فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 5777

العدل وأثره على المجتمع

الرقاق والأخلاق والآداب, سيرة وتاريخ

آثار الذنوب والمعاصي, معارك وأحداث

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

واقعتان عظيمتان في تاريخ البيت الحرام ومدلولها: الأولى: غزو أبرهة للكعبة وكيف رده الله

وجيشه النصراني - الثانية: استباحة قرامطة هجر من الروافض المسجد الحرام وقتل الحجيج-

من دروس هاتين الواقعتين سنة كونية وقاعدة إلهية أن الله يسلط على من يعصيه ويتمرد على

أمره من يهلكهم , وهذا يدل على وجوب الحذر من المعاصي , ومن أعظمها الظلم - العدل

الأخذ على يد الظالم من أعظم أسباب قوة المجتمع وتماسكه , وخطورة عدم الأخذ على يد

الظالمين وعاقبة ذلك - حلف الفضول , وكيف كان من أسباب حماية الله كفار قريش من أبرهة

أما بعد:

ففي تاريخ هذا البيت المعظم واقعتان عظيمتان لنا عندهما وقفة لدراسة بعض مدلولاتها ففي عام الفيل وهو العام الذي وُلد فيه سيدنا رسول الله غزا أبرهة الأشرم الحبشي النصراني غزا البيت الحرام وكان سبب ذلك أنه بنى في عاصمة ملكه باليمن بيتًا بالغ في بنائه وفي تفخيم أركانه وتزيين جدرانه فلمّا أتم بناءه قال: لأصرفن إليه حاج العرب، فلما سمعت العرب بذلك غضبوا فتسلل واحد منهم إلى بيت أبرهة ليلًا فأحدث فيه ثم انصرف، فلما بلغه ذلك استشاط غضبًا وعزم على هدم الكعبة فسار على رأس جيش كبير نحو مكة يتقدمهم فيل عظيم كان قد أُهدى إليه من الحبشة وفي طريقه إلى مكة اعترضته بعض قبائل العرب يقاتلونه دون البيت فهزمهم لأمر يريده الله عز وجل، ومضى حتى بلغ مكة بجيشه وفيله فلما رأت قريشًا ذلك هالها هذا الأمر واستعظمته وأنكرته ولكنها رأت أنها لا قبل لها بأبرهة وجيشه فخرجت قريش أجمعها وعلى رأسها عبد المطلب جد النبي خرجوا من مكة ولجأوا إلى رؤوس الجبال التي حول مكة وأخلوا بين أبرهة والبيت وتقدم أبرهة بادئًا هجومه على البيت الحرام فأظهر الله عز وجل أولى آياته: إذا بفيل أبرهة الضخم العظيم يبرك في مكانه ويأبى أن يتحرك فإذا وجهوه إلى الجهات الأخرى جهة اليمن أو جهة المشرق أو جهة المغرب هرول إلى تلك الجهة فإن عادوا ووجهوه إلى البيت برك مكانه وأبى أن يتحرك لما ألقى الله عز وجل في نفس هذا الحيوان الأعجم من مهابة بيته المعظم.

أشار إلى ذلك سيدنا رسول الله في الحديث الصحيح [1] فقد بركت ناقته القصواء وهو قرب مكة فقال الصحابة رضوان الله عليهم: خلأت القصواء، فقال: (( ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ) ).

ثم أظهر الله عز وجل قدرته العظيمة، أظهر قدرته في أضعف خلقه بأضعف خلقه أرسل على جيش أبرهة طيرًا أبابيل أي طيرًا جماعات ،جماعات تحمل في أرجلها وفي مناقيرها حجارة من سجيل أي حجارة من طين. حتى إذا طارت فوق جيش أبرهة رمت بتلك الحجارة عليهم فهلكوا وأصبحوا كعصف مأكول أي كزرع أُكل حبه وبقى تبنه فحمى الله عز وجل بيته الحرام وصد عنه عدوان ذلك الجيش النصراني.

فعل ذلك سبحانه وتعالى بينما العرب الذين حول البيت والذين كانوا يعظمون البيت إذ ذاك كانوا مشركين كفرة، ومع ذلك حمى الله بيته ورد عنه وعن سكانه عدوان ذلك الجيش النصراني وشاءت حكمة الله عز وجل أنه بعد الهجرة النبوية بسبعة عشر وثلاثمائة عام هجم قرامطة هجر وهم قوم من أخبث الروافض هجموا على البيت الحرام سنة سبع عشرة وثلاثمائة بعد الهجرة النبوية فقتلوا الحجاج والسكان في وسط المسجد الحرام ودفنوا جثثهم في بئر زمزم ثم اقتلعوا الحجر الأسود وعادوا إلى هجرهم ومعهم الحجر الأسود الذي مكث لديهم سنين ثم أُعيد إلى مكانه.

نعم حدث هذا في الإسلام وحدث ذلك قبل الإسلام رد الله عز وجل غزو أبرهة النصراني قبل الإسلام، رد غزوه عن بيته الحرام والعرب إذ ذاك كفرة مشركون وسلط قرامطة هجر الروافض على سكان البيت الحرام وعماره بعد الإسلام.

وفي هذا درس بليغ لكل مسلم يعلمه سنة من سنن الله الكونية وقاعدة من قواعده الإلهية التي لا تتحول ولا تتبدل وهى أن عباده الذين يعرفونه إذا أعرضوا عنه وعصوه سبحانه وتمردوا على أمره فإنه يسلط عليهم أعداءهم مما لا يعرفون ربهم ولا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة.

إذا أعرض عنه سبحانه بعض عباده الذين يعرفونه وانصرفوا عن طاعته سلط عليهم من عدوهم من يهلكهم ويدمرهم ثم يستبدل سبحانه وتعالى قومًا غيرهم: وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد:38] .

أيها المسلم من أعظم الأسباب التي نتقي بها جميعًا شر الفتن ونتقي بها العقوبات الإلهية. من أعظم هذه الأسباب أن نحرص على طاعة الله عز وجل وأن نحذر المعاصي أشد الحذر وأن نحرص على العدل وعلى أن نتواصى فيما بيننا بالعدل وأن نأخذ على يد الظالم وأن ننصر المظلوم فإن هذا من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى قوة بنيان المجتمع وتماسكه وحينئذ لا تزعزعه المحن ولا تضره عوادي الزمن.

العدل والتواصي بالعدل والتواصي بنصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم إذا فعلنا ذلك وتواصينا بذلك حكامًا ومحكومين ورعاة ورعية فإن هذا من أعظم الأسباب لاتقاء شر الفتن واتقاء غضب الجبار عز وجل فإن الظلم مجلبة لغضب الجبار عز وجل.

وإن عصيان العارف بربه مجلبة لغضب الجبار عز وجل ولعقوبته والعياذ بالله إذا وقع ظلم ثم رفع المظلوم يده يشكو إلى ربه ارتفعت دعوته إلى السماء فتفتح لها أبواب السماء حتى ترفع إلى الجبار عز وجل ليس بينها وبينه حجاب.

فإن شاء حينئذ عز وجل أمهل الظالم حتى يزيده من العذاب، أمهله إلى أجل حتى يزيده من العذاب، وإن شاء أخذه أخذ عزيز مقتدر فهو سبحانه عزيز ذو انتقام، يمهل الظالم ولا يهمله.

وإذا كثر المظلومون في مجتمع ما ولم يجدوا في ذلك المجتمع من ينصرهم ويؤازرهم ولم يجد الظالمون من يردعهم ويضرب على أيديهم إذ كان أفراد ذلك المجتمع لا يتواصون بالعدل ونصرة المظلوم فالخوف كل الخوف حينئذ أن ترتفع دعوات عشرات المظلومين أو مئات المظلومين إلى السماوات فيغضب الجبار عز وجل على ذلك المجتمع كله فيهلكه ويدمره ويسلط عليه عدوه فيمحقه.

لا يكفي أيها المسلم أن تسلم أنت من الظلم فلا تظلم ولا تُظلم بل يجب أن تتواصى مع إخوانك أفراد المجتمع المسلم، تتواصوا جميعًا بالعدل ورفع الظلم ونصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، ما مدح سيدنا رسول الله شيئًا من أمور الجاهلية كما مدح حلف الفضول وأثنى عليه. فقال في الحديث الصحيح [2] : (( لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت ) )هكذا قال يثني على حلف الفضول، وحلف الفضول هذا هو أكرم حلف سُمع في العرب وأشرفه، وكان في الجاهلية قبل مبعث النبي كان سببه أن رجلًا من زبيد جاء إلى مكة ببضاعة له فاشتراها منه العاص بن وائل وكان ذا شرف وذا قدر كبير في قومه قريش فمنعه حقه، فاستعدى الزبيدي عليه الأحلاف من قريش فأبوا أن ينجدوه وينصروه فذهب إلى جبل أبي قبيس وعلا فوقه ثم نادى بأعلى صوته بشعر له يصف فيه ظلامته وقريش في أنديتها حول الكعبة تسمعه، فسعوا في ذلك سعى منهم الزبير بن عبد المطلب في هذا الأمر واجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة اجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان وتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على ظالمه حتى يأخذوا له بحقه منه.

فسمعت قريش بهذا الحلف فأثنت عليه وآزرته ثم مضى هؤلاء إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق هذا الزبيدى.

نعم فلا عجب حينئذ إذا حمى الله تعالى بيته من أبرهة الأشرم الحبشي النصراني إذا حمى بيته وهؤلاء العرب إذ ذاك جيران البيت وفيهم هذه الخصال الكريمة. فيهم هذه الأخلاق الشريفة على الرغم من كفرهم وشركهم، هذه سنة إلهية من سنن الله عز وجل أن الكافر المشرك إذا عدل وأخذ بأسباب العدل كوفئ على عدله في الدنيا إذ لا ثواب له في الآخرة، وأما المسلم إذا ظلم وإذا عصى الله عز وجل فلا يشفع له عند الله شيء فإن الله عز وجل ليس بينه وبين أحد نسب.

اللهم إنا نعوذ برضاك من غضبك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا نحصي ثناءً عليك، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ونعوذ بك من سخطك والنار.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في صحيحه في الشروط باب الشروط في الجهاد (2/974) . رقم (2734) .

[2] أخرجه أحمد في المسند (1/191) والبخاري في الأدب المفرد ، وروى عن مسلم في صحيحه برقم (2530) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .

وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .

وقال: (( من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ) [1]

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين عليّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] أخرجه مسم في صحيحه في الصلاة باب الصلاة على النبي بعد التشهد (1/306) (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت