العلم والدعوة والجهاد
قضايا دعوية
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
1-كثرة الخبَث هي فساد الزمان 2- خرج الاستعمار وبقيت أذنابه 3- الهجمة التنصيرية على
أفريقيا 4- دعوة لتدبر القرآن الكريم وإسماعه للناس 5- الدعوة بالتي هي أحسن 6- الإعداد
والاستعداد سابق على الجهاد 7- معنى كلمة الجهاد وأهداف الجهاد الإسلامي 8- العلم قبل
القول والعمل 9- طُرق تعلّم العلم 10- مبدأ الشورى 11- ثمان قواعد ضرورية لكل شابٍ
مسلم
أما بعد:
ففساد الزمان مصطلح فقهي يريد به علمائنا فترات الانحطاط التي يغلب فيها الخبث وتكثر فيها المعاصي حتى يألفها ويعتادها الناس وتفسد بذلك أكثر طباعهم وآدابهم وتختل موازينهم وضوابطهم ولا شك أن الوقت الذي نحن فيه اليوم قريب الشبه بهذه الأوقات لقد برزت ظواهر الخلل في مجتمعاتنا بشكل واضح سواء في التصورات والأفكار والعقائد التي ابتليت بأمرار الشبهات أو في مجال الأخلاق والآداب والسلوك التي ابتليت بأمرار الشهوات فان ظواهر الانحراف والخلل واضحة بارزة في مجتمعاتنا ومما أدى إلى استفحال ذلك الفساد في هذا الزمان الذي نعيش فيه أن الاستعمار الغربي خرج من الباب ليعود من النافذة مستغلًا تلك الطبقة من أذنابه وصنائعه والتي عمل بكل مكر وحيلة على تكوينها وتهيئتها وزرعها في جسم هذه الأمة فهو خرج من الباب ولكنه ترك بؤرة في جسد الأمة تؤدى وظيفة إفسادها ولعوامل كثيرة وبسبب دعم هذا الاستعمار لهذه الفئة فانهم وللأسف الشديد قد تمكنوا من مقدرات الشعوب المسلمة في أكثر البلاد الإسلامية تمكنوا من مراتب السلطة والقيادة والتوجيه في أكثر البلاد الإسلامية فالإعلام والتعليم وتوجيه الشباب والشابات وغير ذلك من مراكز التأثير والقيادة والتوجيه. وفي أيدي هؤلاء في معظم البلاد الإسلامية وأكاد أقول في جميع البلاد الإسلامية وقد عملوا ونفذوا وخططوا وبذلوا جهودًا متواصلة ومدروسة ومبرمجة لإفساد هذه الأمة ولكن العجيب وهذا سر من أسرار الدين وطبيعة من طبائعه أن تلك الجهود المتواصلة المدروسة المبرمجة والتي سخرت لها الوسائل المتطورة بشكل كبير مما يشاهد في عصرنا وزماننا أنها سرعان ما تنهار بمجرد أن ينبثق بصيص من نور الإيمان في القلوب , فأي جهد إيماني صادق ولو كان يسيرًا يفعل فعله في النفوس أكثر مما تفعله تلك النشاطات التخريبية التي يقوم بها دهاقنة الفساد في العالم, المهم أن يبدأ نور الإيمان في القلوب بداية صحيحة سليمة فإنه يتفجر بعد ذلك في النفس البشرية تفجرًا عجيبًا كتفجر تلك العيون الإثنتا عشرة من الحجر إذ ضربه الكليم موسى بعصاه , وخطوات إيمانية صادقة سليمة يتخذها أهل الإيمان مهما كانت قليلة محدودة فإنه يكون لها من البركة والتأثير الشيء العجيب في إصلاح النفوس أو في إبطال كيد أولئك المفسدين كأنما هي عصا الكليم موسى عليه السلام تلقف ما يأفكون. إنهم اليوم وهذا مثال يبذلون جهودًا لتنصير القارة الإفريقية السوداء وينفقون بلايين الدولارات ويستخدمون في سبيل ذلك الوسائل المتطورة حتى الأقمار الصناعية ومع ذلك يقفون في حيرة وهم يتناجون بغيظ وحنق يحذر بعضهم بعضًا يقولون: إن الإسلام يزحف على القارة الإفريقية هم يقولون ذلك عجيب هذا كيف يزحف الإسلام على القارة الإفريقية مثلًا وليس ورائه من الهيئات الدولية أو ذات النفوذ والإمكانيات ولا مثل عشر تلك الهيئات التي تقف وراء التنصير, والوسائل الفقيرة الضئيلة المحدودة التي يستخدمها كتائب الدعاة المسلمين على قلتهم بهذه القارة لا تنافس أبدًا تلك الوسائل الهائلة التي يستخدمها دهاقنة التنصير في إفريقيا فكيف يزحف الإسلام على هذه القارة؟ إنه لا شك سر عجيب في هذا الدين ولعل مكمن هذا السر في أن قوة هذا الدين مستمدة من قوة منزله سبحانه وتعالى الذي شرع هذا الدين وأنزله له الأمر كله وله التدبير كله يتصرف في خلقه كيف يشاء كثيرون ممن تقلبوا في برامج التنصير أو غيره من برامج الانحراف الفكري أو الخلقي تبحث نفوسهم خلال ذلك عن مستقرها فلا تجده ولكنهم مع ذلك يماطلون أنفسهم بالأوهام ويعاندون فطرتهم ولكن في لحظة تجلي للعقل والفطرة بمجرد أن يسمع الإنسان ولو كان كافرًا آيات من القرآن الكريم تقذف فيه من التأثير الشيء العجيب بشرط أن يكون ذلك في لحظة تجلي للعقل وللفطرة ففي مثل هذه اللحظة مؤمنًا كان أو كافرًا آية من القرآن الكريم أو آيات حتى ولو لم يفقه معناها لأول وهلة فإن للقرآن تأثيرًا وبركة من كونه كلام الله وخطاب الله لهذا الإنسان ولذلك كان بعض السلف يقولون من أراد أن يتحدث مع الله فليقرأ القرآن, فالقرآن كلام الله وخطاب الله للإنسان ولذلك إذا قرعت آياته النفس البشرية في لحظة تجلى للعقل وللفطرة فإن الإنسان قلما يقاوم جاذبية هذا القرآن وقوته, قال تعالى: ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال أو كلمت به الموتى لو أن كتابًا مقروءًا يمكن أن يحدث هذا التغيير في الجبال أو الموتى لكان هذا هو هذا القرآن ولذلك أيضًا قال الله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ولكن المقصود ليس هو أن نغرق وإياكم في الأحلام والخيالات فإن الرب عز وجل قد حذرنا من ذلك فقال: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به أنا لا أريد بهذا أن نغرق جميعًا في الأحلام والأماني العريضة والخيالات ولكن المقصود هو أن نتبين معالم الطريق وأن نتعرف واجبنا في مثل هذا الزمان الكئيب والذي أريد أن أنبه إليه إخواننا الشباب أربعة معالم من معالم الطريق التي يجب أن يسلكوها جميعًا إذا التزم الشاب المسلم الجادة الصحيحة وتثبت من سلامة موقفه وصحة خطواته وأنه على الصراط المستقيم, صراط الله العزيز الحميد وأنه على منهج السلف صفوة هذه الأمة وقدوتها ورعيلها الأول لا خوف عليه ولا يحزن ولا يبالي بالدنيا وما فيها المهم هو أن نتثبت من صحة مواقفنا وسلامة خطواتنا وأننا على منهج السلف الذين هم قدوتنا. أربعة معالم أحببت أن أوصى إخواننا الشباب بالعناية بها وهي: العلم والعمل والدعوة والجهاد.
فأول ما يجب على الشاب المسلم في هذا الزمان وفي غيره أن يتعلم دين الله عز وجل على منهج السلف, ومنهج السلف يقرن فيه العلم بالعمل فلا شيء في منهجهم اسمه الترف الفكري ولا شيء في منهجهم اسمه العلم للعلم بل العلم للعمل ولذلك ما لا يتعلق به عمل من العلوم فإنهم لا يضيعون أوقاتهم فيه ولا يصرفون أعمارهم فيه , أكثر رجل من الأسئلة لأبي الدرداء رضي الله عنه وأبو الدرداء يجيبه ثم قال له أبو الدرداء: أو تعمل بكل ما تسأل عنه. قال: لا. قال: فما حاجتك إلى كثرة الحجج عليك. وأنتم تعلمون أن منهج السلف في تلقى العلم هو تلقي العلم والعمل معًا فلا شيء في منهجهم اسمه الترف الفكري ولا شيء في منهجهم اسمه العلم للعلم فما لا يتعلق به عمل من العلوم ترف فكري ولا يصرف السلف أوقاتهم فيه وأعمارهم من أجله وهم يعلمون أن الأعمار محدودة وأن التكاليف عليهم يجب أن يبادروا إلى أدائها. فعلى الشاب المسلم أولًا أن يتعلم دين الله على منهج السلف ثم عليه أن يؤدي رسالته في المجتمع أن يقوم بواجبه نحو هذه الأمة بالدعوة , فالعلم الصحيح الذي تلقاه يجب أن يبثه وينشره , ونعلم جميعًا أن الهدف من الدعوة هو الإقناع بالحجة والبرهان والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن , هذا هو الأصل في وسيلة الدعوة فمن تصور أن العنف هو الوسيلة الأسرع والأقرب لفرض مبادئ هذا الدين فلا شك أنه واهم لا يعرف طبيعة هذا الدين , لو كان الأمر كذلك لفرض القتال منذ نزول أول آية في مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولو كان الأمر كذلك لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الشطر الأكثر من عمر الدعوة في تربية النفوس وتعليم مبادئ هذا الدين بالإقناع وبالحجة والبرهان ولكن ليس معنى هذا أن نلغي من برامجنا وأن نسقط من قائمة مبادئنا ركن الجهاد فان الجهاد حياة كاملة وهو من طبيعة هذا الدين التي لا تنفك عنه أبدًا إلى يوم القيامة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بعثت بين يدي الساعة بالسيف وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ) )وفي حديث آخر صحيح وصف الجهاد بأنه ذروة سنام الإسلام. ولكن الجهاد هو قمة المرحلة تسبقه مراحل من الإعداد للجهاد, لو كان الجهاد هو المرحلة المبكرة لما أجل تشريعه إلى المرحلة المدنية وقد قيل إن قوله تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير أن هذه الآية نزلت أثناء الهجرة النبوية إلى المدينة , فالجهاد هو قمة المرحلية تسبقه مراحل كثيرة من الإعداد والاستعداد.
والجهاد له مدلولان مدلول عام بمعنى بذل الجهد والوسع والطاقة في سبيل إعلاء كلمة الله وحماية الدعوة ورفع الظلم عن المظلومين فالإسلام ليس دينًا خياليًا مغرقًا في الأحلام والأوهام انه دين الفطرة , الدين الذي يلائم طبائع البشر. ودهاقنة الفساد في العالم وطواغيت الظلم والجور في العالم لهم مصالح متشابكة أقاموها على العبودية لهم التي فرضوها على رقاب ضحاياهم ولهم مكاسب متشابكة أقاموها على السلب ونهب حقوق الناس.
و المسلم عندما يبث دعوته ملخص أهدافه في شيئين أنه يريد أن يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, فإذًا توحيد الله حتى لا يذل الإنسان لغير الله ونشر العدل بين الناس في الواجبات والحقوق, هذان هدفان لا يرضى بهما دهاقنة الفساد ولا طواغيت الجور, إنهما الصدام المباشر مع شبكة مصالحهم ومكاسبهم ولذلك إذا رأوا المسلم ينشر دعوته ليفتح أعينًا عميًا وآذانًا صمًا فلا نتوقع أنهم يقفون مكتوفي الأيدي سيحاربونه ويقاومونه بكل قوة ومن هنا شرع الجهاد بمعنيين العام والخاص فبمعناه العام بذل الجهد والطاقة لإعلاء كلمة الله ونشر الدعوة ورفع الظلم عن المظلومين وهو بهذا المعنى يرادف الدعوة, وأما معناه الخاص فهو القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ولرفع الظلم أيضًا عن المظلومين, قال تعالى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا فالجهاد في معناه الخاص هو قمة مراحل حركة الإسلام ودوران رحاه , هو ذروة السنام, والذروة لا تأتي لأول وهلة ولذلك يجب أن يسبق الجهاد مراحل من الإعداد فإن الجهاد حياة كاملة يعيشها المسلم.
وأريد أن أعود فأركز على الواجب الأول على شبابنا المسلم الذي هو التعلم , تعلم دين الله عز وجل فكما يقول السلف: العلم قبل القول والعمل , فالعلم ركن أساسي في مسيرة الشباب المسلم لأنه الوسيلة الوحيدة لتصحيح التصورات والأفكار والعقائد والعمل والدعوة , والتعلم في الإسلام له طريقان: طريق التلقي على الشيوخ فليس بد من أن تجثو على ركبتيك عند ركبتي شيخ يعلمك دين الله عز وجل ويربيك عليه يعطيك العلم والأدب فإذا ما وجدت عالمًا ربانيًا مربيًا فقيهًا فهذا هو المصدر الحقيقي للعلم في الإسلام, قال تعالى: ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ففي هذه الآية فئتان من الناس معلمون مربون فقهاء ومتعلمون يدرسون أي يقرئون ويفهمون ويحفظون, هذا هو الطريق الأول والأساسي لتلقي العلم في منهج السلف فما لم تتلقى العلم على شيخ يعطيك العلم والأدب فأنت لم تسلك منهج السلف في التعلم , حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلقى القرآن الكريم لم ينزل عليه القرآن الكريم كما نزل على موسى عليه السلام صحفًا مكتوبة جملة واحدة, رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتلقى القرآن على جبريل يسمعه من جبريل بل في كل عام في رمضان يعرض أيضًا ما أنزل عليه على جبريل فيدارسه القرآن, يقرأ جبريل أولًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ثم يقرأ الرسول وجبريل يسمع, وأخذ علماء الإسلام من هذا طريقة تلقي القرآن الكريم أنه يكون بالعرض والسماع فلابد من كليهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل وعرضه على جبريل وحتى عندما كان يعجل القرآن بلسانه وجبريل يقرأه عليه نزل قوله تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه وقرآنه أي إن علينا تعليمك قراءته وإن علينا جمعه مكتوبًا في السطور, هذه هي الطريقة التي تلقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن من جبريل, فلابد في تلقي العلم من أن تتلقاه على شيخ فإن وجدت شيخًا ربانيًا معلمًا فقيهًا فالزمه فإنه المصدر الأول والحقيقي في منهج السلف.
والطريقة الثانية لتلقي العلم المدارسة ومعناها التعامل والتشاور على العلم وهذا الأسلوب يعلم الشباب أشياء كثيرة, يعلم الشباب العمل الجماعي وروح العمل الجماعي يتعاونون ويتشاورون في طلب العلم, كما أنه يعلمهم ويربيهم على روح الشورى فالشورى مبدأ أساسي في حياة المسلم يجب أن يربي نفسه عليه, الشورى في كل شيء حتى في طلب العلم, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يترك هذا المبدأ حتى في أحلك الأوقات وأكثرها حرجًا ففي غزوة أحد مثلًا لما وصل معسكر المشركين إلى أطراف المدينة وعسكر غربي أحد ثلاثة آلاف مقاتل ومائتا فارس وصلوا إلى أبواب المدينة وعسكروا هناك ومع ذلك وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة في هذه اللحظة الحرجة الخطيرة ليجمع مجلس شوراه شبابًا وشيوخًا ويشاورهم الرأي يعرض عليهم اقتراحه دون أن يلزمهم به ويطلب منهم آرائهم واجتهاداتهم في المحنة التي حلت بهم, وانظروا كيف يطبق رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ الشورى بصرامة ودقة , يعرض عليهم رأيه واجتهاده أن يتحصنوا بالمدينة ثم يؤكد على هذا الرأي بأن يذكر لهم الرؤيا التي رآها:رأيت بقرًا تذبح ورأيت ثلمة في ذباب سيفي ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة. هكذا قال لهم الرسول المصطفي صلى الله عليه وسلم , وبالرغم من هذا لم يلاقي هذا الاقتراح القبول عند أغلبية الصحابة رضى الله عنهم هم يتوقدون إيمانا ويتفجرون حماسًا لملاقاة أعدائهم لعلهم يكسبون الشهادة أو النصر وخاصة أن كثيرًا منهم لم يحضر بدرًا فتأسف على أن فاته شرف المقاتلة في سبيل الله في بدر فهو متحرق لملاقاة العدو في هذه الفرصة السانحة, حتى إن بعضهم مما لا يهاب شيئًا في سبيل الله عز وجل كأسد الله ورسوله حمزة رضي الله عنه قال للرسول: حتى لو بقيتم في المدينة فلأخرجن إليهم يا رسول الله فأصارعهم بسيفي, وأمام هذا الحماس المتقد وأمام هذه الأغلبية ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عند رأيهم مع يقينه القاطع بأن رأيه الذي عرض هو الأصوب, كلا الرأيين صواب فالأمر في مجال الاجتهاد, ليست القضية قضية حق وباطل إنما هي قضية مقارنة بين اجتهادين أحدهما أصوب من الآخر ومع علمه صلى الله عليه وسلم ويقينه بأن رأيه الذي عرضه عليهم هو الأصوب وهو الأولى بالتنفيذ فإنه أخذ في اعتباره رأي الأغلبية صلى الله عليه وسلم, ولكن مبدأ الشورى في حياتنا نحن المسلمين ليس معناه الارتباك والاضطراب في الرأي والتردد والضعف والخور, فإن التردد والإرتباك والنزاع والخلاف ضعف وخور ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أقر رأي الأغلبية ودخل إلى بيته يحف به وزيراه أبو بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما فعممه أبو بكر ألبسه العمامة على المغفر ثم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في درعيه أي لبس درعيه مبالغة في الأخذ في الأسباب والاحتياطات اللازمة, أثناء ذلك ندم الصحابة وقال بعضهم لبعض: استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير ما يرى فلما خرج قالوا: لقد استكرهناك يا رسول الله على غير ما رأيت فامض إلى ما رأيت إن شئت فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ما كان لنبي إذا لبس لئمة الحرب أن يضعها حتى يلاقي عدوه ويحكم الله بينه وبينه فامضوا إلى ما رأيتم وتوكلوا على الله.
هذا تفسير عملي من النبي صلى الله عليه وسلم لآية الشورى التي نزلت في سياق غزوة أحد فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله , فمبدأ الشورى في حياتنا نحن المسلمين مبدأ أساسي في كل شيء في جميع المستويات على مستوى القادة والموجهين وعلى مستوى الأفراد وعلى مستوى الشباب المسلم , يجب أن نربي أنفسنا على روح الشورى وخاصة في العلم وفي طلبه كلكم سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) ), يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم يتعاونون ويتكاتفون في درس القرآن وفهمه وحفظه يعين بعضهم بعضًا ويكمل بعضهم بعضًا , هذه هي الشورى في طلب العلم فإن الشورى معناها في الحقيقة أن تضع في اعتبارك ما عند الآخر فتجمع ما عندك إلى ما عنده لعلكما تتوصلان معًا إلى الصواب أو إلى أكبر قدر من الصواب فقد يكون الذي عندك بعض الصواب وباقيه عند أخيك المؤمن أو إخوانك المؤمنين وربما كان الصواب كله عندهم وليس عندك شيء منه فكن وأنت تتعلم على منهج السلف فبتلاقح الاجتهادات وتكاتف الشباب المسلم في طلب العلم يتوصلون بذلك إلى الصواب بإذن الله عز وجل وتوفيقه. وهل أصابنا ما أصابنا من إحباط وفشل ومصائب وكوارث إلا نتيجة للانحراف عن المنهج الذي قد يعتريه مسيرتنا أو للخلل الذي قد يطرأ على حياتنا, فعلينا أن نتخذ الوسائل الشرعية اللازمة لتلافي ذلك وتجنبه ومن أهم هذه الوسائل كما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم التعاون والتكاتف أي العمل الجماعي حتى في طلب العلم فما بالك في العمل فإن التدارس هو الطريق الثاني لطلب العلم, أما ماذا يطلب الشاب المسلم من العلم؟ وكيف يطلب العلم؟ وما هو المنهج الذي يسلكه؟ فقد بينت ذلك بشيء من التفصيل في محاضرة سابقة ألقيتها في الطائف بعنوان:"برنامج عملي للمتفقهين"ذكرت فيه ثماني قواعد ضرورية لازمة لكل شاب مسلم يريد أن يتعلم دين الله عز وجل ويتفقه فيه نسردها بإيجاز تذكيرًا لكم:
القاعدة الأولي: أن يصحح نيته أولًا ويسلم من الشهوتين شهوة طلب العلم من أجل المكاسب والمغانم وشهوة طلب العلم لنيل الرئاسات والشرف.
القاعدة الثانية: أن يكون أول علم يطلبه هو التوحيد والفقه لأنه بهذين العلمين يصحح عقيدته وتصوراته ويصحح عمله فإذا طلب العقيدة وطلب علم التوحيد عليه أن يحرص على أن يطلبه على منهج السلف الذين هم صفوة هذه الأمة وقدوتها ونعني بالسلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن نهج منهجهم ممن جاء بعد ذلك, ومن أراد أن يطلب فقه الشريعة أو فقه الأحكام فعليه أن يستعين بواحد من المذاهب الفقهية المخدومة الزاخرة الغنية يتوصل به إلى الفقه ولا يجعله غاية له يجمد عنده وينحبس فيه, وعليه إذا طلب العلوم الشرعية أن يركز على الجوانب العملية في هذه العلوم لأنه كما قلنا لأنه ليس من منهج السلف أن تطلب العلم للعلم إنما تطلبه للعمل فما يتعلق به عمل تطلبه وتفني فيه وقتك وعمرك, وما لا يتعلق به عمل فاتركه فإن عمرك لا يمكن أن يسع لكل تلك العلوم, ما لا يتعلق به عمل يعد في منهج السلف من باب الترف والترف الفكري الذي لا طائل ورائه ولا فائدة تحته. فإذا طلبت العلم فاحرص على أن تطلبه من الأكابر ما أمكنك ذلك لا من الأصاغر وأن تطلب كل علم من أهله فكل علم يسأل عنه أهله هذه قاعدة معروفة عند السلف, هذا بينته بشيء من التفصيل أسأل الله عز وجل أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح وأن يهيئنا ويسخرنا للدعوة إليه وفي سبيله أقول هذا وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لم ترد.