فهرس الكتاب

الصفحة 3410 من 5777

إعداد القوة النفسية

العلم والدعوة والجهاد

القتال والجهاد

ماجد بن عبد الرحمن الفريان

الرياض

سليمان بن مقيرن

1-المؤمن قوي في دينه وفي علمه وعمله. 2- حاجة الأمة إلى بناء النفوس القوية التي تقف في وجه الأزمات. 3- أثر الاستعمار في توهين قوى المسلمين الروحية والخلقية. 4- المعالم التي يتميز بها المؤمن القويّ. 5- التحسّر على الماضي ليس من أخلاق المؤمن القوي.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى وتوبوا إليه.

معاشر المسلمين، إن صدق العقيدة وصحتها يضفي على صاحبها قوة تظهر في أعماله كلها، فإذا تكلم كان واثقا، وإذا عمل كان ثابتًا، وإذا جادل كان واضحًا، وإذا فكّر كان مطمئنًا، لا يعرف التردد، ولا تميله الرياح، قوي العلم، قوي الجسم، وقبل ذلك وبعده قوي الدين، يأخذ تعاليم دينه بقوة لا وهن معها، ممتثلًا لقول الله جل وعلا: خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـ?كُم بِقُوَّةٍ [البقرة:63] ، وقوله: ي?يَحْيَى? خُذِ ?لْكِتَـ?بَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] .

المؤمن يأخذ أمره بعزيمةٍ لا رخاوة معها، وقوةٍ لا ضعف فيها، لا قبول لأنصاف الحلول، ولا هزال، ولا استهزاء. هذا هو عهد الله مع أنبيائه والمؤمنين، جد وحق، وصراحة وصرامة.

المؤمن القوي يثق بما يوقن به، ويعرف برهان فعله، ثم لا يأبه بما يلقاه من سخرية واستنكار، قدوته في ذلك سيد الأقوياء من البشر محمد ، يقول رسول الهدى: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ) ).

أيها المسلمون، إننا نطالب بإعداد القوة لمجابهة أعداء الدين، وإن أول خطوة نخطوها في ذلك هي إعداد المؤمن القوي، ذلك أن المؤمن القوي هو عماد الرسالات وروح النهضات ومحور الإصلاح، أعِدَّ ما شئت من معامل السلاح والذخيرة فلن تقتل الأسلحة إلا بالرجل المحارب القوي، وضَع ما شئت من مناهج للتعليم والتربية فلن يقوم المنهج إلا بالرجل الذي يقوم بتدريسه، وأنشئ ما شئت من لجان فلن تنجز مشروعًا إذا حُرمتَ الرجل الغيور.

سقطت دول تملك السلاحَ دون أقوياء الرجال، وبقيت مقاومة أقوياء الرجال تثخن في أعداء الله وهي في قلة من السلاح. ذلك ما يقوله الواقع الذي لا ريب فيه.

إن القوة ليست بحد السلاح بقدر ما هي في قلب الجندي، والتربية ليست في صفحات الكتاب بقدر ما هي في روح المعلم، وإنجاز المشروعات ليس في تكوين اللجان بقدر ما هو في قوة القائمين عليها.

إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى زرع القوة في أفرادها دينًا وعلمًا وخلقًا. تحتاج الأمة اليوم إلى المؤمنين الأقوياء، والذين يحملون في قلوبهم قوة نفسية تحملهم على معالي الأمور، وتبعدهم عن سفسافها، قوة تجعل أحدهم كبيرًا في صغره، غنيًا في فقره، قويًا في ضعفه، قوة تحمله على أن يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه، يعرف واجبه نحو نفسه، ونحو ربه، ونحو بيته ودينه وأمته.

تحتاج الأمة اليوم لأن ترى انتصارات أبنائها في ميادين التحديات الصغيرة، فمن انهزم في الميدان الصغير سيخذلنا في الميدان الكبير، ومن خارت قواه أمام الشهوات فسيخذلنا في الجبهات، ومن هزم في ميدان"حيَّ على الصلاة"فسيهزم قطعًا في ميدان"حي على الكفاح". نريد أن يمتلئ المجتمع بالنفوس القوية والتي تتعالى على شهواتها، وتنتصر على رغباتها، وتتحول إلى نفوس مجندة لخدمة هذا الدين، وليس هذا فحسب، بل نريد القوة المتكاملة بجوار قوة الدين والنفس، نريد قوة البدن وصلابته، ونريد قوة العقل وحدته، نطالب كل مسلم أن يتحول إلى مؤمن قوي يتكفل بنفسه، وينطلق إلى غيره، معتصمًا بالله، متوكلًا عليه، قويًا بإيمانه، معتزًا بإسلامه، لا ينهزم في الحروب النفسية التي تدير رحاها وسائل الإعلام دون سلاح، لا تكن سماعًا لهم، كن واعيًا، كن واثقًا، كن حذرًا، لا تكن عاهة مستديمة في أمتك، عالة على مجتمعك، طور نفسك، احفظ عقلك ووعيك، كن صعب المراس، لا تسهل خديعتك، واعلم أن القوة التي نريد في الدرجة الأولى قوة الإيمان والنفس، وتأتي قوة البدن تبعًا، وليست القوة بعظمة الجسم وطولِ القامة وقوةِ البنية مع ضعف الدين والعقل:

لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير

وتضربه الصغيرة بالهراوى فلا حسَّ لديه ولا نكير

وكان عبد الله بن مسعود نحيفًا نحيلًا، فانكشفت ساقاه يومًا وهما دقيقتان هزيلتان، فضحك بعض الصحابة، فقال الرسول: (( أتضحكون من دقة ساقيه؟! والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من جبل أحد ) ). فالمرء قيمته بأصغريه، لا بيديه ولا رجليه:

ترى الرجل النحيل فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور

ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير

وليست القوة بتقدّم السن وطول العمر، فكم من شيخ في سنّ السبعين وقلبه في سن السابعة، يفرح بالتافه، ويبكي على الحقير، ويتطلع إلى ما ليس له، وكم من غلام في مقتبل العمر، ولكنك ترى الرجولة المبكرة في قوله وعمله وتفكيره وخُلقه.

إخوة الإسلام، إن خير ما تقوم به دولة لشعبها وأعظم ما يقوم عليه منهج تعليمي وأفضل ما تتعاون عليه أدوات التوجيه كلها من صحافة وإذاعة ومسجد ومدرسة هو صناعة هذه القوة وتربية هذا الطراز من الرجال. ولم تر الدنيا مؤمنًا قويًا في أجلى الصور وأكمل المعاني كما رأتها في تلك النماذج الكريمة التي صنعها الإسلام على يد رسوله العظيم ، من رجال يكثرون عند الفزع، ويقلّون عند الطمع، لا يغريهم الوعد، ولا يلينهم الوعيد، لا يغرّهم النصر، ولا تحطمهم الهزيمة.

أما اليوم، وقد أفسد الاستعمار جوّ المسلمين بغازاته السامة الخانقة من إلحاد وإباحية، فقلّما ترى المؤمن القوي، ويختنق الأمل في نفسك عندما ترى شبابًا يعرضون زنودهم القوية في الطرقات، ويملؤون المقاهي والمنتزهات، ومع ذلك هم من مظاهر الضعف، لأنه ليس منهم غناء، بل هم عاهة اجتماعية، نسأل الله لهم الهداية.

وهذا الدين لا يشكو من قلة الرجال، فإنه يضمّ ما يزيد على ألف مليون مسلم، ينتسبون إليه، وُيحسبون عليه، ولكنهم كما قال رسول الله: (( غثاء كغثاء السيل ) )، أو كما قال الشاعر:

يثقلون الأرض من كثرتهم ثم لا يغنون في أمر جلل

وماذا يغني عن الإسلام رجال أهمتهم أنفسهم، وحكمتهم شهواتهم، وسيرتهم مصالحهم، فلا وثقوا بأنفسهم، ولا اعتمدوا على ربهم؟! رجال يجمعهم الطمع، ويفرقهم الخوف، أو كما قيل:"يجمعهم مزمار وتفرقهم عصا".

أما والله لو ظفر الإسلام في كلّ ألف من أبنائه برجل واحد فيه خصائص القوة لكان ذلك خيرًا له وأجدى عليه من هذه الجماهير المكدسة التي لا يهابها عدو ولا ينتصر بها صديق.

فليت لي بهمُ قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم...

أما بعد: فيا عباد الله، إنّ المؤمن القوي يقوم على ركنين هما الإيمان والقوة، وهذان يتضمنان معالم نذكر أهمها باختصار:

أولها: همه الآخرة، يحبّ الموت في سبيل الله ويكره الحياة الدنية.

ثانيها: الثقة بموعود الله.

وثالثها: الاستعلاء عند نزول المصائب.

ورابعها: استقلال التفكير المبني على العلم، وينتج عن ذلك عدم تصديق الأكاذيب التي يقوم على تسويقها الكفار والمنافقون؛ لأن مصاب الأمة أن فيها سماعين لهم.

وإن مجتمعًا كهذا يعد خطيرًا ولو كان مجردًا عن السلاح.

و من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، والتوكل على الله هو ضرب من الثقة به، وحين قال عليه الصلاة والسلام: (( استعن بالله ولا تعجز ) )، فهو يمثّل صورة أخرى من صور قوة الإيمان، إنها قوة العزم والأخذ بالأسباب على وجهها، يستجمع المؤمن في ذلك كل ما يستطيع في سبيل تحقيق غاياته، غير مستسلم للحظوظ.

إن المرء مكلّف بتعبئة قواه وطاقاته لمغالبة مشكلاته إلى أن تنزاح عن طريقه، فإذا استطاع تذليلها فذلك هو المراد، ثم بعد ذلك يكل أمره إلى ربه ومولاه، أما التردد والاستسلام للهواجس والوساوس وتغليب جوانب الريب والتوجّس فهذا مجانب للقوة وصدق العزيمة.

فالقوة إنما يكون في الجزم والحزم والأخذ بكل العزم، وقبل ذلك وبعده التوكل على الله والاستعانة به، ولهذا كان من أعظم المصائب الهدامة العجز والكسل والجبن والبخل، فهي صور من صور الضعف والخور، وقد استعاذ منها جميعها نبيّكم محمد في دعاء رفعه إلى مولاه قائلا: (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ) )متفق عليه. إنها كلّها أمراض تصبّ في مصابّ الضعف والانهزام النفسي والعملي.

إن الصبر والرجاء هما عدة اليوم والغد، يتحمّل المرء في ظلّهما المصائب الفادحة، فلا يذلّ، بل يظلّ محصّنًا من نواحيه كلها، عاليًا على الأحداث والفتن، لأنه مؤمن، فالمؤمن لا يضرع إلا لله.

إن استعادة الأحزان والتحسر على ما فات والتعلّق بالماضي وتكرار التمني بـ"ليت"والتحسّر في الزفرات بـ"لو"ليس من خلق المؤمن القويّ، فإن"لو"تفتح عمل الشيطان، وما عمله إلا الهواجس والوساوس، فهو الوسواس الخنّاس، فلا التفات إلى الماضي إلا بقدر ما ينفع الحاضر ويفيد المستقبل.

فاتقوا الله رحمكم الله، واستمسكوا بعرى دينكم، وخذوا أمركم ودينكم بقوة وحكمة، وسيروا في درب الحق بعزيمة، متوكلين على ربكم، معتصمين بحبله، تكونوا من الراشدين.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت