فهرس الكتاب

الصفحة 2384 من 5777

أثر المعاصي في هلاك الأمم

الإيمان

الجن والشياطين

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

1-تغير حال المسلمين من العز إلى الذلة والمهانة له أسباب. 2- القرآن يضع أيدينا على الداء والدواء. 3- آثار الذنوب والمعاصي على الأمم والشعوب وسنة الله في ذلك كما حدثنا عنهم القرآن الكريم. 4- أقوال السلف في آثار الذنوب. 5- دعوة للتوبة.

أما بعد, فيا أيها المسلمون, اتقوا ربكم وأطيعوه وراقبوه دومًا ولا تعصوه.

عباد الله, لقد منّ الله على هذه الأمة فجعلها أمة هداية وقيادة وسيادة، اختارها الله لأشرف رسالاته وبعث فيها أفضل رسله وأنزل عليها أعظم كتبه ووعدها النصر إن هي نصرت دينه والكرامة والعزة إن هي تمسكت بطاعة ربها وسنة نبيها.

ولقد كان لهذه الأمة شرف قيادة العالم قرونًا طويلة، ثم انتُزعت قيادتها وزالت دولتها وتداعى عليها أعداؤها، فتتابعت عليها المصائب وتلاحقت عليها المحن والنوائب, والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الدواعي والعوامل التي أوصلت هذه الأمة إلى حضيض الغبراء بعد أن كانت في ذرا العلياء؟ وما الذي جرّ بها إلى هذا المنحدر السحيق وطوّح بها في أعماق هذا الواقع الغريق؟ وما الذي دهانا معشر المسلمين؟ وما الذي ودها أمتنا فذلت وهانت؟

والجواب الذي لا يختلف فيه اثنان، هو أن سبب ذلك كله الوقوع في الذنوب والمعاصي, ومما لا يقبل الجدل أن لله تعالى في هذه الحياة سننًا لن تتغير ولن تتبدل وتتحول, فالأمة التي تسير على شرع ربها ومنهاج رسولها تصل إلى مبتغاها وتنال مُناها والله يسددها وينصرها ويرعاها, وليس بين الله وأحد من خلقه حسبٌ ولا نسب، وإذا تركت الأمة أمر ربها وخالفت أحكام دينها وتنكبت صراط رسولها سلك الله بها طريق العناء والشقاء حتى تراجع دينها, وما أهون الخلق على الله إن هم أضاعوا أمره وخالفوا أحكام دينه وجاهروا بمعصيته, ما أهونهم على الله تبارك وتعالى إن هم فعلوا ذلك. ولهذا فإنه ينبغي علينا أن نعلم أنه ما من أمة في القديم والحديث عُذبت إلا بذنوبها، قال الله تعالى في سورة الأنفال: ذ?لِكَ بِأَنَّ ?للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى? قَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ ?للَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:53] .

وقال في سورة الرعد: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .

وقال في سورة الشورى: وَمَا أَصَـ?بَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] .

وفي الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله تعالى يغار, وغيرته تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه ) ).

أيها المسلمون, إن للذنوب والمعاصي أثرًا بالغًا على الأبدان والقلوب، وشؤمًا واضحًا في حياة الأمم والشعوب, قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى في ذلك ما خلاصته ـ أي في أثر الذنوب والمعاصي وأثرها على الأبدان والقلوب في حياة الأمم والشعوب ـ: فمما ينبغي أن يُعلم أن الذنوب والمعاصي تضر, ولا شك في أن ضررها على القلوب كضرر السموم في الأبدان، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي, فما الذي أخرج الوالدين من الجنة، وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه وبدّله بالقرب بُعدًا أو بالرحمة لعنةً, وبالجمال قبحًا وبالجنة نارًا تلظى. وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء على رؤوس الجبال ـ وهذا طبعًا على عهد نوح عليه السلام ـ وما الذي سلّط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم وصيرتهم عبرةً للأمم إلى يوم القيامة. وما الذي أرسل الصيحة على قوم ثمود حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم. وما الذي رفع قُرى اللوطية ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعًا ثم أتبعهم حجارة من سجيل أمطرها عليهم وما هي من الظالمين ببعيد، وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى, وما الذي أغرق فرعون وقومه في اليم ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم, فالأجساد للغرق والأرواح للحرق, وما الذي خسف بقارون وبداره وماله وأهله، وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات كلها فدمرهم تدميرًا، وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار, فقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرةً ثانية فدمروا وأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرًا، وما الذي سلّط عليهم أنواع العذاب والعقوبات مرةً بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرةً بجور الملوك, ومرةً بمسخهم قردة وخنازير, وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى أن يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب.

ما الذي فعل بهؤلاء المذكورين ما فعل وأحل بهم ما أحل من العقوبات، أليست المعاصي والذنوب.

ومضى رحمه الله تعالى يعدد عقوبات الذنوب والمعاصي وآثارها على الأبدان والقلوب مستقرئًا نصوص الكتاب والسنة ومتتبعًا أحداث الأمم والقرون وتاريخ المكذبين والمعاندين.

ومن عقوبات المعاصي، حرمان العلم والرزق, والوحشة والعسر والظلمة ووهن القلب والبدن وحرمان الطاعة ومحق البركة وهوان العبد على الله، قال الله تعالى في سورة الحج: وَمَن يُهِنِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ [الحج:18] نعم، من ذا الذي يُكرم عبدًا أهانه الله؟!

ومن عقوباتها أيضًا, فساد العقل ووهن العزيمة والختم على القلوب وإطفاء نار الغيرة وذهاب الحياء وإزالة النعم وإحلال النقم والخوف والرعب والقلق وعمى البصيرة ومنع القطر وحصول أنواع العذاب والبلاء والنكال والشقاء في الدنيا وفي القبر وفي يوم القيامة وبالجملة.

فكل شر وفساد في الماء والهواء والزروع والثمار والمساكن والعباد والبلاد والبر والجو والبحر والعاجل والآجل فسببه الذنوب والمعاصي.

وقد جاء كتاب الله الكريم بما يؤكد هذه السنن لا سيما عند ذكر قصص المكذبين ليكون فيها عبرةً وموعظة ومزدجرًا وذكرى, لكن لمن؟ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ?لسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] .

قال الله تعالى في سورة العنكبوت: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ?لصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ?لأرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ?للَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـ?كِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40] .

إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم

وداوم عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النِقم

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إن للحسنة ضياءً في الوجه ونورًا في القلب وسعةً في الرزق وقوةً في القلب والبدن ومحبةً في قلوب الخلق) .

من يفعل الحسنة يجد جزاءها ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما، ضياءً في الوجه، نورًا في القلب, سعةً في الرزق, قوةً في القلب والبدن، محبةً في قلوب الخلق.

ثم قال رضي الله عنه وعن أبيه: (وإن للسيئة سوادًا في الوجه وظلمةً في القبر والقلب ونقصًا في الرزق ووهنًا في القلب والبدن وبغضًا في قلوب الخلق) .

وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى عن أهل المعاصي:"إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين ـ يعني مهما تنعموا وتقلبوا في أعطاف النعيم وركبوا الخيول وناموا على حرير في قصور, مهما تنعموا ـ فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم ـ أهل المعاصي ذل المعصية لا يفارق قلوبهم ـ أبى الله إلا أن يّذل من عصاه".

أيها الإخوة الكرام, آن لأمة الإسلام أن تدرك أن ما أصابها في هذا الزمن من ضعف وفرقة واختلاف وتسلط من الأعداء إنما هو بسبب وقوع أبنائها في معاصي الله، أما كان الأجدر بها وهي تعايش أنواع العقوبات الدينية والدنيوية، النفسية والمعنوية التي جلبتها المحرمات. أما كان الأجدر بها أن تراجع دينها الحق وتدرك أن كل شرٍ وفساد فسببه الذنوب والمعاصي قال الله تبارك وتعالى في سورة النحل: أَفَأَمِنَ ?لَّذِينَ مَكَرُواْ ?لسَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ?للَّهُ بِهِمُ ?لأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ?لْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى? تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [النحل:45-47] .

فما أوسع حلم الله على عباده وما أشد إعراضهم عن ذكره تبارك وتعالى مع أنهم علموا أن الله قال في سورة الجن على سبيل المثال لا الحصر: وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن:17] .

أسأل الله العلي العظيم أن ينفعني وإياكم بالذكر الحكيم وبهدي نبيه الكريم, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الكبير، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله البشير النذير اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

عباد الله, اتقوا الله ربكم واعلموا أن المعاصي ما حلّت في ديارٍ إلا أهلكتها, ولا في قلوب إلا أعمتها، ولا في أجساد إلا عذبتها, ولا في أمة إلا أذلتها, ولا في نفوسٍ إلا أفسدتها, ولا في مجتمعاتٍ إلا دمرتها, واعلموا أن المسؤولية لصد وباء الذنوب وعواقبها الوخيمة عن ديننا ومجتمعاتنا تقع على عاتق كل مسلم: (( كلكم راعٍ, وكلكم مسؤول عن رعيته ) ).

فكلٌ يقوِّم نفسه ويحفظ أسرته ويربي أولاده على حب الخيرات وترك المنكرات, والله سائلٌ كل راع عما استرعاه يوم القيامة حفظ أم ضيّع، ويسعى كلٌّ حسب طاقته لتطهير مجتمعه ومحيطه من أدران المعاصي, واعلموا رحمكم الله أنه ما نزل بلاءٌ إلا بذنب, ولا رُفع إلا بتوبة، فلتهلج الألسنة بالاستغفار المستمر والتوبة الدائمة النصوح لعل الله يعفو ويتوب ويتجاوز فإنه وعد من يتوب إليه ويستغفره بالعفو والتوبة والغفران قال في سورة الزمر: قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر:53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت