الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي, قضايا الأسرة
عبد الله الهذيل
الرياض
فيحان
1-التحذير من محقرات الذنوب. 2- بعض مداخل الشيطان. 3- الصغائر بريد الكبائر. 4-
أثر التوافه على حياتنا الاجتماعية.
أما بعد:
أيها الأحبة في الله، كثيرًا ما يقف المرء أمام عظائم من الأمور موقف الشجاعة والحذر، فله من دونها حصن لا تستطيع أن تهجم عليه بكليتها، وإن سعت إليه، ونادى مناديها عليه لاقاها بحزمه وعزمه.
ولكن ثمة ثغور لم تحظ بتحصين، بل ولم يُرعَ لها بال، ظلت تنفذ من خلالها توافه الأمور واحدة تلو الأخرى، يشد بعضها بعضًا حتى يشتد عودها، وتستحكم حلقاتها، وتُغلق على ذلك الحزمِ والعزمِ، حتى يضحى ذلك الثابت أمام مَوْجها وإعصارها، أسيرًا بين يديها.
وهكذا حين يستسلم المرء لتلك التوافه حتى تغلبه على أمره.
يحكي ذلك المثل المضروب بتلك الأشجار التي امتد طولها، واشتد ساقها، لطالما وقفت عاتية أمام الصواعق والأعاصير، تهزها مرة بعد مرة في قرون طوال، وهي جاثمة مكانها كالجبال الرواسي، ولكن لما زحفت إليها جيوش الهوام والحشرات وبدأت تنخرها شيئًا فشيئًا، سوتها بالأرض.
وما حشرة صغيرة من الضآلة بمكان، بحيث يستطيع الإنسان أن يسحقها بين سبابته وإبهامه أمام تلك الأعاصير المهلكة؟!
وهكذا حين يستسلم المرء للتوافه حتى تلتهم حياته التهامًا.
أيها الأحبة في الله، وكم لتلك التوافه من عواقب وخيمة، لم تبدُ لصاحبها لأول وهلة، فغض الطرف عنها، واسترسل في دركاتها، حتى بلغ هاويةٌ لم يسطع عنها فِكاكًا، فأفسدت له دينه، وأوبقت له دنياه.
ولذا كان مقتضى البصيرة والتقى التنبه لها، والحذر منها، وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأتباعه، فقد قال يوم الحج الأكبر: (( ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن سيكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به ) ) [1] .
وفي المسند من حديث ابن مسعود أن النبي قال: (( إياكم ومحقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا ببطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبُها تهلكه ) ) [2] .
وعند النسائي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (( يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبًا ) ) [3] .
أيها الأحبة في الله، إن الشيطان قعد لابن آدم في كل طريق، يعرض عليه بضاعته في أطباق شتى، كلما ردّ منها شيئًا عرض عليه آخر، حتى يصيب منه مقتلًا، ينفذ منه إلى ما وراءه، فإن سارع المداوي في التئام الجرح، وإلا اتسع الخرق على الراقع.
وذلك شأن الشيطان، وهذا عهد أخذه على نفسه، وأعلنه بكبره وعتوه أمام ربه عز وجل، فيقول الله تعالى عنه: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِر?طَكَ ?لْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـ?نِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـ?كِرِينَ [الأعراف:16، 17] .
فوقف لابن آدم في كل طريق، إما طريق الخير فيصده عنه، وإما طريق الشر فيحسنه له.
وفي المسند من حديث سمرة بن أبي الفاكه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن الشيطان قعد لابن آدم بأَطْرُقِه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك ؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِّوَل، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال؟! فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته كان حقًا على الله أن يدخله الجنة ) ) [4] .
فطوبى لذلك العبد حين سد على الشيطان كل سبيل إليه، وتنبه لدقائق الأمور حذرًا من جليلها، وسلك سبيل التقى كما صوره القائل:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واعمل كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
أيها الأحبة في الله، وكم من الحوادث المفجعة لا تعدو بدايتها أن تكون نظرة عابرة، أو كلمة سائرة، أو إشارة أسرع من طرفة عين، ولكن تابعتها خطى بلغت بها ذلك المبلغ المؤلم.
فأنت حين ترى ذاك الذي أوهنت قواه المخدرات، وغلبت ساعات سكره على دقائق صحوه، فأضحى وأمسى والمجتمع يلفظه، فتروى لك قصة البداية لذلك الانحدار الذي بلغه، فتراها تبدأ بتلك الرغبة في تجربة لم يظن أن تعدو ساعة من نهار، فبدأت بتلك الشربة أو تلك الحبة أو تلك الحقنة، فتبعتها أخواتها حتى بلغ الأمر ما رأيت، وكما قال القائل:
وخمر شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
فأصبح ذلك القليل وذلك اليسير الذي لم يأبه به، جرثومة في بيته ومجتمعه إن لم يتب، وقد كان دون ذلك أملًا لأبوين رَأَياَ فيه قرة العين، وأملًا لزوجة رأت فيه حصنًا تستند إليه، وأملًا لأبناء لطالما رسمت أعينهم طموحًا كبيرًا في مسيرة الحياة معه، وأملًا لأمته في سد ثغورها وخوض ميادينها.
وعندما ترى أيضًا ذلك العرض المنتهك في ظلمة من الليل داجية، فتعيد النظر في بداية أحداث ذلك الجرم المفجع، فتراه نتاج كلمة أو كلمات من وراء حجاب، رصعت بشيء من معاني الرقة، حتى وقع المحبان في شباك لم يجدا منها مخرجًا وكما قيل:
تولع بالعشق حتى عشقْ فلما استقل به لم يطقْ
رأى لجة ظنها موجة فلما تمكن منها غرقْ
وفي ساعات ذلك الغزل الطوال لم يدر في خلد كل منهما ذلك الجرم الفادح، ولكن للشيطان توقيت لم يجعل هذا مكانه، حتى إذا ما ضرب الموعد، وتم اللقاء، صال الشيطان صولته، فكان ما كان من عار الدنيا وخزي الآخرة.
أيها الأحبة في الله، فلنكن على بصيرة من تلك التوافه حتى لا تغلبنا على أمرنا.. فإن الكلمة الواحدة قد تورد العبد مهاوي الردى في دركات جهنم، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالًا يهوي بها في نار جهنم ) ) [5] .
ولا يخفى عليكم قصة ذلك العابد الذي أحبط الله تعالى عمله لأنه قال: (( والله لا يغفر الله لفلان ) ) [6] فتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
وقد يحول بين العبد وبين الجنة ملء كف من دم أهراقه، كما جاء في صحيح البخاري من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (( أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبًا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم يهريقه فليفعل ) ) [7] .
[1] صحيح، سنن الترمذي: كتاب الفتن - باب ما جاء (( دماؤكم وأموالكم.... ) )حديث (2159) ، وأخرجه أيضًا أحمد (2/368) ، وابن ماجه: كتاب المناسك - باب الخطبة يوم النحر، حديث (3055) ، قال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح (10/54) ، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة (471) .
[2] صحيح، مسند أحمد (1/402) ، وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (5872) والأوسط (7323) ، قال المنذري في الترغيب: رواته محتج بهم في الصحيح، (3/312) ، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح (10/190) ، وحسن إسناده أحمد الحافظ في الفتح (11/329) ، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة (389) .
[3] صحيح، ولم أجده في سنن النسائي الصغرى والكبرى وعزاه له المنذري في الترغيب (3/213) ، وهذا لفظ النسائي، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد - باب ذكر الذنوب: حديث (4243) بلفظ (( ومحقرات الأعمال ) )، وأخرجه أيضًا أحمد (6/70) والطبراني في الكبير (5869) ، وصححه ابن حبان (5568) ، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. (4/245) ، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة (513) .
[4] صحيح، مسند أجمد (3/483) ، وأخرجه أيضًا النسائي: كتاب الجهاد - باب ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، حديث (3134) ، والطبراني في الكبير (6558) . وصححه ابن حبان (4593) والألباني، صحيح الجامع (1648) .
[5] صحيح، صحيح البخاري: كتاب الرقاق - باب حفظ اللسان... حديث (6478) ، صحيح مسلم: كتاب الزهد والرقائق - باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار... حديث (2988) .
[6] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى، حديث (2621) .
[7] صحيح، صحيح البخاري: كتاب الأحكام - باب من شاق شق الله عليه، حديث (7152) .
أما بعد:
أيها الأحبة في الله، وإن كثيرًا من توافه الأمور لها في حياة الناس شؤون حين يزيدون فيها وينقصون، ويسترسلون فيما تمليه من ظنون، فتكون حاكمًا بالبخس والنقصان، بلا عدل ولا ميزان، وتقودهم إلى ساحات لا طائل تحتها سوى العداوة والبغضاء، والقطيعة والاعتداء، ولو أنهم قدروها قدرها وأنزلوها منزلتها، لم تعد إلى أدنى من ذلك، ولكنها صدرت فصدروها، وسطرت فصدقوها، وأملت فاتبعوها.
وإنك لتأسف أشد الأسف عندما ترى أبناء القبيلة الواحدة، بل أبناء الصلب الواحد يتعادون ويتقاطعون ويصب كل منهم سبابه من أجل توافه من الأمور، قد تكون كلمة من الكلمات، أو حطامًا من متاع زائل، أو نحو ذلك.
أذلك ينسي كل تلك الروابط الوثيقة التي لا يليق أن تزعزعها تلك الأعاصير العاتية، فضلًا عن توافه لا تعدو قدرها.
تلك الروابط: رابطة الدين والنسب. رابطة أخوة الدين، وأخوة الصلب الواحد.
أكل ذلك ينسى؟!
ذلك نتاج تلك التوافه حين يسترسل معها، ويحكمها الناس في علاقاتهم، تحكي واقع جاهلية مؤلم في أمثال داحس والغبراء.
أيها الأحبة في الله، إن من الناس من يقع على سيئة في سلوك أخيه، فيقيم الدنيا ويقعدها من أجلها، ثم يعمى أو يتعامى عما تمتلئ به حياة أخيه من أفعال حسان وشمائل كرام.
إن تلك نظرة جائرة عندما تقف على العيب فقط، ويتوسع في ذلك العيب حتى كأن لم يكن لصاحبه من الخير نصيب.
ولو عاش الناس على هذا، لم تكن بينهم صحبة ولا إخاء، وكما قيل:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبُهْ
فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبُهْ
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربُهْ
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبُهْ
فليكن بيننا تلك الروابط الوثيقة اعتصامًا بحبل الله تعالى الذي هدانا وآوانا.
ولا ندع توافة من الأمور تغلبنا على أمرنا.. فهي أصغر من أن ننصب في سبيلها القطيعة والعداء.
ولا يكن حالنا كحال من قيل فيهم:
كلما أنبت الزمان قناة ركب الناس للقناة سنانا
ومراد النفوس أصغر من أن تتعادى فيه أو نتفانا
أيها الأحبة في الله، وفي بيت الزوجية يكون للتوافه من الأمور شأن في مسيرة تلك الحياة، حين يلتفت إليها، ويقبل حكمها.
فكم من خلافات بين زوجين تبلغ مبلغًا كبيرًا!. وسببها لقمة من غداء لم تعد، أو كلمة رصدت لها اللوازم، وطافت حولها التأويلات، أو اختلاف رغبة في اسم المولود، هذا وأمثاله كثير تغص به بيوتات الزوجية.
فإن كانت مثل تلك الأمور محكمًا في مسيرة تلك الحياة فلا عجب أن تنتهي بالطلاق.
ولو أن الزوج حين يضيق بغلطة من امرأته تذكر أن لها صوابًا.
وإن حزن لجانب من نفسها نظر إلى جانب آخر يسره منها.
لما كان من ذاك ما كان، ومضت تلك الحياة أطيب ما يكون، وتلك وصية الله تعالى ورسوله.
قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِ?لْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى? أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ ?للَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] .
وفي صحيح مسلم أن النبي قال: (( لا يفرك ـ أي لا يكره ـ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر ) ) [1] .
[1] صحيح، صحيح مسلم: كتاب الرضاع - باب الوصية بالنساء، حديث (1469) .