فهرس الكتاب

الصفحة 4339 من 5777

وسائل مقاومة الشيطان ـ 3

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

الجن والشياطين, الدعاء والذكر

حمود بن عبد الله إبراهيم

الدمام

جامع بلاط الشهداء

1-أهمية ذكر الله في مواجهة الشيطان. 2- أثر الاستعاذة والبسملة في التحصين من الشيطان. 3- من مواضع الاستعاذة والبسملة. 4- الاعتصام بالكتاب والسنة سبيل للوقاية من الشيطان. 5- دور الإخلاص في الوقاية من الشيطان. 6- خطورة التشبه بالشيطان وموالاته. 7- صور التشبه بالشيطان وموالاته. 8- أهمية التوبة في الوقاية من كيد الشيطان.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم على أعمالكم محاسبون.

أيها الإخوة، تحدثنا في الخطبة الماضية عن وسائل الشيطان في إغواء الإنسان، وحديثنا في هذه الخطبة هو عن وسائل مقاومة الشيطان.

فمن وسائل مقاومة الشيطان ذكر الله، وذكر الله هو أعظم الأسلحة المفيدة في مواجهة الشيطان وكيده، حيث يَتَصَاغَرُ عدو الله ويَخْنَس ويَنْدَحِر ذليلًا أمام قذائف الذكر، فما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإن ذََكَر الله خَنَس حتى يكون مثل الذباب، ولو لم يكن للعبد من الذكر إلا هذه الفائدة ـ وهي العصمة من الشيطان ـ لكفى بها أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى.

وأما إذا غفل العبد عن ذكر الله التَقَمَ الشيطانُ قلبه وافترسه، وألقى إليه الوساوس التي هي مبادئ الشر كله، قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36] ، أي: أنّ مَن غفل عن ذكر الله يُرسل الله عليه شيطانًا يكون له قرينًا.

أيها الإخوة، إن نصوص الكتاب والسنة جاءت بأذكار يتحصّن بها الإنسان من كيد الشيطان، فمن هذه التحصينات الاستعاذة، والاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام والاستجارة بالله من شر الشيطان الرجيم، فالشيطان الرجيم لا يقدر على دفعه وكفّه عن الإنسان إلا الله تعالى الذي خلقه، وهو المطّلع عليه، ويراه في جميع أحواله. ولأهمية الاستعاذة في حياة المسلم في حربه مع الشيطان وفي الوقاية منه وردت الاستعاذة في عدة مناسبات، فمن ذلك الاستعاذة بالله من وسوسة الشيطان في الصلاة، وعند رؤية الحلم المزعج، وعند دخول الخلاء، وعند ثورة الغضب، وعند دخول المسجد، وكذلك يستعاذ بالله تعالى من الشيطان عند تشكيكه للإنسان بربه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولْيَنْتَهِ ) )رواه البخاري ومسلم.

ومن صور الاستعاذة الاستعاذة بالله من شر الشيطان في الصباح وفي المساء، فعن أبي هريرة أن أبا بكر قال: يا رسول الله، مرني بكلماتٍ أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: (( قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه ) )، قال: (( قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك ) )رواه البخاري.

إن المسلم الذي يداوم على الاستعاذة في أحواله كلها بلا شك أنه سيُحفظ من الشيطان سائر يومه.

أيها المسلمون، ومن طرق الوقاية من الشيطان البسملة، والبسملة من أقوى الأسلحة للوقاية من شرور الشيطان، ولها صور ومناسبات كثيرة، منها ذكر البسملة في صباح كل يوم ومسائه، فعن أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله: (( ما من عبد يقول صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء ) )أخرجه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح".

وكذلك البسملة عند الخروج من البيت وقاية من الشيطان، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: (( من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كُفِيتَ ووُقِيتَ وتنحَّى عنه الشيطان ) )أخرجه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح".

وأيضًا البسملة عند الأكل تمنع مشاركة الشيطان فيه، فعن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع النبي طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعامًا فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده، فقال رسول الله: (( إن الشيطان يستحل الطعام ـ أي: يتمكّن من أكله ـ أن لا يُذكَر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحلّ بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها ) )رواه مسلم.

ومن صور البسملة الدعاء عند جماع الرجل أهله، فعن ابن عباس أن النبي قال: (( لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره ) )أخرجه البخاري ومسلم.

ومن مناسبات البسملة ذكر اسم الله عند غلق الأبواب، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: (( إذا كان جنح الليل ـ أو أمسيتم ـ فكفّوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فحلّوهم، فأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا... ) )الحديث. أخرجه البخاري.

أيها الإخوة، ومما يُقاوَم به الشيطان قراءة آية الكرسي عند النوم، فإن من قرأها عند نومه لن يزال معه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.

وأيضًا قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة تحفظ الإنسان وتبعد الشيطان، قال رسول الله: (( إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين فختم بهما سورة البقرة، ولا يُقرَءان في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ) )حديث صحيح رواه النسائي وغيره، وقال: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، كانت له حِرْزًا من الشيطان ) )كما جاء في البخاري.

وكذلك سورة الإخلاص والفلق والناس من أعظم ما يُقاوِم به الإنسان شر الشيطان ووساوسه، فقد أوصى رسول الله الصحابي عبد الله بن خُبَيب وقال له: (( اقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء ) )أخرجه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح".

أيها المسلمون، ومن الوسائل العظيمة في الوقاية من العدو اللّدود الاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بدين الله عز وجل، فهو أعظم سلاح في مقاومة الشيطان وشره، فمن اعتصم بالله كان من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين وجنده الغالبين.

ومن أقوى الأسلحة للتصدّي لكيد الشيطان الإخلاص، فالإخلاص هو الحاجز المنيع بين الشيطان والإنسان، وهو أحد الأسلحة الربانية والعلاجات الوقائية للمسلم في حربه الشرسة مع عدوه الشيطان الرجيم، وهذه الحقيقة الثابتة أقر بها الشيطان نفسه واعترف بها في قوله: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39، 40] . فبيّن أن سلطان الشيطان وإغواءه إنما هو لغير المخلصين؛ لأن الشيطان يعلم أن كيده لا يفيد عند أهل الإخلاص؛ لأنهم لا يقبلون منه، فعلينا أن نعلم جميعًا أنَّ نصيب الشيطان منا بقدر خُلُوِّنا من الإخلاص، فالقلب إن لم يكن خالصًا لله متوجّهًا إليه تملّكه الشيطان واستحوذ عليه.

ومن الوقاية من كيد الشيطان لزوم الجماعة، فالالتزام بالجماعة أحد الحصون المنيعة ضد مكائد الشطان، ولذلك حثنا الرسول على لزوم الجماعة فقال: (( عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، من أراد بَحْبُوحَة الجنة فليزم الجماعة ) )الحديث صححه الألباني.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه كان غفّارًا.

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الإخوة، ومن وسائل الوقاية من الشيطان عدم موالاة الشيطان وعدم التشبّه به، وموالاته تحدث بأمور، منها الاستعانة بالسَّحَرَة والكَهَنَة والمشعوذين، فمن لجأ إليهم صار وليًّا للشيطان، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [النساء:119] .

ومن صور موالاة الشيطان والتشبه به الأكل والشرب والأخذ والعطاء بالشمال، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( ليأكل أحدكم بيمينه، وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، وليعط بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله ) )حديث صحّحه المنذري في الترغيب والترهيب.

ومن صور التشبّه بالشيطان العَجَلَة، قال رسول الله: (( الأَنَاة من الله، والعَجَلَة من الشيطان ) )والحديث حسّنه الترمذي في البر والصلة. حيث إن الشيطان يُروّج شرّه على الإنسان عند الاستعجال من حيث لا يدري.

ومن صور التشبه بالشيطان الجلوس بين الظل والشمس، ولذلك نهى النبي أحد الصحابة أن يجلس بين الظل والشمس وقال: (( مجلس الشيطان ) )أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه.

ومن صور الموالاة والتشبه بالشيطان التبذير، قال تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27] .

ومن صور موالاة الشيطان الكِبْر، فالكِبْر هو سبب شقاء إبليس وخروجه من الجنة، وسيدخل بسببه النار، ولذلك من تحلّى بهذه الصفة فليعلم أنها من التشبه بالشيطان وموالاته، والشيطان من أعظم ما يدخل على الإنسان عن طريق الكِبْر.

أيها الإخوة، بعد معرفة ما تقدّم من العلاجات الوقائيّة لمحاربة الشيطان فإنه ينبغي أن نعلم ونتيقن أن تلك العلاجات لا فائدة فيها، ولا تعطي ثمارها إلا بالتوبة الصادقة إلى الله جل وعلا من جميع الذنوب في الظاهر والباطن، فإنه لو تحقّق شيء من تلك العلاجات بلا توبة فإن نتائجها تكون سريعة الزوال ومفعولها ضعيف التأثير، إذ الإنسان الذي يحارب الشيطان بتلك الأسلحة الربانية وهو مُصِرّ على الذنوب والآثام فقد حارب عدوه الشيطان من باب، وترك أبوابًا أخرى مُشْرَعَة أمام عدوه لينفذ إليه منها، ولذلك نرى الشخص الذي يذهب إلى الراقي فيقرأ عليه من أذى الجن والشياطين، فإذا ما تعالج نجده بعد فترة يعود إليه مرضه، ويرجع للراقي، وعندما يسْتَفْصِلُ هذا الراقي عن حاله يجده ما زال مُصِرًّا على ذنب من الذنوب. قيل للحسن: ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود؟! فقال:"ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملّوا من الاستغفار".

فعلينا غيظ الشيطان وإرغامه بالتوبة، ولنقبل على ربنا الغفور الرحيم الذي يغفر الذنوب جميعًا، ولنخيّب بتوبتنا إلى ربنا كيد وأهداف الشيطان بنا.

أيها المسلمون، إن التوبة الصادقة حصن منيع للإنسان ضد مكائد الشيطان في صراعه الدائم، وإنها علاج وقائي ومباشر لكل الأمراض والمصائب التي يصيب بها الشيطان الإنسان، فإن التائب قد لجأ إلى ربه تعالى ومولاه واحتمى بحماه، وكفى بالله حافظًا وعاصمًا، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] .

أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يعصمنا من الشيطان الرجيم، وأن لا يجعل له إلينا سبيلًا، وأن يوفّقنا للتوبة النصوح، ويجعل خير أعمالنا خواتيمها.

اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا وما لم نعلم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت