فهرس الكتاب

الصفحة 3949 من 5777

الجمعة وعظم شأنها

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الصلاة, فضائل الأزمنة والأمكنة

داود بن أحمد العلواني

جدة

الأمير منصور

1-الجمعة عيد المسلمين. 2- التخلف عن الجمعة وصفات المنافقين. 3- خير يوم طلعت عليه الشمس. 4- ساعة الإجابة في يوم الجمعة. 5- آداب وسنن الجمعة. 6- الصلاة على النبي يوم الجمعة.

الحمد لله جعل يوم الجمعة عيدًا لأهل الإسلام، وأمرنا فيه بذكره والإكثار من الصلاة والسلام على سيد الأنام، أحمده سبحانه وتعالى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله عليه الصلاة والسلام، خيرة خلق الله وقدوة الأنام.

أما بعد: عباد الله، لقد اختص الله سبحانه وتعالى بعض الأيام بمزيد من الشرف والتفضيل، فكان لها في النفوس الأثر الكبير من الرفعة التكريم والاحترام، ومن تلك الأيام المباركة من الله جل وعلا يوم الجمعة، فجعله الله عيدًا للمسلمين، كما جعل الأحد للنصارى والسبت لليهود، وقد أوجب الله في هذا اليوم فريضة الجمعة فقال: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَو?ةِ مِن يَوْمِ ?لْجُمُعَةِ فَ?سْعَوْاْ إِلَى? ذِكْرِ ?للَّهِ وَذَرُواْ ?لْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة:9] .

ولم يبح لأحد التخلف عنها لغير عذر، حتى لا يفوت من هذا الاجتماع الأسبوعي ما فيه من تعليم وتوجيه وموعظة وتذكير، بل هو تجديد للبيعة وإظهار لوحدة المسلمين وإحياء لعاطفة الأخوة بينهم، فقال: (( لينتهين قوم عن ودعِهم الجمُعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين ) ) [1] ، ومعنى ودعِهم أي: تركهم الجمُعات أو التخلف عنها، وقال أيضًا: (( من ترك ثلاث جمع تهاونًا طبع الله على قلبه ) ) [2] أي: ختم على قلبه نعوذ بالله من ذلك.

فاتقوا الله عباد الله، واشهدوا الجُمَع، وحذار من التهاون بها أو إنشاء الرحلات فيها هربًا من أدائها أو عدم الاهتمام بها أو انتحال الأعذار عن أدائها أو التشاغل عنها، وقد سمعتم الوعيد الشديد في ذلك.

واعلموا أن يوم الجمعة هو أفضل الأيام عند الله، فقد قال رسول الله: (( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها ) ) [3] .

واعلموا ـ عباد الله ـ أن في يوم الجمعة ساعة مباركة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي ويسأل الله شيئًا إلا أعطاه ذلك، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ذكر يوم الجمعة فقال: (( فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه ) ) [4] .

أما عن وقت هذه الساعة المباركة فقد ذكر أنها بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، وقيل: هي ما بين أن يجلس الإمام على المنبر حتى تقضي الصلاة، وقيل: غير ذلك، والأفضل على المسلم استدامة الذكر وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة في كل ساعات هذا اليوم المبارك.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنه يفضّل التبكير إلى الجمعة لقضاء أكبر قدر من الوقت ممكن في التنفل تقربًا لله، وحرصًا على القرب من الإمام من أجل استجماع الفكر وتدبر الذكر، فقد صح عن رسول الله أنه قال: (( من غسّل يوم الجمعة واغتسل وبكّر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ واستمع كان له بكل خطوة يخطوها أجر عمل سنة؛ صيامها وقيامها ) ) [5] .

فينبغي للمسلم الحريص على الخير المبادرة إليها لما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ) ) [6] أي: خرج لاستماع الخطبة، وللجمعة خطبة أولى وخطبة ثانية، ويسميها بعض أهل العلم موعظة الأسبوع.

فالله الله عباد الله، حافظوا على الجمعة، وبادروا إليها برغبة ومحبة مراعين آدابها وسنتها لتفوزوا بفضلها والفوز بالساعة المستجابة والدعاء فيها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَو?ةِ مِن يَوْمِ ?لْجُمُعَةِ فَ?سْعَوْاْ إِلَى? ذِكْرِ ?للَّهِ وَذَرُواْ ?لْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ ?لصَّلَو?ةُ فَ?نتَشِرُواْ فِى ?لأَرْضِ وَ?بْتَغُواْ مِن فَضْلِ ?للَّهِ وَ?ذْكُرُواْ ?للَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:9، 10] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه، ووفقنا الله للمبادرة إلى صلاة الجمعة والجماعة والحصول على الأجر الكامل فيها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] رواه مسلم في الجمعة، باب: التغليظ في ترك الجمعة (865) .

[2] رواه أبو داود في الصلاة، باب: التشديد في ترك الجمعة (1052) ، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر (500) ، والنسائي في الجمعة، باب: التشديد في التخلف عن الجمعة (3/88) ، وحسنه الترمذي.

[3] رواه مسلم في الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة (854) .

[4] رواه البخاري في الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة (1/224) ، ومسلم في الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة (852) .

[5] رواه أبو داود في الطهارة، باب: في الغسل يوم الجمعة (345) ، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة (496) ، والنسائي في الجمعة (3/95) ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.

[6] رواه البخاري في الجمعة، باب: فضل الجمعة (1/212) ، ومسلم في الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة (850) .

الحمد لله المتفضل على عباده بجزيل النعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من اصطفاه لرسالته وشرفه على سائر خلقه، فاللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله واعلموا أن للجمعة سننًا وآدابًا لا بد لكل مصلّ من مراعاتها استجابة لأوامر الكتاب والسنة، فلا تؤذينَّ ـ أخي المسلم ـ أحدًا برائحة كريهة، فعليك قبل الإتيان إلى المسجد الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لقوله: (( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه ) )، وفي رواية: (( ولو من طيبِ المرأة ) ) [1] .

كما يجب عليك ـ أخي المسلم ـ أن تتحاشى تخطّي رقاب المسلمين في المسجد، وإن كنت حريصًا على الصفوف الأولى فعليك بالتبكير بدلًا من التأخر والوقوع في المحاذير، ولا ترفعن صوتك حتى ولو بقراءة القرآن، فإنها تشوش على المصلين صلاتهم، ولا تقيمن أحدًا من مجلسه، ولا تمرن بين يدي مصل فيفوتك الثواب وتستحق العقاب.

وإياك ثم إياك أن تنسى الإكثار من الصلاة على النبي في هذا اليوم المبارك، فإن من حقه علينا أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته كما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من الندب إلى مشروعية الصلاة والسلام عليه في يوم الجمعة وليلتها بصفة خاصة وفي سائر الليالي والأيام بصفة عامة، فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( من صلى عليّ في يومه وليلته عشر مرات حلت له شفاعتي يوم القيامة ) )، اللهم ارزقنا شفاعته ومحبته ومتابعته والالتزام بسنته والبعد عن مخالفته، وأن تحشرنا معه يوم القيامة بفضلك ومنّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم آمين.

[1] رواه مسلم في الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال (846) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت