فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 5777

دروس من سيرته صلى الله عليه وسلم ودعوته

سيرة وتاريخ

السيرة النبوية

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

أول أمر للنبي صلى الله عليه وسلم كان بالعلم والتوحيد حيث نبئ بـ: ( اقرأ باسم ربك... )

وأُرسل بـ: ( قم فأنذر ) - دعوته صلى الله عليه وسلم 13 عامًا للتوحيد وتأسيس الإيمان

والأخلاق في القلوب - هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتأسيس أركان الدولة -

من دروس مدرسة الدعوة النبوية في الصبر والثبات والأخذ بالأسباب - مراعاة طبيعة كل

مرحلة وأخذ العدة والأسباب لها - النصر مرتبط بالأخذ بالأسباب

أما بعد فكان أول انبثاق نور الله على عبده ورسوله ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم بالعلم والتوحيد فنزل عليه اقرأ وهذا أمر بالعلم, باسم ربك وهذا أمر بالتوحيد, الذي خلق خلق الإنسان من علق وهذا أمر بمعرفة ربوبية الله, أقرأ وربك الأكرم هذا أمر بمعرفة ألوهية الله عز وجل فهو أكرم من كل شيء إذ هو أكبر من كل شيء, إذ هو الإله الذي يستحق وحده العبادة. كان هذا أول ما نبئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرسل بالمدثر, نزل عليه صدر سورة المدثر وفيها الأمر بالبلاغ والأمر والأمر بالتوحيد قم فأنذر هذا هو الأمر بالبلاغ, وربك فكبر فهذا هو الأمر بالتوحيد, وثيابك فطهر أي من الشرك ورجزه, والرجز فاهجر والرجز هو عبادة الأصنام فهذا أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمبالغة في هجران الأصنام, في هجران الشرك وأهله وأمر له بالثبات والاستمرار والدوام علي ذلك.

وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بواجب الدعوة إلي ربه خير قيام لبث في مكة ثلاثة عشر عاما يدعو قومه إلي توحيد الله عز وجل ويدعوهم إلي مكارم الأخلاق وينهاهم عن عبادة الأوثان ويسفه أحلام أولئك الذين عبدوا أحجارا لا تنفع ولا تضر, ثلاثة عشر عاما كلها دعوة دائبة ثابتة مستمرة لتأسيس الإيمان في القلوب وغرس بذرة التوحيد في النفوس ورعايتها حتى تؤتي أكلها بإذن ربها.

ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلي هذه المدينة المباركة وواصل فيها دعوته النبوية المباركة فمكث في هذه المدينة عشر سنين أكمل فيها بناء المجتمع الإسلامي وثبت خلالها أركان الدولة الإسلامية وأشهر خلالها نار الجهاد مع نور الدعوة وكان مجمل عمر دعوته النبوية صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عاما غير فيها وجه التاريخ بإذن ربه وأشعل نور سراج الإسلام الذي مازال ينير للناس طريقهم حتى اليوم. ثلاثة وعشرون عاما عمر قصير في تاريخ البشرية ولكنها كانت كافية لتحقيق تلك الأهداف العظمى علي يد النبي صلى الله عليه وسلم, وهنا درس عظيم في مدرسة الدعوة النبوية يجب أن نعيه وندركه تماما فثلاثة وعشرون عاما كابد فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشاق ما تنوء به كواهل البشر ومرت به خلالها من المحن والشدائد والفتن والمواقف الحرجة ما تنهار دونه الجبال الرواسي ولكنه صلى الله عليه وسلم تحمل كل ذلك صابرا محتسبا ثابتا علي طريق الدعوة. فلماذا كل هذا الابتلاء الشديد؟ ولماذا كل هذه المكابدة العظيمة للنبي المصطفي صلى الله عليه وسلم؟ فالله جل جلاله قادر علي أن يحقق لنبيه ومصطفاه كل تلك الأهداف العظيمة من دعوته دون أي مكابدة أو مشقة يلاقيها صلى الله عليه وسلم, قادر أن يحقق له كل ذلك بطريق المعجزة والخوارق, ألم يشق له القمر نصفين حتى رأت قريش كل نصف منهما في جهة فلماذا لم يحقق جل جلاله كل تلك الأهداف السامية العظيمة في الدعوة النبوية بلا مكابدة أو مشقة بطريق المعجزة, لقد شاء جلت قدرته أن تكون الدعوة النبوية درسا لهذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم, ولذلك فقد سارت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في طريق السنن الربانية وليس في طريق المعجزات والخوارق الكونية لأن محل القدوة هو في تلك السنن وليس هو في تلك الخوارق مع أن المعجزات صاحبت دعوته صلى الله عليه وسلم وظهرت خلال حياته صلى الله عليه وسلم لكن المعجزة كانت تأتي وظيفتها بعد أن يستنفذ النبي صلى الله عليه وسلم كافة مستلزمات السنن الربانية التي لا تتغير ولا تتبدل لأحد, ولنضرب بعض الأمثلة والنماذج علي هذه الحقيقة الهامة وعلي هذا الدرس العظيم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخدم في دعوته الوسائل والأساليب التي تتطلبها المرحلة وتقتضيها الظروف ففي بادئ الأمر في بداية دعوته صلى الله عليه وسلم وهو وحيد أو هو مع أفراد قلائل ممن آمن وعود الدعوة طرى بعد كان صلى الله عليه وسلم يدعو إلي الله سرا, لبث يدعو إلي الله سرا ثلاث سنين حتى نزل عليه قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين [الحجر:94] . حينئذ جهر صلى الله عليه وسلم بدعوته وفي تلك المرحلة السرية التي امتدت ثلاث سنين في مكة كان صلى الله عليه وسلم يتخذ كافة الاحتياطات اللازمة لإخفاء نشاطاته وتحركاته عن أعين جبابرة المشركين وطواغيت قريش آنذاك حتى لا يئد الدعوة في مهدها حتى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما أراد قبل إسلامه الوصول إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف أين يجده ولا أين يجتمع صلى الله عليه وسلم بأصحابه ولولا أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأوا رقة عمر وميله إلي الإسلام , لولا أنهم دلوه علي مكانه صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم ما اهتدى إليه عمر وفي هذا درس عظيم لهذه الأمة أن تتخذ لكل شيء سببا , فأما إذا لم تتخذ الأسباب فلا تلومن حينئذ إلا نفسها إذا خابت النتائج, في هذا درس عظيم للمؤمنين ألا يغتروا بأنفسهم ويتقاعسوا عن بذل الأسباب ثم ينتظرون النصر والتمكين ينزل عليهم من السماء علي أجنحة الملائكة, كلا ليس الأمر كذلك فان القضية ليست قضية خوارق ومعجزات ولكنها قضية أسباب ومسببات فمن بذل الأسباب أدرك النتائج ومن فوت الأسباب فوت النتائج, فإذا لم يبذل المؤمنون الأسباب ولم يوفوا بالشروط فاتهم الظفر والتمكين وفي دعوة النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم لهم قدوة وأسوة ودرس بليغ في ذلك وإلي بقية هذا الدرس العظيم في دعوة المصطفي صلى الله عليه وسلم في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما أستخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينه الذي أرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون [سورة النور:55] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العلمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلي آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فان يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار وأعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فانك مفارقه وأعمل ما شئت فانك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا علي خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الاحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [1] اللهم صلى وبارك علي محمد وعلي آل محمد كما صليت وباركت علي إبراهيم وعلي آل إبراهيم انك حميد مجيد وأرضى اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين على وعن بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح مسلم عن أبي هريرة (1408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت