فهرس الكتاب

الصفحة 765 من 5777

أحوال العبد والواجب عليه في كل حال - منكرات الأفراح والأتراح

الرقاق والأخلاق والآداب

أخلاق عامة, التوبة

مصطفى بن سعيد إيتيم

بني مسوس

غير محدد

1-الأحوال التي يعيشها كل إنسان ثلاثٌ لا ينفك عنها أبدًا.2- فإما أن يكون في نعمة وواجبه فيها الشكر. 3- وإما أن يكون في محنة ومصيبة وواجبه فيها الصبر. 4- وإما أن يكون في معصية وذنب وواجبه فيها التوبة والاستغفار. 5- بيان معنى الشكر

6-شروط التوبة

أيها المسلمون:

إنه ليس فيكم أحد إلا وله مقام معلوم في أموره وأحواله، ومكان مرسوم في أقواله وأفعاله، وإنها - والله - أطباق ثلاثة، لا ينفصل عبدُ من عباد الله عنها، ولا ينفصم منها.

فنحن دائمو التقلّب بين هذه الأطباق، والتحوّل من طبق إلى طبق، فتنةً من الله واختبارا، وابتلاءً وامتحانا ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم.

عباد الله:

أما الطبق الأول، فهو نعم من الرحمن الرحيم تترى علينا باستمرار، وتترادف آناء الليل وأطراف النهار، لا يأتي عليها الإحصاء والحصر، ولا يبلغها الإحسان والشكر، قال الله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفّار ، وقال أيضا: وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسّكم الضر فإليه تجأرون ، نِعم في المآكل والمشارب، والمراكب والمناكح، والمساكن والمرافق، والزينة والملابس، والصحة والعافية، والعقل والرشد، والسمع والبصر، وغير ذلك، وأتم هذه النعم وأعظمها على الإطلاق نعمة الإسلام والسنة، والهداية والاستقامة، فنجاة العبد بها مأمون، وصلاح دنياه وآخرته بها مرهون، فمن أدى الأمانة فاز وغنم، ومن ضيّعها خاب وندم، ولا يلومنّ المنذَر إلا نفسه.

وأما الطبق الثاني - يا عباد الله - فهو محنُ من الله عز وجل يبتلي بها عباده ويمحّصهم بها، مِحنُ في الأرزاق والأموال، ومحن في الأهل والأولاد، ومحن في الأنفس والأبدان، ومحن في غير ذلك. قال تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين ، وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب.

وقال تعالى: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين.

وإن أعظم المصائب، وأخطر المعايب، المصيبة في الدين، فمن أصيب في دينه بشرك أو بدعة أو كبيرة فقد ضاع من دينه ودنياه بقدر ما أصيب. وأما من أصيب في دنياه بخوف أو جوع أو فقر أو غير ذلك فقد نقص من دنياه ما كتب له، ثم إن هو صبر ورضي عوّضه الله خيرا منه في الأولى والآخرة، وأحسن عاقبته في الأمور كلها، وإن هو جزع وسخط جرى عليه القدر وهو راغم، وفاته من الأجر والمثوبة الشيء الكثير إنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب.

وأما الطبق الثالث فهو - يا عبد الله - ذنوبك ومعاصيك، وشرور نفسك وسيئات أعمالك، فإنه مهما تحصّن العبد واحترز، وتورّع واحترس فلا بد أن يوقعه الشيطان الرجيم في شيء من ذلك، لأن العبد قد بُلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخول الشيطان عليه من هذه الأبواب الثلاثة، قال تعالى: ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ، وقال تعالى: ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين. وقال الصادق المصدوق: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوّابون ) ).

واعلموا أن أعظم الذنوب الشرك بالله تعالى، وله صور شتى وشعب عديدة، فمن علّق تميمة فقد أشرك، ومن جعل على بيته عجلة أو شوكا أو شيئا يزعم دفع العين به فقد أشرك، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، لا يقبل منه صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا حجّا، قال الله تعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ، وقال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما.

ثم اعلموا أيها المسلمون أن عليكم في كل طبق من هذه الأطباق واجبا تؤدونه، ولله عليكم فيه حق توفّونه، فواجبكم وحق الله عليكم في طبق النعم أن تشكروه ولا تكفروه، وأن تعرفوا فضله ولا تنكروه، ولا يتم شكرُ الله تعالى المغدِق علينا بالنعم، والمربّي لنا بجزيل العطايا وعظيم المنن، حتى نعترف بنعمه باطنا، ونتحدث بها ظاهرا، ونصرفها في مرضاته تعالى.

فإن العبد المسلم إذا اعترف قلبه بأن ما به من نعمة فمن الله، وتحدث بها لسان قاله بالحمد، ولسان حاله بظهور الأثر، وصرفتها جوارحه في طاعة الله تعالى، فقد قارب شكره ولن يبلغه، فإن نعم الله تعالى أكثر من أن تحصر، وأكبر من تشكر إلا ما أعان الله عليه، ووفّق إليه.

قال الشاعر:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر

فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر

أيها المسلم: إن واجبك وحق الله عليك في طبق المحن أن تصبر وأن ترضى بقضاء الله عز وجل وقدره، واعلم أن الصبر هو حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعاصي كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعر فإن ذلك من أمور الجاهلية، فإذا رضي قلبك بقضاء الله ولم يسخط، ولم يشكُ لسانك لغير الله تعالى، واطمأنت جوارحك واستقامت، كنت من الصابرين الذين تنقلب المحنة في حقّهم منحة، وتستحيل البلية عندهم عطية، ويصير المكروه لديهم محبوبا.

وواجبك يا عبد الله وحق الله عليك في طبق الذنوب والمعاصي أن تستغفره وتتوب إليه، فإن الله تعالى يقبل التوبة من عباده ويفرح بها، ويعفو عن السيئات وهو أرحم الراحمين.

وللتوبة شروط يجب أن تراعى فأولها: الإخلاص لله تعالى، وثانيها: الإقلاع عن الذنب، وثالثها: العزم على عدم العودة، ورابعها: الندم على ما فات، وخامسها: أن تكون في الوقت الذي تقبل فيه أي قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل الغرغرة، وسادسها: رد الحقوق إلى أصحابها.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعي وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

أما بعد:

أيها المسلمون: لقد أشار نبينا إلى تلك الأطباق الثلاثة وواجب العبد فيها، وذلك في خطبة الحاجة التي كان يعلمها أصحابه رضي الله عنهم، فكان يقول في مطلعها: (( الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ) )فالحمد على العطايا والنعم، والاستعانة على البلايا والمحن، والاستغفار من الذنوب والنقم.

إلا أن كثيرا من الناس يخل بهذه الواجبات إما بنوع شبهة وإما بنوع شهوة.

وأنا ضارب لكم مثالين شائعين منتشرين في المجتمع انتشارا ظاهرا، وهما الأفراح والأقراح.

فإن من أعظم نعم الله الكونية والشرعية نعمة الزواج، وكثير من الناس لا يؤدي شكرها بل يبدلها كفرا والعياذ بالله تعالى، وذلك بمعصية الله تعالى بها.

فأنتم يا عباد الله تشاهدون بأعينكم، وتسمعون بآذانكم ما تشتمل عليه الأفراح اليوم من المعاصي، بل من الكبائر بل من الجهر بالكبائر، ومحاربة الله ورسوله بها.

فالأفراح اليوم لا يدعى إليها إلا الأغنياء وأصحاب السيارات الفارهة والمراكب الهنيئة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سوء النية وخبث الطوية، وكان الأولى أن يكون أول من يدعى إليها هم الفقراء والمساكين، الذين لا يجدون ما يطعمون به أنفسهم وذويهم، خاصة في مثل هذا الزمان العصيب.

والأفراح اليوم أول من يدعى إليها أهل المجون والفساد الذين واكبوا العصر، وسايروا التقدم في زعم الزاعمين، والواجب أن يجعل المسلم معياره في ذلك هو الصلاح، صلاح الدين والخلق، فيدعو إلى فرحه أول ما يدعو من يثق بدينه وخلقه وأمانته، من أهل الصلاة والزكاة، ومن أهل البر والتقوى، ومن أهل الحياء والصدق والخلق الحميد، أما المحاربون لله ورسوله بترك الصلاة والزكاة فلا خير فيهم، ولا يرجى منهم خير ما لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، لأن من أضاع الصلاة والزكاة فهو لغيرها من حقوق الله وحقوق عباده أضيع وأضيع.

ومن المعاصي العظيمة أيضا في هذه الأفراح الغناء، فهل يكون شاكرا لله تعالى من أقام فرحه على الغناء الذي دل على تحريمه الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، والنظر الصحيح؟ وهل يكون شاكرا لله تعالى من آذى جيرانه وأهل حيّه بهذا الغناء الماجن؟ أم كيف يكون شاكرا لله تعالى من بذّر ماله وأفنى وقته في هذا الغناء الفاسد؟

ومن المعاصي العظيمة أيضا - يا عباد الله - في هذه الأفراح الاختلاط، اختلاط الرجال بالنساء الذي يدل على قلة الغيرة، وضعف الرجولة، وغلبة النساء وفساد الدين، وتصوروا معي - معاشر المسلمين - تصوروا معي كم يحصل من جراء ذلك من المفاسد الكبيرة، فالمناسبة مناسبة عرس، والحديث كله منصب على موضوع الزواج، والنشوة نشوة فرح، والحاضرون في أحسن الثياب، وأبهى الزينة، وأزكى الرائحة، وقد توفر من الأسباب ما يهيّج الشهوة، ويثير الغريزة من مأكل ومشرب وسماع لغناء ماجن، فكيف تكون - يا أولي الألباب - النتيجة إذا اختلط الرجال والنساء صغارا وكبارا في مثل هذه المناسبة ومثل هذا الظرف؟

ولا يفوتني - معاشر المسلمين - أن أنبهكم إلى أن من المعاصي المنتشرة كذلك في هذه الأفراح التصوير، فاعلموا - رحمكم الله - أنه من كبائر الذنوب، وقد توعد الله عليه بالنار، أسأل الله لي ولكم السلامة والعافية.

وكيف يسوّغ عاقل غيورٌ على محارمه وعوراته أن تؤخذ صور محارمه، صور أخواته وبناته وزوجاته وأمهاته؟

أولا يخشى أن تصير هذه الصور إلى أيدي الذئاب الذين يتمتعون بالنظر إلى محارم الله تعالى.

فالحذر الحذر أيها المسلمون، واتقوا الله في أفراحكم، فإن الزواج الذي يتم بمعصية الله تعالى لا يبارك الله فيه إلا ما رحم.

وأما المثال الثاني فهو المآتم والأتراح، فإن من أعظم المصائب الكونية التي يصاب بها العبد مصيبة الموت، وواجبه فيها كما سبق بيانه هو الصبر، ولكن يدخل الخلل على كثير من الناس في هذا الواجب، إما بسخط القلب، وهذا أكثره في الرجال، وإما بشكوى اللسان وانطلاقه بالصياح والصراخ، واسترسال الجوارح في لطم الخدود، وشق الثياب والجيوب، وهذا أكثره في النساء، فمن فعل شيئا من ذلك فليس بصابر، وفاته أجر الصابرين، ولحقه وزر الساخطين على ربهم وخالقهم.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الصالحين، الذين إذا أنعم عليهم شكروا، وإذا ابتلاهم صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت