التوحيد
الربوبية, الشرك ووسائله
صلاح بن محمد البدير
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-دلائل ربوبية الله تعالى. 2- ربوبية الله تعالى. 3- أعظم الذنوب الشرك بالله تعالى. 4- قدر الله تعالى حق قدره. 5- فضل بلاد الحرمين. 6- وجوب طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه. 7- كيد أعداء الإسلام.
أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، اتقوا الله فإنَّ تقواه أفضل زاد وأحسن عاقبةٍ في معاد، إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: 49] .
أيّها المسلمون، خلَق الله الخلقَ العجيبَ والكونَ المَهيب دلالةً وحجّة على ذاته وصفاتِه وعظمته وكبريائه وكمالِ قُدرته وجَلِيلِ آياتِه، لا يوصَف بشيءٍ من مخلوقاته، بل صفاته قائمةٌ بذاته، كلُّ شيء تحتَ قَهرِه وتسخِيره، وكلُّ شيء تحت تدبيرِه وتقديرِه، ولِيَ كلَّ شيءٍ بعزِّ جلاله وعظمةِ سُلطانه، المتصرِّفُ في خلقه بما يشاء، المتفرِّد بالدوام والبقاء، المالِكُ للثواب والجزاءِ، الواحِد الأحَد، الفَردُ الصمد، لا مغالبَ له ولا ممانع، ولا معقِّب لحكمه ولا منازِع، ولا مناهِض لأمره ولا مدافع.
قهَرَ كلَّ شيء بقدرته، ودان كلُّ شيء لعظمته، الخالق البارئ المصوِّر، المدبِّر المسخِّر المقدِّر، ليس له من خلقِه نظيرٌ يُساميه، ولا قَريبٌ يدانيه، وهو الذي مدَّ الأرض، ومهَّدها في الطولِ والعَرض، وثبَّتَها بالجبالِ الراسيَة، وشقَّ فيها الأنهار الجارِيَة، وجعلها فراشًا ومعاشًا، يتردَّد الناس في أقاليمها وأرجائها، ويمشون في مناكِبِها وفي أقطارها، وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: 4] ، هذه سَبخة مالحة، وهذه طيِّبة صَالحة، وهذه مُرمِلة، وهذه مُحجِرةٌ، وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [لقمان: 10] . أنبَت الأرضَ والثَّرى، وفَلقَ الحبَّ والنوى، وكان الثمَرُ حطَبًا، ثم صار بقدرَتِه عِنبًا ورطبًا.
خلَق السماء بلا وتَد، ورفَعَها بلا عَمَد، وجعلها عاليةَ البناء، بعيدةَ الفناء، مستوِيَة الأرجاء، مكَلَّلةً بالكواكبِ في الليلةِ الظلماء، مزيَّنَة بالنجوم الزاهرة والأفلاكِ الدائرة، فلا فُروجَ ولا شقوق، ولا فُطور ولا فُتوق، الشمسُ والقمرُ يتعاقبان، واللّيلُ والنّهار يتقارضان.
خَلَق النارَ المحرِقَة والبِحارَ المغرِقَة، وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [الحج: 65] ، تسرَح في البحر العَجاج المتلاطِمِ الأمواج إلى الأقاليمِ النَّائِيَة والآفاق القاصِيَة، تحمِل المنافع، وتُقِلّ البضائع. وجعل النجومَ بحسنها وضوئها هدايةً لسالكي القِفار وراكِبي البحار ومَواقيتَ للزروع والثمار.
خَلَقكم من نفسٍ واحدةٍ، وصوَّركم فأحسَنَ صُوَركم، وجعل لكم سمعًا تدركون به الأصوات، وبصرًا تحسُّون به المرئيَّات، وجعَل لكم اللِّباسَ والرِّياش، ورَزَقكم من صنوفِ المعاش، ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 102، 103] .
ولا أعظَم ذنبًا ولا أكبر جُرمًا ممَّن جعل لله ندًّا وضِدّا، فعن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: (( أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقَك ) )متفق عليه.
فويل للَّذين يعبدون الحجارةَ الموات والأضرحَةَ والأموات، يذبحون لها القرابين، ويجتَمِعون حولَها طائِفين وساجدين، معتقدين أنها تنفَع من دعاها وتدفع من لاذَ بحِماها، يتَّخذون أهلَها شفعاءَ ووُسَطاء، ويُنزِلونَهم منزلةَ الخالق في إجابةِ الدعاء وسماعِ النِّداء، ويروِّجون كذِبًا وزورًا حَديثًا موضوعًا: (إِذَا أَعيَتكُمُ الأمورُ فعليكم بأصحابِ القبور) ، وهو كذِبٌ على الله، وكذب على نبيِّنا وسيِّدنا رسولِ الله.
فيا سبحان الله! يا سبحان الله! كيفَ أوجبُوا لها الشركةَ في العبادَة وهي لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، ولا تجلب خيرًا ولا تدفَع شرًّا، ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: 13، 14] .
أيّها المسلِمون، من اعتَبَر بمخلوقاتِ الله الدّالّةِ على ذاته وصفاته وشَرعِه وقدَرِه وآياته لا يتعلَّق قلبه بأمواتٍ، ولا يرجو نفعًا أو يخشَى ضرًّا من رُفات، بل يعلِّق قلبَه بمولاه الذي لا يكشِف ضرَّ المضرورين سواه، الخالِق الذي خلق الكواكبَ النيِّرات والرياح المسخَّرات والسحُبَ الحاملات والبحار الزاخرات والأجنَّة في بطون الأمهاتِ وخلق جميع المخلوقات.
ومَن فَهِم مَا في هذه المخلوقاتِ مِن الحِكَم الدالّة على عظَمَةِ الخالق وقدرَتِه ورحمته وحِكمته لم يلجَأ عند مرضِه وشدَّتِه إلى ساحر أو كاهنٍ أو مشعوِذ أو دجّال يفسد عليه دينه وعقيدتَه، ولم يتعلَّق قلبُه بِحِلَقٍ يَلبَسها أو خيوطٍ يَربطها أو تمائِم يعلِّقها أو شاةٍ للجنِّ يذبحها، بل يتوجَّه إلى الله بالطّلَب والدعاءِ والمسألة والنِّداء والتضرُّع والرجاء؛ لأن الله هو النافع الضارّ، فعن أبي تميمةَ عن رجلٍ من قومه قال: شهدتُ رسولَ اللهِ وأتاه رَجلٌ فقال: أنتَ رسول الله؟ فقال: (( نعَم ) )، قال: فإلامَ تدعو؟ قال: (( أدعُو إلى الله وحدَه، مَن إذا كانَ بِكَ ضُرٌّ فدَعوتَه كشَفَه عَنكَ، وَمَن إِذَا أصابَك عَامُ سنةٍ فدَعوتَه أَنبَتَ لك، ومَن إذا كُنتَ في أَرضٍ قَفرٍ فَأضلَلْتَ فدَعَوتَه رَدَّ عَلَيكَ ) )، قال: فأسلَمَ الرَّجلُ. أخرَجَه أحمَد وأبو دَاودَ [1] .
أيّها المسلِمون، ومن تمكَّن وقارُ الله وعظمته وجلالُه من قلبه لم يجتَرئ على معاصيه، ولم يتوثَّب على مناهِيه، وكيف يقدِّره حقَّ قدره ويعَظّمه حقَّ تعظيمِه ويوقِّره حقَّ توقيره من هان عليه أمرُه فعصاه، وحقُّه فضيَّعه وتناساه، وقدَّم على طاعةِ ربِّه هواه، وآثر الدنيا على طلَب رِضاه، يستحي من الناسِ ولا يستحي من الله، ويخاف مِن نَظَر المخلوقِين ويستخِفّ بنظر الله، ويخشى الناسَ ولا يخشَى مِنَ الله، ويطيع المخلوقين في مَعصِيَة الله الذي لا يستحِقّ كمالَ التعظيم والإجلال والتألُّه والخضوع والذلِّ سِواه؟! وأيُّ فلاحٍ وأيُّ رجاءٍ يَرجوه مَن أغضَب ربَّه الّذي لا بدَل له منه، ولا عِوَض لَه عَنه، ولا حَول له ولا قوّة إلاّ به؟! ولو كان قويًّا غنيًّا
ما يَصنَع العبدُ بعزِّ الغِنَى والعزُّ كلُّ العِزِّ للمتقي
من عرف الله فلم تُغنِه مَعرفةُ الله فذاك الشَّقِي
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه: 124-127] .
بارَك الله لي ولَكم في القرآنِ والسنَّة، ونفعني وإيَّاكم بما فيهما من البيِّنات والحِكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفِر الله لي ولكم ولسائر المسلمين مِن كلِّ ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
[1] مسند أحمد (5/377) ، سنن أبي داود: كتاب اللباس (4084) ، وهذا لفظ أحمد وإسنادُه، أما أبو داود فأخرجه من طريق أبي تميمة عن أبي جري جابر بن سليم قال: رأيت رجلا.. وذكر القصة نحو رواية أحمد، وهو في صحيح الجامع (244) وصحيح سنن أبي داود (3442) .
الحمد على إحسانِه، والشّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِه، وأشهَد أنَّ نبيَّنا وسيِّدَنا محمّدًا عبدُه ورسوله الدّاعي إلى رضوانه، صلّى الله عليه وعلَى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، اتّقوا الله وراقِبوه، وأطيعوه ولا تَعصوه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119] .
أيّها المسلمون، إنَّ هذه البلادَ المباركةَ هي مهبِط الوحي وموئِل العقيدة ومَأرِز الإيمان وحَرَم الإسلام ووَطَن الخير والسلام، بلادُ الحرمين الشريفَين وراعِيَةُ المسجِدين العظيمَين وخادِمَة المدينَتَين المقدَّسَتَين، سَكَنُها مَع الإيمان شرفٌ بالِغ، واستيطانُها معَ التَّقوى عزٌّ شَامِخ، حِفظُ أمنها واجبٌ معظَم، وصيانةُ حَوزَتِها فرض محتَّم، والسمع والطاعة لإمامها فريضةٌ على كل مستوطِن ومقيم، فلا دينَ إلا بجماعة، ولا جماعةَ إلا بإمامةٍ، ولا إمامةَ إلا بسمع وطاعة، ومن خلَع يدًا من طاعة لقِيَ اللهَ يومَ القيامة لا حجَّةَ له، ومن ماتَ ولَيس في عنقِه بيعةٌ مات ميتة جاهليّةً، ومن خرج على إمامِ المسلمين ونابَذ أمره وقاتَل جندَه ونقَض عهده وشهَر سيفَ الفتنة ضدَّه فهو مبتدَع على غير السنّة وطريقةِ السلف، لا تجوز مداهنته ولا معاونتُه ولا التستُّر عليه.
أيّها المسلِمون، في زمنٍ نرَى فيه العَدوَّ المتربِّص بالأمّة يقتحِم حصونَها ويخترِق صفوفَها ويجتاح بلادَها، يتسلَّل إلى أهلها فيذكِي العَصباتِ العِرقيّة والنعرَات الجاهليّة والنزاعات الطائفيّة، ويتسلل إلى أرضها فيفجِّر العنف، وينشر الخوفَ، ويسلُب الأمنَ، ويقبَع في العقر والدار، ويتسلَّل إلى مكان قوَّتها، فيغتصب ثرواتها، ويسلب خيراتِها، ويستولِي على مقدَّراتها، ويتسلَّل إلى عمقِها، فينشر مذهبَه الإباحيّ وفكرَه العلمانيّ ونهجَه الإفساديّ والتخريبي، في هذا الوقت العصيبِ يجب أن نكون مع ولاة أمرِنا صفًّا واحدًا ضِدَّ كلِّ خارجٍ عن الطاعةِ ومفارقٍ للجماعة.
ونحن والحمد لله تسوسُنا أيدٍ أمينةٌ تنصُرُ الدينَ وتحمي الوطَنَ وتصون الشَّرفَ وتحفَظ العِرض، ولا ندَّعي الكمال، بل النقص موجود، ومَن رأى قصورًا أو أثرَة أو منكرًا فلا يجوز له أن يسلكَ مسالكَ التخريب والهدمِ والفوضى، بل عليه أن يبذلَ النصح لولاة الأمرِ سرًّا لا علانية، ومن أنكر ونصَح فقد برِئ وسلِم وأدّى ما عليه.
وندعُو لولاةِ أمرِنا بالحفظِ والتوفيق والهدايةِ والصلاح، قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى:"لو أنَّ لي دعوةً مستجابة لجعَلتُها للإمامِ؛ لأنَّ به صلاحَ الرعيّة، فإذا صلح أمنِت العباد والبلاد".
يا من ترجو النجاةَ، احذر المسالكَ النادَّةَ والآراء الشّاذَّة والأغالِيط المدمِّرَة والحجَجَ الواهية والفتاوى المجهولة والعواطِفَ العاصِفة والقنواتِ والمواقعَ العنكبوتيّة المغرِضة، والزَم غرزَ العلماءِ في هذه البلاد، ولا تكن ممن أُرشِد فالتَوى ودُلَّ فتولَّى وبُصِّر فاستحبَّ العمى على الهدى ونُهِي فما انتَهَى، فلن يُترَك أمنُ هذه البلاد لعَبَث غِرٍّ جاهل أو حاقِد، ولا لعدوٍّ متربِّص أو حاسد، وستظلّ بلاد الحرمين الشريفَين بحول الله وقوَّتِه ثمّ بعَزَمات رجالها وصِدق ولاتها ونُصح علمائها آمنةً مطمنّة ساكنة مستقرَّة، وإن رغِمَت أنوف من أناس فقل: يا ربِّ لا تُرغِم سِواه.
اللّهمّ آمنّا في أوطاننا، واحفظ اللّهمّ ولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامنا ووليّ أمرنا، اللّهمّ وهيّئ له البِطانة الصالحة الناصحة الصادِقة التي تدلُّه على الخير وتعينُه عليه، واصرِف عنه بطانةَ السوء يا ربَّ العالمين، اللّهمّ أدِم على بلادِ الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءها وعِزَّها واستقرارها، ووفّق قادتها لما فيه عزّ الإسلام والمسلمين وخدمة الحجاج والزوار والمعتمرين...