الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
أشراط الساعة, الفتن
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-علامات الساعة حجة على المعاندين الجاحدين. 2- آيات قرآنية عن الساعة وأشراطها. 3- من علامات الساعة انحسار الفرات عن جبل من ذهب. 4- من علامات الساعة استحلال البيت الحرام. 5- الغاية من ذكر أشراط الساعة.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أخبر الله عز وجل منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة عن اقتراب الساعة وأن أشراطها أتت وبدأت من مئات السنين، وتلك العلامات والدلالات هي في حقيقتها إقناع وحجة على المكذبين بالقيامة والبعث والجزاء والحساب والعقاب والجنة والنار؛ ليزداد المؤمنون إيمانًا مع إيمانهم وليقفوا في وجه المعاندين المكابرين الجاحدين بالحجة والبرهان والأدلة القاطعة التي لا يمكن أن تكون من عند بشر وإنما هي من لدن حكيم خبير يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فسبحان ذي العزة والجبروت الذي قال في محكم تنزيله: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر: 45] .
وأعود للتذكير ببعض الآيات القرآنية عن الساعة وأشراطها واقترابها من أجل الربط بين القرآن والسنة وليرجع من أحب الرجوع إلى كتب التفسير والحديث، قال تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: 1، 2] ، وقال عز وجل: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: 1، 2] ، وقال سبحانه: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد: 18] ، وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا [النازعات: 42-45] ، وقال سبحانه: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: 63] ، وقال عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 187] .
فهذه الآيات بمجملها تدل على أن علم وقوع القيامة لا يعلمه إلا الله عز وجل، وإنما أعطى سبحانه وتعالى دلالات وعلامات واضحة في القرآن الكريم وفي سنة نبيه محمد على أنه لم يبق منذ بعثة الرسول محمد إلا الشيء القليل بالنسبة لعمر الدنيا وما سلف منها كما أخبر سبحانه وبحمده في قوله عز وجل: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد: 18] .
ومن العلامات التي أخبر الرسول عن وقوعها أن ينحسر جريان ماء نهر الفرات الذي يمر بثلاث دول هي تركيا وسوريا والعراق حتى يلتقي بنهر دجلة ويصب في الخليج العربي، وانحساره وعدم جريانه هو خروج وبروز جبل من ذهب يقتتل الناس عليه مقتلة عظيمة، فَيُقْتل من كل مائة تسعة وتسعون، والله أعلم في أي الدول الثلاث يكون ولكن سوف يقع ذلك كما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ، ولعل الذي حصل مع بداية هذا القرن الخامس عشر الهجري لتحويل ماء الفرات لمدة شهر بسبب دراسات جيولوجية كما يزعمون هو بداية لذلك فيما بعد والله أعلم، وقيل بأن الانحسار يظهر فجأة بثوران بركان في منطقة النهر يخرج منه الذهب من باطن الأرض حتى يكوّن جبلًا بارزًا من الذهب؛ لأنه من المعلوم أن المواد المنصهرة التي تخرج من باطن الأرض وهي في درجات حرارة عالية جدًا عندما تبرز إلى سطح الأرض وتتكون منها الجبال البركانية تبرد بعد ذلك. فعلينا أن نؤمن بأنه سوف يحسر نهر الفرات عن جبل من ذهب بأي كيفية يقدرها الله سبحانه وتعالى، سواء أدركنا ذلك الزمن أو لم ندركه حتى نكون من المؤمنين بالغيب الذين مدحهم الله وأثنى عليهم في كتابه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو ) )، وقال: (( يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا ) )، وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: كنت واقفًا مع أبي بن كعب فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا، قلت: أجل، قال: إني سمعت رسول الله يقول: (( يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ) ).
وعلامة وقعت في اليوم الأول من شهر الله المحرم من عام ألف وأربعمائة من الهجرة النبوية الشريفة أخبر عن وقوعها رسولنا محمد ، وهي جزء من الحديث البليغ المروي عن نبينا وحبيبنا محمد الذي لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4] . ولقد صنفه علماء الحديث مع هدم الكعبة ومع أحاديث المهدي لوجود الشاهد فيه على كل من ذلك، ولننظر إلى دقة الألفاظ في قوله: (( لرجل ) )والواو التي هي حرف العطف، و (ثم) التي هي حرف عطف، ولكن وقوع ذلك بعد زمن طويل، أما الواو فلقد قُرِنَتْ بِـ (لَنْ) التأبيدية. ولنستمع إلى الحديث النبوي الشريف، عن سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يخبر أبا قتادة أن رسول الله قال: (( يبايَع لرجلٍ ما بين الركن والمقام، ولَنْ يَسْتَحِلَّ هذا البيتَ إلا أهلُه، فإذا استحلوه فلا تسال عن هلكة العرب، ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه ) ).
وأقف مع بداية الحديث وأقول بأن هذا قد حصل كما أسلفت وكما ورد في ألفاظ الحديث بكل دقة، فقوله: (( يبايع لرجل ) )نعم لقد حصل ذلك، والرجل هنا نكرة وليس بمعرفة كما هو الحاصل في أحاديث المهدي، لذا فقد حصل الخلط في تفسير وتأويل هذا الحديث لأنه موجود بين تلك الأحاديث، ولأن علماء الحديث لا يعلمون الغيب، وسياق ما فيه جعلهم يصنفونه مع تلك المجموعة، ولكن لننظر إلى أمر عجيب في هذا الحديث كما صوره رسول الله حيث ربط بين المبايعة عند الكعبة وبالتحديد بين الركن والمقام وبين أمر عظيم لم يتنبه له أكثر المسلمين وخاصة في هذا العصر الذي وقع أمامهم، فما ذلك الأمر الجلل؟ إنه استحلال حرمة البيت الحرام بالقتال فيه، وهو الحرم الآمن الذي يحرم تنفير صيده وقطع شجره والتقاط لقطته إلا لمن يعرفها وغير ذلك من الحرمات الأخرى التي يختص بها ساكنوه عن بقية بقاع الأرض فضلًا عن القتال فيه وانتهاك حرمته حيث لم يحلَّ إلا ساعة من نهار لرسول الله. وفي اللفظ نفسه دقة لفظة أخرى حيث ورد حرف العطف و (لَنْ) التأبيدية التي تدل على أنه لن يستحل حرمة البيت الحرام بالقتال فيه إلا أهله، وهم المسلمون، لا يستحله اليهود ولا النصارى ولا الشيوعيون ولا غيرهم من الطوائف قبل ذلك، بل يستحله المسلمون بالقتال فيه، ووقع ما أخبر به الرسول ، وأراد الله عز وجل أن ينفذ قضاؤه وقدره على وفق ما أخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فَخُيِّلَ إلى تلك الفئة بأن فيهم المهدي حتى يقع وينفذ الحديث حرفًا بحرف، ووقع ذلك وبقي (ثُمَّ) التي تفيد الترتيب وأمام ذلك سنوات طويلة بإذن الله، لأن نهاية الحديث تدل على أن خراب الكعبة على أيدي الحبشة عندما ينتهي مخزون الأرض من البترول وغيره من أنواع الوقود حيث لا طائرات ولا دبابات ولا صواريخ، بل تعود حال الناس في ذلك الزمان على ما كانت عليه، ويدل على ذلك أحاديث الدجال وقتال المسلمين لليهود وهدم الكعبة وغيرها من الأحاديث الصحيحة والواضحة للمتأمل في دقة ألفاظها، والله تعالى أعلم وأحكم.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أُصَيْلِع أُفَيْدِع يضرب عليها بِمِسْحَاتِه ومِعْوَلِه ) ). وفي رواية للبخاري: (( كأني أنظر إليه أسود أَفْحَج ينقضها حجرًا حجرًا ) )يعني الكعبة.
الحمد لله ربّ العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
أما بعد: فإن الغاية والهدف من وراء الاستطراد في ذكر علامات الساعة ـ وإن كنا لم نأت بها جميعًا ـ أمورٌ متعددة، منها: أداء الواجب بإبلاغ رسالة الله والدعوة إليه عز وجل، والنصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والخروج من الإثم، والخوف من كتمان العلم الذي ينفع الله به الناس، والوصول إلى حقيقة مهمة وهي أن رسول الله الذي أخبرنا بتلك الأمور التي نراها بأعيننا ونعيشها ونسمع عنها في واقعنا ونراها رأي العين تلك الأمور التي كانت غيبًا فيما مضى من عهد رسول الله وصحابته أصبحت واقعًا مشاهدًا، نقول بأن الذي أخبرنا عنها ورأيناها هو الذي أخبرنا عن العلامات الكبرى وسوف يراها غيرنا ممن يشاء الله له أن يعيش بعدنا، وهو الذي أخبرنا عن عذاب القبر لمن كان من أهل النار، وعن نعيم القبر لمن كان من أهل الجنة، وهو الذي نزل عليه القرآن الكريم وأخبر عن نهاية هذا الكون الذي نألفه ونعيشه بنسف الجبال وبسّها حتى تكون كالعهن المنفوش وتسييرها في الفضاء الهائل الذي لا ندرك منه إلا الشيء اليسير، وعن تكوير الشمس وانكدار النجوم وحشر الوحوش وتسجير البحار وانفطار السماء وتناثر الكواكب وزلزلة الأرض لإخراج ما في باطنها من الأثقال، وبعثرة القبور وخروج الناس منها كالجراد المنتشر وشخوص الأبصار إلى السماء من هول الحساب والعقاب والخوف من الله عز وجل والخوف من الفضيحة يوم العرض على الله تبارك وتعالى، يوم يتخلى كل الناس بعضهم عن بعض، كل يريد النجاة بنفسه وينسى أقرب قريب له، الوالد يتخلى عن أولاده مع محبته لهم في الدنيا وعن أبيه وأمه وزوجته ويقول: نفسي نفسي، إن الرسول هو الذي أخبرنا بذلك سواء في الأحاديث الصحيحة أو في القرآن الكريم الذي ما زال محفوظًا بأمر الله عز وجل، وهو الذي أخبرنا عن النار وجحيمها وسلاسلها وأغلالها وسعيرها وزقومها وطعام أهلها وشرابهم جزاء بما كسب أهلها من الأعمال السيئة نعوذ بالله من ذلك، وهو الذي أخبرنا عن الجنة وما أعد الله لعباده المؤمنين المتقين فيها من أصناف النعيم والتي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ودخولهم لها بسبب أعمالهم الصالحة وطاعة الله ورسوله، نسأل الله النعيم المقيم في جنات النعيم: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 54، 55] ، قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17] .
إنَّ عَاَلَمَ الغيبِ الذي أُخبرنا عنه يجب علينا أن نشعرَ به ونعدَّ له العدة كأنه عَالَمُ شهادة نشهده ونعيشه ونعمل له كما نعيش ونعمل ونكدح لحياتنا الدنيوية الفانية قبل أن تأتي ساعات الندم والحسرة ويتمنى كل منا أن لو كان له حسنة واحدة أو حسنات ليبلغ بها الدرجات في الجنة أو لينجو بها من عذاب الله، إن المهلة أمامنا موجودة سواء طال عمر الشخص أو قصر للاستزادة من أعمال البر والخير ووجوهه بأي عمل يقرب الشخص إلى الله، حتى ولو كان قد أساء في حياته واقترف من الآثام ما لا يعلمه إلا الله ومات تائبًا بعد ساعات أو أيام فإن الله جل جلاله يتوب عليه ويبدله عن سيئاته تلك بالحسنات والأجر العظيم وغفران الذنوب وتكفير السيئات، قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53] ، وقال عز وجل: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70] .