فهرس الكتاب

الصفحة 3786 من 5777

من أدب الإسلام في الاستئذان وحرمة البيوت

الرقاق والأخلاق والآداب

الآداب والحقوق العامة

فرج بن حسن البوسيفي

بنغازي

الأرقم بن أبي الأرقم

1-الرفق في طرق الباب. 2- الطرق ثلاث مرات بينها فاصل. 3- عدم الوقوف أمام الباب. 4- التعريف باسمك الصريح عند سؤالهم عنك. 5- التماس الأعذار لمن لم يستقبلك. 6- أب غض البصر عند الاستئذان.

إذا طرقت باب أخيك أو صديقك أو بعض معارفك أو أحد تقصده فدقّ الباب دقًّا رفيقًا يُعرّفه وجود طارقٍ بالباب، ولا تدقّه بعنف وشدة فتروّعه وتخلّ بالأدب. جاءت امرأة إلى الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لتسأله عن شيء من أمور الدين، ودقت الباب دقًّا فيه بعض العنف، فخرج وهو يقول:"هذا الشُّرَط"، جمع شُرطي. وقد كان الصحابة يقرعون باب رسول الله بالأظافر، أدبًا منهم مع رسول الله.

وهذا الدق اللطيف الرفيق مطلوب فيمن كان جلوسه قريبًا من بابه، وأما من بعد عن الباب فيقرع عليه قرعًا يسمعه في مكانه من غير عنف، فإن الرّفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من يحرم الرفق يحرم الخير كله ) ).

وينبغي أن تجعل بين الدقتين زمنًا غير قليل؛ ليفرغ المتوضّئ من وضوئه في مهل، ولينتهي المصلي من صلاته في مهل، وليفرغ الآكل من لقمته في مهل. وقدّر بعض العلماء الانتظار بين الدقتين بمقدار صلاة أربع ركعات، إذ قد يكون في بدء طرقك الباب قد بدأ بصلاتها.

وإذا طرقت ثلاث مرات متباعدة ووقع في نفسك أنه لو كان غير مشغول عنك لخرج إليك فانصرِف، فقد قال رسول الله: (( إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فلينصرف ) ).

ولا تقف عند استئذانك أمام فتحة الباب، ولكن خذ يَمْنة أو يَسْرة، فقد كان رسول الله إذا أتى باب قوم لم يستقبله من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر.

وإذا طرقت بابًا فقيل لك: من هذا؟ فقل: فلان، باسمك الصريح الذي تُعرف به، ولا تقل: واحد، أو أنا، أو شخص، فإن هذه الألفاظ لا تفيد السائل من خلف الباب معرفةً بالشخص الطارق. ولا يصح لك أن تعتمد على أن صوتك معروف عند من تطرق عليه؛ فإن الأصوات تلتبس وتشتبه، وإن النغمة تشبه النغمة، وليس كل من في الدار التي تطرق بابها يعرف صوتك وحسك أو يميزه، والسمع في تمييزه الأصوات يخطئ ويصيب.

وقد كره النبي قول الطارق: أنا؛ لأنها لا تفيد شيئًا، قال جابر بن عبد الله: أتيت النبي فدققت الباب، فقال لي: (( من هذا؟ ) )فقلت: أنا، فقال النبي: (( أنا، أنا ) )، كأنه كرهها.

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسمون أنفسهم إذا قيل لهم: من هذا؟ قال أبو ذر: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله يمشي وحده، فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: (( من هذا؟ ) )فقلت: أبو ذر. وقالت أم هانئ أخت سيدنا علي وابنة عم النبي رضي الله عنها: أتيت النبي وهو يغتسل وفاطمة تستره، فقال: (( من هذه؟ ) )فقلت: أنا أم هانئ.

و إذا زرت بدون موعد أو على موعد سابق فاعتَذَر لك المزور عن قبول زيارتك له فاعذره؛ فإنه أدرى بحال بيته وملابسات شأنه، فقد يكون جدّ لديه مانع من الموانع الخاصة، أو حصل عنده من الحرج ما لا يسمح له باستقبالك وقتئذ. قال التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي:"ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم، فإن لك حاجات ولهم أشغالًا، وإنهم أولى بالعذر". وكان الإمام مالك يقول:"ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره". ولذا كان من أدب السلف عند زيارتهم أن يقول الزائر للمزور: لعله بدا لك مانع، تمهيدًا لبسط العذر من المزور فيما لو اعتذر.

ولأهمية هذا الأدب واقتلاع ما قد يعلق ببعض النفوس من جرّاء الاعتذار نص الله تعالى عليه في كتابه الكريم، فقال في معرض الزيارة والاستئذان والدخول: وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28] . وفي هذا الأدب القرآني العظيم مندوحة عما يقع فيه بعضهم حين يحرج بزيارة من لا يرغب بلقائه، فيضطر إلى الإخبار بعدم وجوده في البيت ويكون هو فيه، فيقع منه الكذب، ويتعلم صغاره منه ذلك الخلق المكروه أيضًا، وقد ينجم عن سلوكه هذا العداوة والإحن في الصدور. والهدي القرآني الكريم جنبنا الوقوع في ذلك كله، إذ جعل بوسع المزور أن يتلطف بالاعتذار لأخيه، وطلب من أخيه أن يقبل عذره: وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [النور:28] .

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه الأذكار في أواخر باب في مسائل تتفرع على السلام:"يستحب للمسلم استحبابًا متأكدًا زيارة الصالحين والإخوان والجيران والأصدقاء والأقارب، وإكرامهم وبرهم وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم، وينبغي أن تكون زيارته لهم على وجه لا يكرهونه، وفي وقت يرتضونه، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة".

وعندما تستأذن على بيت غيرك لتدخل إليه حافظ على بصرك من أن يقع على داخل الدار أو عورة فيها، فإن ذلك عيب وإساءة، فقد جاء رجل فقام على النبي يستأذن مستقبل الباب، فقال له النبي: (( هكذا عنك ) )، يعني نحّاه وأمره بالتباعد قليلًا عن مواجهة فتحة الباب، ثم قال له: (( فإنما الاستئذان من أجل النظر ) ). وقال رسول الله: (( لا يحلّ لامرئ أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل ) )أي: إن نظر قبل أن يستأذن صار في حكم الداخل بلا استئذان، وهو محرم عليه. قال رسول الله: (( إذا دخل البصر فلا إذن له ) ). قال عمر بن الخطاب: (من ملأ عينه من قاعة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق) . واطلع رجل من ثقب أو خرق في حجرة النبي ، ومع النبي مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله قال: (( لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) ).

وهذا الخلق يتأكد ويزداد طلبًا ممن يسكن في الأماكن المرتفعة كالعمارات، أو من يعمل أو يكون في الأسطح أو الشرفات، أو يعمل في مكتب، أو يكون في سيارة أو شاحنة أو حافلة مرتفعة وفي جواره سيارة منخفضة فيها نساء مؤمنات هن بمثابة أخته أو زوجته، أو يقف في شارع ومقابله نافذة أو شرفة أو باب مفتوح، فلا يحل لك إلا غض البصر وعدم التجسس وعدم أذية المؤمن في بنته أو أخته أو زوجته، وكذلك يتوجب على رواد الأسطح أن لا ينظروا مما يُسمّى (بالمنور) ، ومنه تطل نوافذ دورات المياه وغرف النوم، ففي ذلك هتك لعورات المسلمين، والكفار يتنزهون عن هذه القاذورات، فمن الأولى بالمسلمين أن يتقوا الله في إخوانهم المسلمين، وكما تدين تدان، فكما أنك تكره أن تتأذى في عرضك فكذلك إخوانك، وأحب لأخيك ما تحب لنفسك.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت