحين يقول العبد: ?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ يقول الله: أثنى علي عبدي, وحين يقول العبد: مَـ?لِكِ يَوْمِ ?لدّينِ يقول الله: مجدني عبدي, وحين يقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.

فلنعش إخوة الإسلام مع قضايا هذه السورة العظيمة ومع آياتها السبع، أسأل الله أن ينفعنا ويرفعنا بهذا القرآن، وأن يجعله شافعًا لنا وحجة لنا لا علينا، وأن يجعله قائدنا ودليلنا إلى جناته جنات النعيم.

بسْمِ اللَّهِ ?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ [الفاتحة:1] , أبدأ باسم الله وأتبرك باسم الله، ولفظ الجلالة (الله) قيل إنه هو الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب.

?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ: اسمان من أسماء الله الحسنى، فأما الرحمن فهو عام لجميع المخلوقات يشمل كل الخلق, الإنس والجن والبهائم والدواب, المؤمن والكافر, والبر والفاجر، كما قال سبحانه وتعالى: وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7] ، والله سبحانه وتعالى له مائة رحمة، كما جاء في الحديث, أنزل في هذه الدنيا رحمة واحدة فقط بها يتراحم الخلق كلهم صغيرهم وكبيرهم مؤمنهم وكافرهم ناطقهم والأعجم, حتى إن الدابة لترفع رجلها عن وليدها ليرضع منها بهذه الرحمة.

وأما الرحيم فهي خاصة بعباد الله المؤمنين لقوله تعالى: وَكَانَ بِ?لْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43] .

?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ الألف واللام في الحمد يستغرقان جميع أجناس الحمد لله تعالى، الشكر والثناء لله سبحانه وتعالى وحده فهو المستحق للحمد والشكر دون سواه.

والحمد والشكر والثناء لله سبحانه وتعالى يكون بأمور:

أولها بالقلب, فيقرر ويعترف أن الله سبحانه هو صاحب النعم وهو المستحق للشكر والثناء وحده دون سواه وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?للَّهِ [النحل:53] , وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم:24] .

ثانيها باللسان, فيلهج بالذكر والشكر والحمد لله سبحانه وتعالى وحده.

ثالثها بالجوارح التي أنعم سبحانه وتعالى بها علينا, تُسخر في طاعة الله وتصرف عن معصية الله, وهذا هو الشكر الحقيقي لهذه النعم وكما قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ , الرب: هو المالك المتصرف, والعالمين: جمع عالم, وهو كل موجود سوى الله عز وجل، فالإنس عالم, والجن عالم, والملائكة عالم, والحيوان عالم وغيرها من العوالم التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ ، مَـ?لِكِ يَوْمِ ?لدّينِ يوم الدين هو يوم القيامة, يوم الجزاء والحساب, وإنما خص الله سبحانه وتعالى المُلك بيوم الدين مع أنه مالك يوم الدين ومالك يوم الدنيا لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يدعي الملك بخلاف الدنيا، فقد يدعي بعض الناس الملك والسلطان كما قال فرعون أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـ?ذِهِ ?لأَنْهَـ?رُ تَجْرِى مِن تَحْتِى [الزخرف:51] .

أما في ذلك اليوم فلا ملك إلا لله، ولا سلطان ولا جبروت إلا للواحد جل في علاه لّمَنِ ?لْمُلْكُ ?لْيَوْمَ لِلَّهِ ?لْو?حِدِ ?لْقَهَّارِ [غافر:16] .

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ هذه الآية من أعظم الآيات في القرآن الكريم، يقول بعض السلف: إن سورة الفاتحة هي سر القرآن, وسر الفاتحة هذه الآية إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وإياك مفعول به، وقد تقدم هنا ليفيد الحصر, أي لا نصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا لك يا الله، فلا نعبد إلا الله ولا نسجد ونركع إلا لله, ولا ندعو إلا الله، ولا نذبح إلا لله، ولا ننذر إلا لله، ولا نطوف إلا ببيت الله، ولا نقدم أي نوع من أنواع العبادة إلا لله. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ تبرُّؤٌ من الشرك، وقوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ تبرُّؤٌ من الحول والقوة والطول إلا إلى الله سبحانه وتعالى.

وقدم الله سبحانه وتعالى العبادة على الاستعانة مع أن الاستعانة داخلة فيها, لأن العبد لا يستطيع أن يعبد الله كما أراد إلا بتوفيق من الله وعون منه سبحانه وتعالى.

إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده

ثم يقول سبحانه وتعالى: ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ وهذا سؤال ودعاء من العبد لربه أن يهديه الصراط المستقيم, وقد ناسب هذا السؤال وهذا الدعاء بعد أن قدم العبد لربه الحمد والثناء والتمجيد والتفويض وتبرأ من الشرك وأخلص العبادة لله وتبرأ من حوله وقوته وطوله إلى حول الله وقوته وطوله فناسب بعد ذلك أن يسأل الله ويدعوه، وهذا أدب جليل من آداب الدعاء، ومن لاحظ دعاء الأنبياء والمرسلين وجد هذا الأدب واضحًا جليًا، فهذا ذا النون عليه السلام لما ابتلعه الحوت وأصبح في الظلمات ماذا قال؟! هل قال يا رب أخرجني, يا رب أنقذني, يا رب نجني؟ لا إنما أخذ يذكر الله ويثني عليه ويوحده ويسبحه وهو مع ذلك معترف بالذنب ومقرٌّ بالتقصير قال: لاَّ إِلَـ?هَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـ?نَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ?لظَّـ?لِمِينَ [الأنبياء:87] , وفي الآية الأخرى: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ?لْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143، 144] .

وهذا أيوب عليه السلام ابتلاه الله بالمرض فماذا قال: هل قال: يا رب اشفني, أو قال: يا رب ارحمني؟ لا، بل قال: أَنّى مَسَّنِىَ ?لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ?لرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] , مسني, ما قال: هدّني, وما قال: قتلني, وإنما قال: مسني لامسني ملامسة مع أنه ظل طريح الفراش ما يقارب سبعة عشر عامًا لا يقوى على الحركة وابتلاه الله عز وجل أيضًا في أمواله وأولاده, ففقد كل شيء، ومع ذلك حمد الله وشكره وأثنى عليه وظل ذاكرًا لله حتى شفاه الله عز وجل وأكرمه.

?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ أي دلنا وأرشدنا ووفقنا يا رب إلى صراطك المستقيم إلى الإسلام إلى الطريق الصحيح الموصل إلى الله وإلى جنته ورضوانه.

وهذا الدعاء, عباد الله, من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد، لذلك وجب على العبد أن يدعو به في كل ركعة من صلاته لضرورته إلى ذلك, لأن العبد بحاجة إلى هداية الله تعالى وتوفيقه في كل لحظة من لحظاته، ولذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بطلب الهداية من الله تعالى فيقول في دعائه: (( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على من بعثه الله جل وعلا هدى ورحمة للعالمين, محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله الطيبين الطاهرين.

عباد الله, اتقوا الله حق تقاته، واسعوا في مرضاته، وتدبروا القرآن الكريم، وتمسكوا بسنة خاتم النبيين، وتفقهوا في الدين، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

أما بعد, فقد وضح الله سبحانه وتعالى صراطه المستقيم وبينه, فقال سبحانه: ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والذين أنعم عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون كما قال سبحانه وتعالى: وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ ?لَّذِينَ أَنْعَمَ ?للَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ?لنَّبِيّينَ وَ?لصّدّيقِينَ وَ?لشُّهَدَاء وَ?لصَّـ?لِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] .

وقد جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( يا فلان مالي أراك محزونًا؟ ) )فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. فقال: (( وما هو؟ ) )قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك وغدًا ترفع مع النبيين، فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ ?لَّذِينَ أَنْعَمَ ?للَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ?لنَّبِيّينَ وَ?لصّدّيقِينَ وَ?لشُّهَدَاء وَ?لصَّـ?لِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.

ثم حذرنا الله سبحانه وتعالى من مخالفة هذا الطريق واتباع غير هذا السبيل, فقال سبحانه: غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ فأما المغضوب عليهم فهم اليهود. وغضب الله عليهم, لأنهم علموا وما عملوا، تعلموا العلم لكنهم ما عملوا بهذا العلم، فكان جزاؤهم أن غضب الله عليهم. وأما الضالين فهم النصارى, ما تعلموا فضلوا وتاهوا وحاروا.

وأما طريق أهل الإيمان فهو قائم على العلم بالحق والعمل به.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، ونسأله جل وعلا أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وحسن أولئك رفيقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت