الأسرة والمجتمع, فقه
اللباس والزينة, المرأة
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-أدلة وجوب تغطية المرأة وجهها. 2- حكم البرقع.
أما بعد: فلقد بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، بعثه الله لتحقيق عبادة الله عز وجل، وذلك بتمام الذل والخضوع له تبارك وتعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتقديم ذلك على هوى النفس وشهواتها، وبعثه الله متممًا لمكارم الأخلاق داعيًا إليها بكل وسيلة، فجاءت شريعته كاملة من جميع الوجوه لا تحتاج إلى مخلوق في تكميلها أو تنظيمها لأنها من لدن حكيم خبير عليم بما يصلح عباده رحيم بهم.
وإن من مكارم الأخلاق التي بُعِثَ بها رسولُنا محمدٌ خُلُقَ الحياءِ الذي عدَّه رسول الله من الإيمان وشعبة من شعبه، وإنَّ من الحياء احْتِشَامَ المرأةِ وتَخَلُّقَهَا بالأخلاق الكريمة الفاضلة التي تبعدها عن مواقع الفتن ومواضع الرِّيَبِ، وأكبر احتشام تفعله وتتحلى به ويصون عرضها ويحفظ لها كرامتها ويبعدها عن الفتنة هو الحجاب الشرعي وتغطية وجهها وكفيها عن الأجانب فضلًا عما هو فوق ذلك مما هو معلومٌ تحريمُ إِبْدَائِهِ وإظهارِه لغير المحارم.
ولقد كان الناس في هذه البلاد المباركة إلا ما ندر على الطريق الصحيح في أمر الحجاب، ونرى بوادر طيبة للأخذ بالأمر الواجب نحو النساء في أمر الحجاب، وقد حصل جدل كثير ولا زال حول الحجاب وجواز إظهار المرأة لوجهها أمام الأجانب عنها من غير المحارم، وقالوا بأنه لا بأس بالسفور وعدم تغطية الوجه واتبعوا هوى الأنفس في ذلك أو سوء الفهم لنصوص الكتاب والسنة، لذلك وجب إظهار الحق وإزالة الشك وذلك بإيراد الأدلة من القرآن الكريم وسنة النبيّ محمد ليتبين وجوب احتجاب المرأة المسلمة عن الرجال الأجانب عنها وتغطية وجهها ليكون المسلم على بصيرة في معرفة الأدلة الْمُوجِبَةِ لذلك، ولِيُلْزِمَ أهلَه بالحجابِ طاعةً لله سبحانه وعبادةً له، ولتفعله المرأة المؤمنة تقربًا إلى الله عز وجل وامتثالًا لأمره، ولِتَنَالَ رضاه عز وجل، ولِتُثَابَ على ذلك وتَحْصُلَ على الأجر من الله جَلَّ جَلالُهُ، وليس للعادة ومجاراة الناس، فإنْ فَعَلَتْهُ عادةً فليس لها من الأجر شيء لأن الأعمال بالنيات.
قال الله تعالى: وَقُل لّلْمُؤْمِنَـ?تِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـ?رِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءابَائِهِنَّ أَوْ ءابَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَو?تِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُهُنَّ أَوِ ?لتَّـ?بِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ?لإِرْبَةِ مِنَ ?لرّجَالِ أَوِ ?لطّفْلِ ?لَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى? عَوْر?تِ ?لنّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31] .
ووجه الدلالة في هذه الآية على وجوب الحجاب على المرأة المسلمة عن الرجال الأجانب من عدة وجوه:
أولا: أن الله تعالى أمر المؤمنات بحفظ فروجهن عن الزنا، والأمر بحفظ الفرج أمر بحفظ واجتناب كل الوسائل المؤدية للوقوع في الزنا من نظر واختلاط وسفور وإبداء زينة للأجانب وسماع الأغاني والصور وخضوع في القول وضرب بالأرجل ليعلم ما يخفى من الزينة، وفي الحديث: (( العينان تزنيان وزناهما النظر ) )، إلى أن قال: (( والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) ). فإذا كان تغطية الوجه من وسائل حفظ الفرج كان مأمورًا به؛ لأن الوسائل والأسباب لها أحكام المقاصد والغايات.
ثانيًا: قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ ، إذا كانت المرأة مأمورة بأن تضرب الخمار على جيبها ـ والخمار ما تخمر به المرأة رأسها وتغطيه به ـ فإنها مأمورةٌ بِسَتْرِ وَجْهِهَا؛ لأنه إذا وجب سَتْرُ النَّحْرِ والصدر والرأس كان وجوب ستر الوجه من باب أولى؛ لأنه موضع الجمال والفتنة، والناس الذين يطلبون جمال الصورة لا يسألون إلا عن الوجه وأوصاف ما فيه من حواس وجمال، فإذا كان الوجه جميلًا لم ينظروا إلى ما سواه نظرًا ذا أهمية، ولو نظر أيُّ إنسانٍ إلى امرأة فَجْأَةً أو نَظَرَ تَأَمُّلٍ فإن أول ما يقع عليه نظرُه هو وَجْهُ المرأة، ومنه يعرف جمالهَا أو دَمَامَتَهَا، ولا يقع نظره لأول وهلة على رِجْلَيْهَا.
ثالثًا: لقد نَهَى الله تعالى عن إبداء الزينة مطلقًا إلا ما ظهر منها، وهي التي لا بد من أن تظهر كظاهر الثياب، أو ظَهَرَتْ من المرأة بدون قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ منها، ولذلك قال تعالى: إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ، ولم يقل سبحانه وتعالى: (إلا ما أَظْهَرْنَ منها) ، فالفرق واضح بين أن تُظْهِرَ المرأةُ الزينةَ بنفسها وبين أن تَظْهَرَ الزينةُ عن غير عمد إِمَّا لِرِيحٍ بَسَبَبِهَا ظَهَرَتِ الزِّينَةُ بإسقاطِ ما على المرأة من لباس وحجاب، وإما أن تظهر من غير عمد ولا قصد، فأهل اللغة والفهم الصحيح يعرفون الفرق بين ظَهَرَ منها وأَظْهَرَتْهُ هي بنفسها بِطَوْعِهَا واختيارها، وهذا وجه خلاف لم يَفْقَهْهُ مَنْ مَالَ به الهوى ويريد أن تَكْشِفَ المرأةُ وَجْهَهَا وأخذ الشبهة وسعى بها ليفسد في الأرض وضرب بالآيات الباقية والأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب الحجاب على المرأة المسلمة عرض الحائط. وقِيلَ بأن النهي عن الزينة الأولى غير الزينة الثانية، فالأولى هي زينة الظاهر سواء في الملابس الخارجية التي تستر بها جسمها وعليها أن تسترها بالعباءة أو ما تتجمل به من ذهب وغيره أو الوجه والكفين إذا ظهرت من ريح وخلافها من غير تعمد لإظهارها، ولو كانت هي الزينة نفسها في الموضعين فإنما هي للتأكيد ولمعرفة الفرق في الحالتين، ولا تعارض بينهما أبدًا لمن يفهم اللغة العربية الفهم الصحيح كما سبقت الإشارة إليه بأن الفرق واضح بين ظَهَرَ وَأَظْهَرَ، فلو أن شخصًا لديه شاة وأخرجها هو وأظهرها من مكانها، أو خرجت هي بنفسها وظهرت من مكانها فإن التعبير يختلف في الحالتين، والمعنى يختلف أيضًا لأنه يلزم اشتراك شخص أو أي شيء عندما أَظْهَرَ بخلاف ظَهَرَ الشيء بنفسه ومن نفسه. ويتضح هذا المعنى جليًّا في التعبير بقولنا: خَرَجَ أَوْ أَخْرَجَ.
أعود للقول بأن الظهور حصل في كلتيهما، ولو كانت الزينة الأولى والثانية واحدة لاسْتَوَى في ذلك المحارمُ وغيرُ المحارم لمن قال بالاختلاف في الموضعين، مع أن الراجح في التكرار هو لوجود الجملة الاعتراضية التي تؤكد إسدال الخمار من فوق الرأس، فجاء بعدها التفصيل في ذكر المحارم ليتضح لمن تبدي المرأة زينتها، ولو أن الزوج والأب والأخ والابن وغيرهم من المحارم ينظرون إلى الوجه والكفين من المرأة وكذلك الأجنبي على حد سواء لما كان لذكر المحارم فائدة في الآية نفسها من سورة النور، وكذلك الآية الأخرى من سورة الأحزاب التي جاء فيها انتفاء الجناح والإثم عن النساء المسلمات في من ذُكِر في الآية المحكمة من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءابَائِهِنَّ أَوْ ءابَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَو?تِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُهُنَّ أَوِ ?لتَّـ?بِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ?لإِرْبَةِ مِنَ ?لرّجَالِ أَوِ ?لطّفْلِ ?لَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى? عَوْر?تِ ?لنّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31] ، وقال عز شأنه وتعالى سلطانه: لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْو?نِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء إِخْو?نِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء أَخَو?تِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَ?تَّقِينَ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ عَلَى? كُلّ شَىْء شَهِيدًا [الأحزاب: 55] ، فلو أن هؤلاء المحارم للمرأة الذين ذكروا في هاتين الآيتين يستوون مع غيرهم في النظر إلى وجه المرأة وكفيها وزينتها الظاهرة لما تم استثناؤهم ولما كان في الاستثناء فائدة تذكر، ولو أن لهم حدودًا أخرى يمكن تجاوزها والنظر إليها من المرأة غير ذلك لَتَمَّ ذكرُها في القرآن الكريم والسنة المطهرة، علمًا بأن هذه الآية في سورة الأحزاب جاءت بعد آية الاستئذان في الدخول وأدب الطعام والجلوس في بيوت النبي محمد ، كما هو الحال أيضًا في آيات سورة النور.
ومن ضمن الأوامر والنواهي الواردة في الآيات: الأمر بالسؤال والطلب لأي شيء من وراء حجاب،كما قال تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـ?عًا فَ?سْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: 53] . ثم أعقبها سبحانه بعد عدة آيات بالأمر الذي يقتضي وجوب الحجاب والذي لا إِشْكَالَ فيه ولا مِرَاء، وجوب الحجاب على نساء المؤمنين كما هو واجب على أزواج وبنات رسول الله ، الوجوب المأخوذ من هذا النص القرآني الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار، هذا الدليل القطعي الدلالة في هذه الآية لو أُخِذَ مع الآيتين بعدها لكان كافيًا في وجوب ستر وجه المرأة المسلمة عن غير محارمها، وإذا انْضَمَّ إلى هذه الآياتِ الآياتُ التي سبقتها من سورة الأحزاب فإن الأمر سوف يتضح تمامًا، وإذا أُضِيفَ إليها الأدلة الأخرى من القرآن الكريم ومن صحيح سنة رسول الله فإنه لا يبقى أي إشكال لدى أي مسلم حول وجوب الحجاب على المرأة المسلمة عن الرجال من غير محارمها، وليتأمل كل مسلم الآيات والأحاديث الوردة في ذلك، قال تعالى: يأَيُّهَا ?لنَّبِىُّ قُل لأزْو?جِكَ وَبَنَـ?تِكَ وَنِسَاء ?لْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـ?بِيبِهِنَّ ذ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 59] .
رابعًا: رخص الله تعالى للمرأة في إبداء زينتها للتابعين غير أولي الإربة من الرجال، وهم الخدم الذين لا شهوة لهم البتة، وللأطفال الذين لم يَبْلُغُوا الشَّهْوَةَ ولم يَطَّلِعُوا على عورات النساء ولا يعرفون وصف المرأة، فهؤلاء الأجانب الذين استثناهم الله عز وجل بشروطهم يحل للمرأة أن تكشف وجهها لهم وما عداهم فلا، أما السائق والخادم والعامل وغيرهم من الموجودين في البيوت الآن فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف وجهها وكفيها لهم فضلًا عن أكثر من ذلك من جسمها كما هو واقع ومنتشر في بعض بلاد المسلمين.
خامسًا: إذا كانت المرأة منهية عن الضرب برجلها على الأرض لئلا يعلم أحد بما تخفيه من الخلاخل ونحوها مما تتحلى به لزوجها خوفًا من افتتان الرجال بها وما يُسْمَعُ من صوت خَلْخَالِهَا ونحوه، إذا كانت منهية عن ذلك فكيف بكشف الوجه؟! وأي شيء أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالًا في قدم امرأة لا يدري أَشَابَّةٌ هي أمْ عَجُوزٌ؟! أجميلة هي أم دميمة؟! فأي شيء أعظم فتنة: النظر إلى وجه سافرٍ جميلٍ مُمْتَلِئٍ شبابًا ونضارةً وحسنًا وتجملًا أم النظر إلى قدم امرأة؟! فَأَيُّهما أحقُّ بالسَّتْرِ والإخْفَاءِ: الوجهُ والْكَفَّانِ أَمِ الْقَدَمَانِ والزِّينَةُ التي عليها وهي مَنْهِيَّةٌ عن إظهارها؟! قال تعالى: وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ [النور: 31] ، فالكعب العالي وما يقوم مقامه من الأحذية التي تَدُقُّ به المرأةُ الأرضَ خاصة على البلاط لِيُعْلَمَ مَشْيُهَا وَلَفْتُ الانتباهِ إليها مَنْهِيٌ عنه أيضًا.
سادسًا: تعقيب من الله تعالى في نهاية الآية الكريمة لمن كان في صدر الإسلام وإلى أن تقوم الساعة ينطبق عليهم جميعًا سواء امرأة لم تعرف الحجاب مِنْ قَبْلُ أَوْ رجل لم يعرف الحكم ولم يُلْزِمْ أَهْلَهُ ومن تحت يديه من النساء بذلك، التعقيب بالأمر بالتوبة مما هو مخالف لذلك الأمر في بداية الآية، ومما هو معلوم أن الأمر يقتضي الوجوب، والنهي في بداية هذه الآية وفي غيرها يقتضي التحريم المخالف لذلك، وهذا عام في كل أمور الشريعة، ولنستمع إلى قوله تعالى: وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31] . ولا يَحْتَجَّ أحد بقوله: لم تفعله زوجتي وابنتي فيما سلف، أو تحتج امرأة بأنها كانت سافرة ولم يعد الحجاب صالحًا بعد أن رآها الناس، كلا؟ فالأمر من الله بالتوبة يقتضي وجوب التوبة والإقلاع عما سلف لينال الفلاح كل مؤمن ومؤمنة، والأمر بتحجب النساء عن الرجال الأجانب لم ينزل القرآن به في مكة المكرمة مع أن المؤمنين والمؤمنات جلسوا فيها ثلاث عشرة سنة لا تحتجب النساء عن الرجال وكذلك الحال في المدينة لم تنزل فرضيةُ الحجاب إلا في السنة السادسة من الهجرة أي: قرابة تسع عشرة سنة بعد البعثة النبوية، ومع هذا فلم تقل امرأة مؤمنة بأن الرجال كانوا يرونني قبل ذلك فلن أتحجب عنهم، ولم يقل مؤمن: إن فلانة لم تكن متحجبة من قبل فلن أتزوجها لأن الرجال قد رأوها، بل الكل خاضع لله وحده مطيع لأمر ربه ومنيب إليه، ويتوب الله على من تاب.
ولَفْتَةٌ يسترشد بها أهل العقول والفطر السليمة ليعلموا وجوب وفرضية الحجاب على النساء المؤمنات، فالآية المذكورة هي في سورة النور مع أن وجوب الحجاب يؤخذ من الآية نفسها ابتداءً من قول الله عز وجل: وَقُل لّلْمُؤْمِنَـ?تِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـ?رِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ إلى نهاية الآية في قوله تعالى: وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31] ، مع أن الأمر الذي يقتضي الوجوب يؤخذ من هذه الآية من أول كلمة فيها وآخر جملة والآية جميعها عندما يتدبرها من يريد الشرع المطهر، ومع هذا فهناك أمر بفرضية الحجاب وغيره من الأحكام في بداية السورة، وكذلك في نهاية السورة نَهْيٌ من الله عز وجل بعدم مخالفة أمر الرسول ، وإلا فإن العقاب ينتظر من يخالف أمره في الدنيا والآخرة، ولنستمع إلى قول الله عز وجل في بداية السورة، قال الله تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَـ?هَا وَفَرَضْنَـ?هَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا ءايَـ?تٍ بَيّنَـ?تٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور: 1] ، فالكلام بلغة عربية واضحة حيث قال الله تعالى: وَفَرَضْنَـ?هَا بعد قوله: سُورَةٌ أَنزَلْنَـ?هَا ، ولم يقل: آية أو آيات منها، ثم عقب سبحانه بقول: وَأَنزَلْنَا فِيهَا ءايَـ?تٍ بَيّنَـ?تٍ أي: آيات واضحات لا لبس فيها ولا غموض؛ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
ثم لنعلم دليل وجوب الاتباع للرسول محمد وعدم مخالفة أمره سواء في هذه الأحكام في هذه السورة أو في غيرها، قال الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ ?لَّذِينَ يُخَـ?لِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] . فكانت هذه الآية في نهاية السورة، وتلك في أول آية من السورة التي ذُكِرَ فيها الحجاب وغيره من أحكام تجدر العناية بها من قبل كل مؤمن ومؤمنة.
وتنبيه لطيف إلى سياق آية الحجاب عن غير المحارم حيث جاءت تلك الآية بعد أن ذكر الله حد الزاني والزانية وعن اللعان وحادثة الإفك وعقوبة رمي المحصنات الغافلات المؤمنات في الدنيا والآخرة وعن حكم دخول بيوت الغير، ثم عقب سبحانه بما يحفظ للمؤمنين أنسابهم وأعراضهم وعدم وقوعهم في الفواحش أو القرب منها، وبعد آية فَرْضِ الحجاب على المسلمات جاء الأمر بتزويج الصالحين من العباد والإماء والاستعفاف ممن لا يستطيع النكاح حتى الغنى، وأعقب ذلك عز وجل بقوله تبارك وتعالى في منتصف السورة: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَـ?تٍ مُّبَيّنَـ?تٍ وَمَثَلًا مّنَ ?لَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ [النور: 34] .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن إيراد الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الحجاب يحتاج إلى خطب عديدة لتوضيح الغامض وليعرف ذلك كل مؤمن، لكني أقتصر إن شاء الله تعالى على خطبة قادمة أكمل فيها إيراد الأدلة، أما الآن فمع الدليل الثاني من القرآن الكريم وهو قول الله عز وجل: يأَيُّهَا ?لنَّبِىُّ قُل لأزْو?جِكَ وَبَنَـ?تِكَ وَنِسَاء ?لْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـ?بِيبِهِنَّ ذ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 59] ، عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأنَّ على رؤوسهن الْغِرْبَان من السكينة وعليهن أَكْسِيَةٌ سُودٌ يَلْبَسْنَهَا. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره لهذه الآية: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة) ، وقوله رضي الله عنه: (ويبدين عينًا واحدة) إنما رخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة إلى نظر الطريق عند المشي لِثِقَلِ الجلباب وسَمَاكَتِهِ، أما إذا لم تكن حاجة فلا مُوجِبَ لإظهار العين الواحدة فضلًا عن العينين، وما هذه البراقع المنتشرة بين النساء بالحجاب المأمور به، بل هي الفتنة والداء العضال حيث تَفْتِنُ المرأةُ الرجالَ بإظهار وَجْنَتَيْهَا وَحَاجِبَيْهَا وعينيها وجزء من أنفها ووجهها، فالبراقع الحالية لا يجوز للمرأة المسلمة استعمالها لأنها الفتنة بعينها، والتي تستعملها ليست متحجبة، بل هي متبرجة لأن البراقع بحالتها الراهنة حجاب المتبرجات الآن، والفرق بين الثقب في الحجاب لإظهار عين واحدة لترى المرأة الطريق من سماكة الحجاب غير البراقع الفاتنة التي تَعَدَّتْ حَدَقَاتِ العينين وليس العين الواحدة، فليتنبه المسلمون للتوسّع الحاصل في أمر البراقع التي فَتَنَتِ الرجالَ وَفَتَنَتِ النساءَ أيضًا حيثُ التَّفَنُّنُ في أشكالها وأنواعها وطرق لبسها وغير ذلك. والجلباب: هو الرداء فوق الخمار.
ولنتأمل قول الله عز وجل حين صدّر الخطاب والأمر بالنداء للرسول وأعقبه بفعل الأمر الذي يقتضي الوجوب، ثم ذكر عز وجل النساء المأمورات بذلك بدءًا بأزواجه عليه الصلاة والسلام وبناته ثم نساء المؤمنين وليس نساء الكافرين لتتّضح الحقيقة وتتجلى لمن كان لديه أدنى شكّ حول وجوب الحجاب على النساء المؤمنات، قال تعالى: يأَيُّهَا ?لنَّبِىُّ قُل لاِزْو?جِكَ وَبَنَـ?تِكَ وَنِسَاء ?لْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـ?بِيبِهِنَّ ذ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ [الأحزاب: 59] . أَقَلُّ أَمْرٍ وأدناه من وراء الحجاب عدمُ معرفة الأشرار من المنافقين وغيرهم في كل زمان ومكان لئلا تُؤْذَى المرأةُ المسلمةُ، وما أجمله من تعقيب كالسابق في سورة النور، فالله يعلم من المرأة فيما سبق أنها غير متحجبة فلا تحتجّ هي أو يُحتجّ عليها بأنها لم تكن تلبسه من الصغر، فالله هو الغفور الرحيم سبحانه حيث قال تعالى: وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 59] . وما أجمل سياق الآيات قبل هذه الآية وبعدها فلنتدبره لنعلم حال المنافقين المغرضين الذين في قلوبهم مرض من زمن الرسول إلى قيام الساعة حول حجاب المرأة المسلمة، فالآية التي قبل آية الحجاب هي قول الله تعالى: وَ?لَّذِينَ يُؤْذُونَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ بِغَيْرِ مَا ?كْتَسَبُواْ فَقَدِ ?حْتَمَلُواْ بُهْتَـ?نًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: 58] ، أما الآيات بعدها فهي قول الله عز وجل: لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَ?لْمُرْجِفُونَ فِى ?لْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلًا سُنَّةَ ?للَّهِ فِى ?لَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ?للَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: 60-62] ، والآيات التي قبلها وسبق الإشارة إليها وفيها قول الله عز وجل: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـ?عًا فَ?سْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ?للَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذ?لِكُمْ كَانَ عِندَ ?للَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: 53] ، وقوله تبارك وتعالى: لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْو?نِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء إِخْو?نِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء أَخَو?تِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَ?تَّقِينَ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ عَلَى? كُلّ شَىْء شَهِيدًا [الأحزاب: 55] . فلتنظر ولتتأمل كل مسلمة هذه الجملة الأخيرة: إِنَّ ?للَّهَ كَانَ عَلَى? كُلّ شَىْء شَهِيدًا.
وإلى الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى لإيراد بعض الأدلة الواردة حول وجوب الحجاب على المرأة المسلمة...